إطلاق الشعارات الكبرى أهم ما يميز العهد الجديد، في مقابل التجاوزات الكبرى في العهد السابق. في ذلك العهد البائد، حاكمت أجهزة الدولة كثيرا من عناصر الحركة الوطنية والمقاومين، فأعدمت وعذبت ونفت إلى الفيافي والمعتقلات.

في ذلك العهد، كانت السياسة محرمة إلا على من أذعن وخضع، ووالى وطمع. كان الجلادون أصحاب حق وحماة قضية ! واليوم صاروا قديسين وأولياء تنال بركاتهم ويحمى جانبهم. وغدت السياسة مهنة حزبية للاسترزاق وواجهة سياحية للاستثمار!

وسائل الإعلام الرسمية والحزبية تقدم وجبات حوار “وطني” ساخن هي الشفاء من كل أوجاع المغرب الشعبي، وهي البلسم لكل الجراح المنتنة في جسم البلد.. البطالة التي صارت فريضة من فرائض المواطنة، والفقر القاتل المكفر، والفساد الاقتصادي الذي غدا قاعدة “للاستقرار الاجتماعي” !

حوار وطني أمام عدسات التصوير، ومصارعة حرة في سراديب المقهورين ومستهلكي معلبات”الهجرة السرية” والمخدرات والانحلال الخلقي.

حوار وطني بين عناصر النخبة بمعجم غني بالرمز والإشارة. وهذا من استحقاقات المرحلة الراهنة ..أن تذكر الكوارث والجرائم بصيغة المبني للمجهول، ثم تحال الملفات على أرشيف وزارة الأوقاف أو وزارة الفلاحة أو وزارة تحديث القطاعات العمومية !

عندما يتحدث أحد “المتنورين” في الشأن السياسي الوطني، وقد اكترى نظارات فرنسية أو أمريكية، يشيد خطابا سياسيا “متوازنا” عن الاتجاه الديمقراطي للعهد الجديد، وضرورة تدعيم دولة الحق والقانون، ثم ينسى أن جلوسه على أحد الكراسي المخصصة للحوار الوطني أمر صادر عبر قناة التعليمات. وهي الكلمة المقدسة في دين الاستبداد.

ينسى بعض الفضلاء أن فتح ملفات ماضي الانتهاكات الجسيمة لا يكون إلا برفع هذه الانتهاكات في حاضر المرحلة، عن الأفراد والجماعات.

ينسى الفضلاء أن حركات سياسية ما زالت في دائرة السخط المخزني..عفوا، وهل السخط كلمة مقبولة في عرف الديمقراطية والنظام الديمقراطي الذي يتسع لكل وجهات النظر؟ وينسون أيضا أن طاقات شبابية دمرتها الآلات الاقتصادية والقضائية فأودعتها المعتقلات أو أعماق البحر المتوسط !

ينسون. بل لا يريد ون أن يعترفوا بأن قوى الأمس وصراعات الأمس لم تنكشف عن إرث سياسي يستحق المفاخرة به، أو مؤسسات فاعلة يمكن أن تكون رصيدا ثمينا لمستقبل المغرب. ومع ذلك كله، فنحن  معشر المغضوب عليهم  لا نحمل حقدا أو ضغينة في بواطن قلوبنا. و إنما نحمل رفقا ورحمة ورأفة هي صميم الدين الذي يتواصى الرسمي والحزبي على إقباره وتشييع جنازته.

الخطاب السياسي الذي تقدمه جماعة العدل والإحسان إلى النخبة بكل مكوناتها هو الانخراط في حوار وطني يكون الشعب المغربي قوامه وركيزته وسنده، ويتجه إلى مقاربة ماضي الانتهاكات بكل أنواعها، وأفظعها انتهاك سيادة الشريعة وسلطة الشعب وثرواته، والعبث بالحقوق الفردية والجماعية.

فهل يقبل مهندسو “المصالحة الوطنية” تقديم كشف الحساب وفاتورة النهب المنظم للبلاد والعباد ؟ وهل يقطع الملك مع الماضي الأسود بمبادرات جريئة تلغي نظام الامتيازات وصكوك الغفران ؟

وإذا استعصى على الحاكمين هذا الطريق، فالحوار الوطني يظل قضية مؤجلة إلى حين !