(1)

كان الملتقى على بطحاء مكة، وبالصحبة امتد الانتساب.

استبد بي الشوق، وشدني الحنين وأنا أتابع فعاليات الملتقى الطلابي إلى اللقاء النوراني الأول، وامتدت لحظات الزمان والمكان البيضاوي الدافئ لتعانق لحظة الميلاد السعيد الأول، ومتى صبت الأنهار في غير بحر الصحبة الزاخر المعطاء شرب الناس كدرا وطينا.

يؤصل الناس لملتقياتهم بعناوين شتى، وملتقانا سلوك واتجاه، حركة رحيمة رفيقة تصيح تنادي من هنا الطريق من هنا البداية.

الملتقى استمرار واستبشار، تطور في الأداء، واستمرار في العطاء، نركب مطايا الجد وإن طال السرى، ونسافر على رواحل الصدق.

الملتقى مشهد من المشاهد. وقف الصحابة ونقف نحن اليوم، تجمهروا فتجمهرنا، وكأني ببلال رضي الله عنه ينادي الصلاة خير من النوم، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه، وأبو جهل غارق في لجة اليم.

ملتقانا محبة ووفاء، وبالحب نسجت معاني هذا الكون، وبه تناغمت إشاراته.

وهل ينقص الأمة إلا الحب في الله، وهل ظلت مسجونة كل هذه السنون في سجن ذلها إلا لفقدها هذا المفتاح: مفتاح

جنة الدنيا والآخرة، لو تحاب الناس لما كان بينهم ولا مهضوم.. ولا قفرت الجفون من المدامع إلا على الله..

ولا طمأنت الجنوب في المضاجع إلا لله. ولمحت رحمة المحبة الشقاء من الأمة كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.

وبها يصير الفرد هو الأمة..وإنما يتعدد بتعدد الصور..أتدري متى يكون الإنسان إنسانا؟ متى عرف هذه الحقيقة حق

المعرفة وأشعرها نفسه.. فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها

انفرد عنها، واستوحش من نفسه…

ولهذا لكم تحصر أهل الله على قلة وجود”الإنسان” فقال أحدهم: وأفتح عيني حين أفتحها فأرى كثيرا لكن لا أرى أحدا. وإذا وجد الواحد من أهل الله بين جوانح الإنسان ضالته من القلب المحب..وجدت الأمة ضالتها من السعادة والهناءة.

هذه الجموع الملبية وقد فاضت نفوسهم إلى حياة النور، هدفها محبة الحق وخدمة الخلق، ألا وإن نسيان الحق يقود إلى عمى الخلق، في زمن يطارد فيه الأبرار، ويعتو فيه الشياطين على زمرة الأخيار.

لا خير في حياة يظن أصحابها أنهم سادة وهم في الحقيقة عبدة أوثان.

تصبح هذه الجموع الملبية وعليها سما القرب، بعد أن هبت عليها رياح الأسحار، فسقت الأرواح، حاملة رسائل الحب، فابك يا عريان الغفلة !!!

دكاكين الغفلة مشرعة الأبواب في عالمنا الكريه، رائجة البضاعة فمعتق نفسه أو موبقها، وتجار الكلام وسماسرته يملأون الفضاء ضجيجا: علاقات بين العباد غافلة عن رب العباد، يا حسرة على العباد !!!، وهوس الفضائيات ولغطها يسرق من الزمان والمكان مبناه ومعناه، لماذا يمضي المرء عمره في مضغ الكلام؟ ومشروع الله عز وجل منفتح على السعادة الأبدية.

غص في نفسك لحظة كم هو عالم النفس مضطرب موار، وكم هو عالم الصحبة هادئ: سلوك واتجاه.

هذه الحركة باتجاه الخالق سمو ورفعة، حياة ومعنى، ومتى كان الملتقى في غير الله فلا حد لحسرة الناس.

الملتقى حركة سالك إلى مسلوك إليه.

(2)

الملتقى مسيرة ومسير.

مسيرة انطلقت من فناء الكعبة والمسجد الحرام: مسيرة مسجدية تدلف من باب الاستقامة، تلجأ إلى حرم التضرع، فهي مسيرة الطلب، لا تبرح عن الطلب حتى تبلغ مجمع البحرين.

من المنابع ننطلق وإليها.

مسيرة الطلب أنعم بها من مسيرة، فهي مسيرة طلب لوجه الله، ومسيرة طلب علم، ومسيرة طلب حق.

ركب الطلاب أنعم به من ركب، هذا الجمع العلمي المبارك، هذا الرهط الزكي، دعاة التجديد، والاجتهاد والإبداع والنظر الشمولي ولا فخر.

أول مشهد من مشاهد المسيرة: الافتقار إلى الله عز وجل، فالإحساس بالافتقار إلى الله عز وجل أول قدم في المسيرة.

مسيرة همها عمارة الأرض بالدعوة لتستعيد حرمتها كما خلقها الله أول مرة بيضاء نقية، فيا رهط التقى هذه مشاعل القبول، جردوا سيوف العزائم، وادخلوا عليهم الباب.

لا هم أعظم من هم الدعوة إلى الله عز وجل.

مسيرة تخطو خطوات العزم والتصميم، تخرج إلى سعة وضياء وأفق رحيب، معها ضياء العلم والكتاب، فهي تؤكد ذاتها المتميزة… مقترحة نفسها على التاريخ.

مسيرة تصاحب الأقلام، تعيش مع الأمة الآلام، وتصافح الأقران، تخدم جمع الطلاب، وتترنم بالقرآن، وتطل من نافذتها على نجوم الأسحار، وتتهجد إذ الناس نيام، فلما يتمخض الأمر تتساند إلى رواحل الاستغفار.

مسيرة متئدة صابرة مصابرة لا تستفزها الأحداث، راسخة القدم في الاستقامة والمنهاج، ماضية بعزم وثبات لفعل في التاريخ مدهش:

منا الأناة وبعض القوم يحسبنا *** أنا بطاء وفي إبطائنا سرع

مسيرة مغالبة واقتحام حتى النصر.

يكبر في عين المرء هذا الكون، والمكون أعلى وأجل، وتتسافل به المعاني فيسقط في بئر الغفلة، والصحبة تنادي يا ليت قومي يعلمون، بالحب نسجت معاني هذا الكون الفسيح، وبه تناغمت إشاراته. يقف العقل أمام هذه المعاني كحمار نام في الوحل، ويستبد بالمرء الشوق والحنين إلى موطنه الأصلي فتقوى المغالبة، ويتمايز الناس، فمتسافل متساقط، ومقتحم مراغم: المومن فرسي رهان والفرس فرسان فرس ضخم قوي يجر العربة، وفرس ضامر ذكي يقتحم العقبة، وإلى الذي يقتحم العقبة ينبغي أن ينصب الاهتمام(1).

يصيح بالمرء ديك الإيقاظ صباح مساء فينتكس وما يرعوي، حتى إذا نعق غراب البين دقت ساعة الفراق.

مسيرة ومسير دموعها باسمة، أهلها أصحاب سياسة وكياسة.

مسيرة أكبر حسناتها التعب، وأنعم به من تعب، فهو المنزلة الني تعقب حمل الدعوة، وحمل الهم “لا راحة بعد اليوم يا خديجة ” ورحم الله سيد قطب حيث استطرد معلقا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بقوله:”مضى عهد النوم، وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الشاق الطويل، لأن من يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير فما له والنوم ؟وما له والراحة؟ وماله والفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح؟ !

ويقول سائق العيس:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها *** تنال إلا على جسر من التعب

(3)

هبت عواصف الأقدار.

ولا زال بعضهم يسبح في غدير التماسيح، وما أصعب السباحة مع التماسيح !!!

من كان دليله البوم سكن الخراب، وهذه العير تصيح، “فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل انتظروا إني معكم من المنتظرين”(2)

هذه الجادة فأين من يسلك؟

واأسفا ما أكثر الزور !!!

عندما التقى الكاتب هذا الرهط العلمي المبارك، أهل التقى والملتقى، ضجت في وجدانه وانطلاقا من مطالعاته السلوكية القديمة قصة منطق الطير ورحلة الطيور المتعبة المضنية للظفر بالسينمرغ خلف جبل قاف، رحمك الله يا فريد الدين العطار فلا يزال كلامك يطن في وجداني، وإشاراتك تأسرني وركب الرابطة يضمني، أنت العاشق الولهان، وأقف بين يدي الصحبة أنا أبكم العالم وهي أفصحه، ورقة ذابلة: فراشة تحترق.

لكنني أضفت السلوك إلى الجهاد بعد أن اكتشفت المنهاج، وأدركت أن هذا الرهط العلمي المبارك نسل شجرة مباركة وارفة الظلال، فبكيت، وآليت، وكانت التباريح وآويت إلى ركن الصحبة الشديد.

منطق الطير لفريد الدين العطار، رحلة السلوك إلى الله على ألسنة الطير: رحلة ممتعة متعبة.

يا أيها الرهط العلمي المبارك، الطريق طويلة متعرجة: عقبة، فالزموا غرز الصحبة المبارك، وأحكموا الزمام، ورددوا مع شاعر الدعوة الإسلامية المبارك وليد الأعظمي رحمه الله:

كن رابط الجأش وارفع راية الأمل ***وسر إلى الله في جد بلا هــزل

وإن شعرت بنقص فيك تعرفــه ***فغذ روحك بالقرآن واكتمــــل

وحـارب النفس وامنعها غوايتهـا***فالنفس تهوى الذي يدعو إلى الزلل(3)

ومن روائع ابن الجوزي رحمه الله:

لا تنظر إلى جولة الباطل وارتقب دولة الحق إذا رأيت منافقا قد اتبع فتذكر ‏”‏ الدجال ‏”‏ غدا و ‏”‏ السامري ‏”‏ بالأمس(4).

فيا أيها الرهط العلمي المبارك: ” كن متيقظا للوارد إذا أدلى دلو التخليص وقم على قدم (تتجافى)، وامدد أنامل (يدعون ربهم).

وإذا أعجمت أطلال هند على البلا *** فدمعك في بث الغرام فصيح”(5)

وأنت تختم الملتقى تذكر: ملتقى الوداع وخطبة الوداع، فاذرف الدموع الغزار، واخرج من نفسك خطوات، وواصل المسيرة في جد بلا كسل.

فيا أيها الرهط العلمي المبارك: ارق خمر الهوى، واركب مطايا الجد، ولا تنظر إلى طول الطريق وإنما تلمح المقصد.

فأبشري يا طلائع النصر، وجلجل الجو بالآذان شعارا، فقد علم بلال رضي الله عنه في سالف الزمن أن الإمام لا ينسى المؤذن.

المنـــابـع

1. من لبنات الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله.

2. سورة يونس، آية 102.

3. ديوان الشعاع، ص. 162.

4. اللطائف، ابن الجوزي رحمه الله.

5. نفسه.