امتحان عسير، معاناة دائمة، دمار مخيم: مصيبة 1984، بلية 1956، طامة 1967، كارثة 1973 … والبقية تأتي.

أظهرت الهزائم العربية أمام دويلة إسرائيل مدى تفكك المجتمعات العربية ورعونة حكوماتها، حقائق مؤلمة! فبعد خيانة القادة الذين سلحوا جنودهم سنة 48 ببنادق معطوبة وذخائر فاسدة، غاب الجنرالات المصرية عن ميدان القتال أثناء هجوم إسرائيل الصاعق سنة 67 وانهمكت في لذاتها الآثمة. قد تكون تلك آخر فرصة لتحارب مصر الدولة الصهيونية ندّا لند إذ كان العم سام يستعد للدخول إلى الميدان.

وحين تخلى الجيش المصري سنة 73 عن الشعارات الوطنية ودوت في ساحات المعارك صيحة الله أكبر تحركت أمريكا حامية صهيون لتبني جسرا جويا ضخما أغرق الميدان بالطائرات والدبابات.

أما منظمة الأمم المتحدة، فلطالما أصدرت قراراتها بإدانة إسرائيل لتنقضها الولايات المتحدة ولتضرب بها الدولة العبرية عُرض الحائط معتبرة إياها مجرد أوراق تافهة.

ولأن دولة يهود هي البنت المدللة لأمريكا البروتستانتية الهائمة بالأساطير التوراتية، فهي لا تتردد  مستقوية بجهاز دعايتها الأخطبوطي المتنفذ في أمريكا  في تضخيم أعداد ضحايا هتلر، مقتبسة من الخزان التوراتي المشترك مفاهيم معبئة مثل الخروج، والمحرقة، رافعة شعار “أرض بدون شعب لشعب بدون أرض” لتصبح فلسطين أرضا خالية، إرثا ضائعا استرده الشعب المختار.

لكن “الأرض الموعودة” المسترجعة ليست سوى مرحلة انتقالية نحو “إسرائيل الكبرى” التي ترسمها الخرائط الصهيونية والتي تحتوي جزءا كبيرا من المشرق العربي، الأردن وسوريا والعراق ومصر، فإسرائيل تعمل بنفسها، معتمدة على حليفها الأساسي المتمثل في الإحساس بالذنب الذي خلفته المحرقة الهتليرية.

فبعد أن ساهمت حكومة فيشي خلال الحرب العالمية الثانية في اضطهاد اليهود، أقنعت فرنسا بأن عليها دينا تاريخيا يجب أن تؤديه للشعب اليهودي، كما لابد لهذا الدين أن يسدد بأي ثمن، وإن تطلب ذلك سحق المبادئ الديمقراطية التي ينافح الغرب باسمها عن حقوق الإنسان. زعماً.

كان لليهود دين على أوربا سيؤديه العرب. فلقد احتُلت أراضيهم، وجهزت لاستقبال الأجناس اليهودية المدعومة إلى أرض الأجداد. ثم تطور الأمر فأصبحت الأسطورة المؤسِّسة للمطالب اليهودية تتمتع بالحماية القانونية، إذ تم التصويت في فرنسا لصالح قانون غيسو  فابيوس الصادر سنة 1990 ليعاقب بصرامة كل من طعن في العقيدة السياسية الصهيونية وشكك مثلا في وجود أو حجم الإبادة التي تعرض لها اليهود في ألمانيا النازية.

وهكذا أصبح بفضل الدعاية اليهودية هتلر عدوّ الجنس البشري  الذي أثار الحرب العالمية الثانية وتسبب في قتل خمسين مليون نسمة منهم عشرون مليون سوفييتي  جلاد اليهود واليهود فقط.

في تل أبيب والقدس تراجع أعداد الضحايا ويحتفظ بأربعة مليون بدلا من الستة ملايين التي تغنى بها وبكى عليها اليهود طويلا، ليصبح الرقم المنقوش مؤخرا على النصب التذكاري والمعترف به رسميا مليونا ونصف مليون.

لكن، مهما ضخّمت أعداد الضحايا فلن يزيد ذلك إلى هول المجزرة الهتلرية شيئا لأن إهدار دم ضحية بريئة واحدة  يهودية كانت أم غير يهودية  مرفوض في ديننا الإسلامي.

وابن أمريكا المدلل هو أيضا هوليود المحبوب، إذ تتظافر رؤوس الأموال اليهودية المتحكمة في الصناعة السينمائية والمواهب الإخراجية اليهودية لإبراز شخصية شاندلر الأسطورية وتصويره وهو يتصامم عن سماع احتجاجات أرملته المندِّدة بتزوير الحقائق التاريخية.

حين يتكفل إذن مثل هؤلاء المحامين البارعين بالقضية اليهودية، تتجذر القضية اليهودية في ضمير العالم، بينما ينمحي منه أي أثر لأي قضية أخرى. فلا نُصُبَ تبكي الستين مليون هندي أمريكي الذين أبادهم الرجل الأبيض المستكشف البروتستانتي الأمريكي، لا لوحة تخلد ذكرى المائة مليون إفريقي أسود الذين هلكوا في قيعان السفن، إذ لم تكن حقول القطن الأمريكية تقبل سوى عشر هذا القطيع الآدمي، أما الباقون فكانوا يموتون أثناء القبض عليهم أو خلال رحلتهم السعيدة، مغلولين مكدسين في قاع السفينة. من يفكر بعد في مثل هؤلاء؟ الدولة اليهودية وحدها تستحوذ على القلوب والذاكرات!

لكن لا ينبغي لصورة المعاناة هذه التي يروجها اليهود ويستغلونها أن تلهينا عن المشروع الصهيوني، وأن تمنعنا من الإحاطة ببعض السمات المزاجية لحماة الدولة الصهيونية وبعض سوابقهم.

فالدولة العبرية صاحبة المشروع، وحماتها يطلبون المستحيل، يجتهدون مخاطرين بمستقبلهم لاحتلال أراضي ثلاثمائة مليون عربي والاستيلاء على اقتصادهم غير مهتمين بالدعم المقدم غدا من المليار ونصف المليار مسلم الذين سيدركون مدى أهمية الرهان الفلسطيني ويهبون لتلبية نداء إخوتهم.

لكن طلب المستحيل ثم اكتشاف استحالته مع امتلاك ترسانة نووية ضخمة كفيلان بإغراء إسرائيل بالعدوان. فهل تستيقظ البشرية ذات صباح على دوي انفجار شبيه بانفجار هيروشيما يمحو من الخارطة إحدى العواصم العربية؟

يبدو المستقبل ملبدا بالسحب إذا ما اعتبرنا عجرفة وطيش الرئيس الحالي للحكومة الصهيونية نتنياهو واستنطقنا العقيدة اليهودية التي تجعل من “الأمميين” غير اليهود  كائنات خلقت لتستغل بالإقراض الربوي خاصة، وبغيره من طرق الاستغلال. “أمميون” مصيرهم  حسب التأويل المتطرف للتوراة  الإبادة، إن هم حالوا دون تنفيذ مشاريع الشعب المختار.

ففي نهاية أكتوبر من سنة 1997، أثار رئيس الدولة اليهودية زوبعة شعبية حين شكك في صحة بعض فقرات التوراة التي تتوعد أعداء إسرائيل بالاستئصال، وأثار اليمين المتطرف الحاكم الذي تقوم إيدلوجيته على مثل هذه الفقرات المؤولة لتبرير شراهة التوسع الإسرائيلي.

لكن الدويلة المصطنعة المكشرة عن أنيابها يهددها شبح التدمير الذاتي. فهي ليست سوى عصابة من العشائر المتنافرة. كما تهددها ضخامة ترسانتها النووية التي قد تشعل فتيلها نزوة زعيم ذُهاني أو هيجان قادة عسكريين قد يحرضون الحكومة على التحرك، مما يعمق القلق الداخلي ويضاعف انزعاجنا.

تظل الدولة التي يسندها حلفاؤها الغربيون منذ خمسين سنة تعاني من حركية عنصرية إقصائية تنخر كيانها من الداخل رغم الواجهة الديمقراطية التي وإن كانت ناجعة لحد الساعة لا تمثل اللحمة الضامنة لبقاء البناء قائما.

لكن يجب ألا نمني أنفسنا بالأحلام وننتظر انهيار المعتدي بفعل سحر خفي! يجب أن نفهم ونتحرك! علينا فهم التاريخ والاستعداد لموعود الله بالشرط المذكور في القرآن: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين” (سورة آل عمران، الآيتان: 139-140). هذه الآيات نزلت بعد هزيمة المسلمين في أحد، لكن القرآن ليس تسجيلا لأحداث محددة بزمن معين، بل هو كلام الله الحي الذي ينطبق على كل “الأيام”، الذي يعد المؤمنين بالعلو بعد الهزيمة وبالعز بعد الذل. فقد دامت مملكة أورشليم التي أسسها الصليبيون قرنين كاملين ثم طرد الفرنجة وتفككت الإمارات الصليبية التي كانت متناثرة في العالم العربي. كان النظام الإقطاعي السائد في المنطقة جائرا وغير إنساني لكنه ظاهريا كان مستقرا.

كان نظاما يمارس الاسترقاق، إذ كانت الأراضي تباع أو تورث مع أقنانها الخاضعين للسوط لكنه كان يبدو مستقرا.

واليوم تسخر الديمقراطية الحديثة المحررة بزعمها في إسرائيل لاستعباد شعب مقهور. لكنها لن تدوم. ستبقى هنا ردحا من الزمن، من أجل امتحاننا، من أجل امتحان العرب والمسلمين. فلقد اندحرت المملكة الصليبية القديمة حين واجهت مجتمعا التف حول سلطان موحد: صلاح الدين الكردي الذي جمع حوله العرب وغير العرب من المسلمين.

هذه الأمور تبدو اليوم بعيدة عنا، فالحروب العرقية تمزق كيان المسلمين وتفرق بين الأفغان والترك والعرب المتطاحنين. ينهزم المسلمون ويستعبدون لأنهم ليسوا سوى مُزَعٍ متناثرة.

ستظل إسرائيل الابتلاء مؤقتا، ريثما يدرك المليار ونصف المليار مسلم المتشرذمون هويتهم الحقيقية، لأن الابتلاء مفهوم مركزي في الإسلام يميز الله به الذين آمنوا من الكافرين. وعد الله جلي في كتاب الله، لكن تحقيقه رهين ببضعة شروط؛ بالإيمان، بالمؤهلات السياسية والاجتماعية، بالمقاومة والاستشهاد، وبالإعداد الطويل المتأني إلى أن يحل يوم “التداول”، فالنصر رهين بالاستحقاق!

لقد لاحظ المؤرخ الإنجليزي الفطن توينبي ظاهرة تداول الحضارات، لكن يبقى سقوط الحضارة الغربية الحديثة وتحللها مستَبعدا في نظر العقل المنبهر بقوة الغرب وثرائه، بتنوع القدرات التي تمكنه من استغلال الطبيعة وترويضها، بل تدميرها.

أما المتفحص لنفسانية الإنسان الحديث  اليهودي مثلا  فيكتشف علامات واضحة للتحلل القادم لا محالة.

نعم! لكن وضع المسلم ليس أفضل من أوضاع غيره، فهو بالإضافة إلى انهياره الأخلاقي يعاني من البؤس المادي، من التخلف، من الظلم الاجتماعي، من التفكك السياسي. وتبقى القائمة طويلة.

لذلك يظل المسلم  إذا اعتبرنا العرضية التاريخية ونفسانية الشعوب- مستبعد الترشيح لدور مشرف في الساحة الدولية، وتظل نظرية الدورات الحضارية مجرد فكرة مُهَوِّمة.

لنعرض إذن عن المؤرخين المنهمكين في تحليل الظروف والملابسات، ولنستعرض قصة أنبياء الله كما أوردها القرآن: كلما علت قرية وتجبرت واستكبرت عن طاعة ربها، حقت عليها اللعنة، وحاق بها العذاب، ثم أعقبتها أخرى أعدل منها وأقل فسادا. ذلك كان مصير عادٍ، قوم نبي الله هود، وثمود، قوم صالح، وفرعون عدو موسى … وبهذا يصبح المستضعفون المستذلون بالأمس محلا لتنزل النصر غدا، بشروط يجب توفرها. لأن القعود المتأمل والانتظار المطمئن لا يمنحان في عقيدتنا النصر.