الواقع السجني الموبوء:

أنهتز طربا مع ممجدي خطة إدماج السجين ونصفق لإنجازاتها التي تعرضها الصورة والكلمة الإعلامية الرسمية، أم تأخذنا الغيرة فننبري إلى تشخيص الداء وترجمة بعضا من المعاناة التي يصطلي بجحيمها المعذبون في السجون؟ ها هي الشهادات تلو الأخرى تفضح زورالتزيين والتمجيد اللذين تصطبغ بهما قضبان وأسوار السجون والمعتقلات، وتكشف القناع عن واقع سجني بئيس بكل المعايير.

واقع سجني تقطع المخدرات أوصاله، وتأكل المحسوبية أحشاءه. سجناء ترتبك على قسمات وجوههم وفي دخائلهم النفسية وعلاقاتهم الاجتماعية علامات اليأس والقنوط وقروح الظلم والجهل. هم خليط، منهم المحترف في الإجرام، ومنهم البريء، والتقي النقي، ومنهم الخطاء التواب. الكل يحشر في خندق واحد وفي زنزانة واحدة، حيث تعم الجميع البلوى وتتفاقم العدوى الإجرامية. لا إعمال لتصنيف، و لا اعتبار إلا لذي مال وجاه.

نتيه عن المعالم الحقة لخطة إدماج السجين إن كنا على قدم من يتغنى بثقافة حقوق الإنسان، ولا نفقه قبيلها من دبيرها، إلا تباريا مع الدول المتقدمة كيلا يكون لها حقوق ولا حقوق لنا. لا مفر لنا من معرفة واقعنا السجني المجهل على حقيقته، لا على صفة تزينها الذاتــية المستعارة، ولا على صفة يشوهها الضيق بما يُرى من عوج، وما يتعاظم في النفوس من مسؤوليات التربية والإدماج.

ترصد الجهات الوصية لعملية إدماج السجناء أموالا طائلة، وتستعين بجيوش من «مراقبين مربين» لإنجاح خطتها التربوية. لكن ما بال هذه المؤسسات السجنية لا تربي ولا تعلم، بل أصبحت مراكز لتخريج أفواج من المنحرفين المحترفين في الإجرام؟

قال بعض المحللين للسلوك الإجرامي: ذلك أن ثمة أسباب شخصية أو أمراض نفسية مرتبطة بالفرد تؤثر في الظاهرة الإجرامية. وهذا الرأي له وجه من الصواب لا يسعنا إلا الاعتراف به، لأن من الأشخاص من لا ُيقوم اعوجاجه ولا يعتدل مزاجه، ولا تعمل فيه التربية بالمرة. ولذلك حكم الله على المجرمين العاصين أوامر الله عزو جل بالخلود والتأبيد في النار، وأخبر عنهم بقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [سورة الأنعام: 28].

وقال آخرون: إنه بيئة السجن وظروفه الاجتماعية والثقافية التي يتم فيها تلاقح للانحرافات الإجرامية.

هذه الوجوه النفسية والاجتماعية والبيئية من الصواب لا تنكر، لكن ما يعنيني وأنا في حديث عن الإدماج وخطته التربوية هو معرفة وجه أساسي من الصواب في المسألة. ذلك أن من بين الأسباب الرئيسية المؤدية إلى الانحراف والانغماس في مستنقع الجهل والرذيلة انحراف الإدارة السجنية عن الوجهة الصحيحة للوظيفة التربوية والتعليمية، وانشغالها بصغائر الأمور وتزيين الواجهة. سبب وثيق من بين الأسباب الأخرى النفسية والاجتماعية.

تظل أي خطة قاصرة، مهما تنوعت قوانينها المنظمة ومراسيمها التطبيقية، ما دامت الجهة المركزية الحالية التي تدير السجون مستلبة الذات، ذات نمط تربوي استهلاكي. فإذا كان نداء السجين إلى الإدماج والتأهيل غريبا عن سمعه، ولا يجد صدى في نفسه، فينبغي اتهام مضمون الخطة التربوية وباعثها المزيف الذي تمج الفطرة صوته، لبعده عن أصول الفطرة الإنسانية ومبادئ التربية لإسلامية.

كيف يقدم البديل التربوي الأصيل في نسق واحد يستقي من النبع القرآني والمنبع الإسلامي دون أن يغفل ما أنتجته الاجتهادات التربوية الحديثة من دراسات وتجارب؟ نسدد ونقارب في انتظار المشروع المجتمعي الإسلامي ليحدث التغيير الشامل فيعم الناسَ العدل وتنشر الرحمة والإحسان.

مضمون الخطة التربوية البديلة:

لا تلبث أي منظومة تربوية أن يتلاشى وقعها في نفوس السجناء إن لم توصل بحبل القرآن وحبل التوبة إلى الله عزوجل. التربية التي تستقي من القرآن والسنة النبوية وتستمد أصولها أول ما تستمد من تاريخنا تربية تطمئن النفوس المنحرفة وتهدئ اضطراباتها لاتصالها الدائم بالله عزوجل، وتذكارها المستمر لحياة ما بعد الموت « والدنيا سجن المؤمن»، حيث الحكم العدل والجزاء المطلق. وقد أثبتت هذه الحقيقة َ التجربة الميدانية ُ، وإلى جانبها مجموعة من الدراسات والأبحاث التي تعضدها. فالسجين مهما كان انحرافه ينحني إجلالا وهيبة للخطاب الذي يذكره بحقيقة وجوده الدنيوي ومصيره الأخروي. وأما الخطة التربوية المنقطعة الصلة بالله تعالى واليوم الآخر فهي مسلك مادي يطمس الفطرة ويجعل النفوس تعيش ألما ويأسا دائمين، شاخصة أبصارها إلى لحظة الانعتاق من قبضة السجان الذي يعفو أحيانا، معرضة لاهية عن لحظة الانتقال إلى الدار الآخرة، فإما حر طليق في نعيم مقيم، أو محصور مكبل في سجن جهنم وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا  [سورة الإسراء8].

كيف نعيد إدماج آلاف ممن حكم بالمؤبد والإعدام ومن دونهما من الأحكام القاسية، ضحايا الفقر العويص والبطالة والبؤس والظلم الضارب في أعماق المجتمع؟ نعدهم ونمنيهم بالاندماج في المجتمع بعد أن يشيخوا في ظلمة الزنازن، أم نتركهم أحياء معذبين خلف الأسوار فيستراح من انحرافهم وِلمَ لا الاستراحة من استقامة بعضهم ورشدهم؟

انتظار لحظة الانتقال إلى العالم الأخروي إيمان لا ينعكس على النفس بالتعمية ولكن بالهداية والآمال العريضة في أعين التائبين المستسلمين في لحظة من لحظات الدنيا لهواهم ونزوات أنفسهم.

يجب أن يصرف وجه قابلية السجناء إلى القرآن والسنة، يحبب إليهم الله ورسوله بما يشاهدونه من رعاية لأحوالهم، وتفقد لشؤونهم، واحتضان لهمومهم الخاصة والأسرية من قبل هيئات المجتمع المدني، وما يلاحظونه من جو عام في ممرات السجن وساحاته، ومسجده وزنازنه. نصل قنوات فكرهم وقلوبهم وولائهم بالنماذج المثالية التي ابتليت بالسجن وصبرت وصابرت وعانقت هموم رفقائها في المعتقل حتى لحظة الانعتاق من أسر الأغلال. أول هذه النماذج الخالدة سيدنا يوسف – عليه السلام- وقصته المسلية والواعدة بالاندماج في أعلى درجات السلم الاجتماعي، ثم الذين يلونه من الأئمة حتى وقتنا الحاضر.

أول ما ينبغي أن يطرق سمع الوافد على السجن حرف القرآن الكريم ، تلاوة وحفظا وفهما، تلاوة تتغنى بالآيات وتتدبرها، وحفظ يصحبه شرح مبسط للقرآن الكريم، ويتفرع عن القرآن من العلوم ما تحتاجه العقول وتتسع له الأفهام. تعليم اللغة العربية، في محاضن محاربة الأمية الأبجدية، وتوثيق عراها في مدرسة السجن ومسجده وفي المدارس والجامعات العمومية التي ينبغي أن تذلل العقبات للسجناء. مطلب ملح يتحتم علينا أن نجعله في صدر الأولويات.

فإذا أصبح للسجين التائب والبريء على حد سواء حس إيماني ووحشة من الفراغ الروحي في رفقة السجناء اللاهين الغافلين في حلقات القمار، وتعطش إلى السماع القلبي والعقلي من الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم، وكان له إبصار بلغة القرآن فقد تأهل للاعتبار المباشر بما في القرآن الكريم من أمر ونهي، وفرض ونفل. وهو مع ذلك يبقى محتاجا لنموذج حي يواسيه، ويتمثل سلوكه ويقتدي به، ويفتيه في كليات الفقه، وجزئيات الأحكام. ثم بعد هذا لاغير تنمى المهارات والمواهب الفنية، وتشجع الأنشطة التكوينية والرياضية. وكم من سجين في الزنزانة يكتوي بنار الاكتظاظ، همته تتطلع إلى المعالي والسؤدد، وكيانه يغالب تيار الانحلال الخلقي الجارف، فما آنس من الجهة الوصية على السجن مروءة تهب لإنقاذه ورعايته، ولا خلقا إيمانيا يوقد جذوة إيمانه، بل «معاكسات» فارغة يُجلّ عنها المسؤولون.

ورب قائل يقول: وما الجديد في الخطة التربوية البديلة وهذا القانون المنظم للسجون 98/23 يساير أحدث القوانين المراعية لحقوق الإنسان، وهذه النشرات المعرفة بحقوق السجين، وهذا الضمان لحق السجين في أداء شعائره الدينية. نعم هذه حقائق لا تُـنكر في عمومها. لكن شتان ما بين الواقع وهذه الحقائق النظرية. وشتان ما بين قوم تنكرت عقولهم لدينهم إلا في زواياه الفردية وبين قوم انجمع هم قلوبهم في دين واحد لا انفكاك للمنحى السياسي والتربوي والاجتماعي عن المنحى التعبدي الفردي.

الأنشطة التكوينية:

متى تتخلص المؤسسات السجنية من إشكالية عزوف السجناء عن الانخراط في الأنشطة التكوينية؟

سجون عدة شيدت فيها مراكز قيل عنها تكوين، لكنها أسماء لأعمال فارغة. كان آخرها المركز الذي أحدث بسجن بوركايز بفاس في شهر رمضان المنصرم. بناية استوت أعمدتها واصطبغت جدرانها في أقل من شهر!! اقتيد إليها الأحداث من السجناء طوعا وكرها لتنطق الكلمة وتنقل شاشة التلفزة إلى جمهور المشاهدين خبر حصيلة الأنشطة التكوينية بالسجن في حلة اغتبط بها المعطلون الأحرار. مر المشهد الاستعراضي وعادت الأمور إلى حالها الأصلي، وخيم جو الاكتئاب على عموم السجناء كعادتهم، وهجّرت بعض أوراش المركز إلا من ثلة ليس لها قرار ولا بديل. لو رشّـدت نفقات هذا المركز الذي قدرت تكلفته بالملايين، لو شيد المسجد إلى جانب هذا المركز التكويني لينجمع شمل السجناء على الله عز وجل ويهدأ اضطرابهم، لو تغيرت عقليات من تجريح وإيلام ومن نظام الرشوة والمحسوبية إلى إصلاح وتعليم وتقدير للكفاءات، لتسارعت إلى التكوين طاقات سجنية كثيرة.

وانظر إلى المؤسسات السجنية بالدول المتقدمة التي اختارت المنحى التأهيلي للسجين بدل التشفي والإيلام كيف تقدر كفاءات السجناء ولا تثبطها. تهيء الجو العلمي الحافز، تسد جوعة البطن بالتغذية المتوازنة، تكافئ العامل السجين بمقابل جدي ومسؤول، تؤمن حياته من الأمراض المهنية وحوادث الشغل.

أما وقد رأينا رأي العين هزالة المكافآت المادية pécule)) التي تمنح للسجناء العمال في شتى أوراش العمل السجنية، من حدادة ونجارة… وغياب التأمين لحياتهم، وغياب الجدوى العملية كرصد المكافآت والمنح المعقولة والتخفيف الفعلي لا الصوري من العقوبات، إذن فلا أمل للنهوض بتكوين ولا تعليم.

البنايات الصحية، والمجالات الحيوية للرياضة، وأوراش التداريب العملية والإعلامية وسائل ينبغي أن تسبقها توعية للسجين بالقواعد التي تمجد العمل وحرمة روحانية تزكي الكسب، وبالأهداف المتوخاة منها عاجلا أو آجلا، لتفتح لهم الطريق، ويتشجعوا على متابعة السير.

تعمم الأنشطة على كافة السجناء ليبرز الموهوبون والماهرون منهم، وتختار الكفاءات، وتنظم لهم المنح والمساعدات المادية والمعنوية.

المراقب المربي:

من التغييرات التي طرأت على التشريع الخاص بمجال السجون إضفاء صفة مراقب مربي على حراس السجن، وذلك تماشيا مع الدور الإصلاحي والتأهيلي للسجون. فكرة من الوجاهة لاتنكر استعادت أصالتها الإسلامية بعد غياب طال لعهود من الزمن. لك أن تجالس واحدا من الضمائر الحية الخبيرة المجربة بحقل السجون فتكتشف البون الشاسع بين الواقع والمثال. حارس سجن منتحل لصفة «مراقب مربي» منعدم الكفاءة والحافز، ووضعيةاجتماعية مقلقة. تتكسر المجهودات برمتها إن لم يكن المراقب المربي، الذي يمثل الواسطة الحية في عقد العملية التربوية، على قدر كبير من الكفاءة وعلو الباعث والرخاء في المجتمع.

سجين فقد دفء عائلته ومحتضنيه من يسليه ويواسيه برفق ومسؤولية أخلاقية، ويخفف عنه وطأة السجن إن كان المراقب المربي مجرد أجير يوظف لأجل الحراسة الأمنية لا غير؟

سجين من يعلمه ويصقل قدراته العقلية ومهاراته العملية إن كان المراقب المربي لا كفاءة له ولا وزن في المجتمع ولا تقدير، ساقطا في حضيض الحاجة المادية؟

إن كانت المؤسسات السجنية تمثل مرتعا خصبا لإمداد المجتمع بأفواج من المنحرفين، فمن بين آكد الأسباب فراغ السجين لفراغ المراقب المربي. ولا ننتظر من مراقب مربي أن يقود عملية التربية والتعليم وهو صفر اليدين. بل العهدة ينبغي أن توكل إلى ضمائرعالية الهمة والكفاءة، بريئة مما يجرح المروءة والدين، منجمعة الذهن غير منشغلة بهموم المسكن والملبس والدرهم. تستعين الجهات الوصية لفرز هؤلاء الأخيار من الموظفين، إلى جانب امتحانات تقيييم الحصيلة المعرفية، بالاستماع إلى شهادة الثقات من الناس فيهم. وهذه الوسيلة لا تتناسب مع أعراف التوظيف الإداري، لكن من الممكن الإعمال بها تفاديا للغرر البين الذي يحدثه الاقتصار على الامتحانات لوحدها. ألا ترى أن لجنة التأديب بالإدارة المركزية تعمد إلى تجميد عمل أي مراقب مربي إلى حين، إذا توصلت بشهادة الثقات لديها تثبت مخالفته للقانون الداخلي المنظم للموظفين. ولو كان هذا المراقب المربي ممن يحمل شهدات جامعية عليا. ومن الأعراف الجاري بها العمل في مختلف السجون تغيير الحراس من مصلحة إلى أخرى بشهادات الحراس أو السجناء.

مطلبنا مراقب مربي سوي في بنيته النفسية والخلقية، كفء في مادته العلمية، مراقب لله في أمانته، صابر على النفوس التي نزلت عليها أقدار السجن، زاهد في ما أيدي السجناء وعائلاتهم.

ومع هذه الشروط والمواصفات لاننتظر أن يتصدى مراقبون مربون للعملية التربوية بإخلاص وتفان إن كان المتربع على هرم الإدارة السجنية شخصية عديمة الكفاءة، لا علم لها ولا ثقة لها بنفسها ولا مروءة ولا دين ، تقرر من بعيد ، تحتكر الصلاحيات، ويسود منطقها التعليمات، وتنفرد بالقرارات.

للمجتمع المدني دور في التربية:

لا ينبغي للعملية التربوية التعليمية التي تستهدف السجين وما يتبعه من تعليم وتعبئة للمهارات واستصفاء للمواهب أن تكون من اختصاص إدارة السجن لوحدها، بل لابد من إشراك الخطباء والوعاظ والنشطاء الحقوقيين والأساتذة والمربين في تخصصات عدة. يكون التطوع والمسارعة إلى الخيرات هي الحوافز. بإمكان إدارة السجن أن توفر للسجناء الجو التربوي والعلمي الحافز، لكن هل تستطيع أن تؤهل ؟ تسجل التجارب الميدانية أن العملية التربوية الـتأهيلية بمختلف مستوياتها إنما يتوقف نجاحها على ما يوليه المجتمع من اهتمام بالأسير.

عاش كثير من المعتقلين السياسيين تجربة سجنية اتسمت على العموم بالنجاح في جوانب عديدة. فإذا استفهمنا التاريخ عن سر هذا النجاح وجدنا من بين ما نجد من أسباب احتضان وتبني مؤسسات خاصة لهؤلاء المعتقلين فرادى وجماعات.

فإذا ذكرت مثلا المجموعات اليسارية المتعاقبة على السجن أواخر السبعينيات وعقد الثمانينيات فقد ذكرت احتضان التنظيمات الحزبية الماركسية، ومنح المنظمات الكنسية وعطاياها المالية بأوربا وغيرها من الدول، والدعم المعنوي اللامشروط. وهذه مزية قل نظيرها تحسب في سجلهم.

وفي تجربة الاعتقال السياسي الإسلامي في عقد التسعينيات والعهد الحاضرتألق الكثير من المعتقلين في حقل التعليم العالي الجامعي، وأحرزوا نتائج طيبة على مستوى التحصيل المعرفي. يكفي هنا التمثيل لا الحصر بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ونيل شهادة الدكتوراه الوطنية. ومما لا شك فيه أن جماعات من ذوي المروءة والإحسان والدين من خارج السجن تكفلت بهؤلاء المعتقلين ورعتهم ومتنت أواصر المحبة معهم، وقامت بشؤونهم من لباس وكتب وصحف، ومتعت بدفء الرعاية أهاليهم، فقطعت بذلك مصدر كل تشويش ذهني خارجي معيق للتعلم والدراسة.

من المؤكد جدا لو أن هذه الطريقة الاحتضانية اتسعت من خصوص السجناء إلى عمومهم لسُدّدت خطى أفواج من السجناء. والحمد لله مجتمعنا يزخر بطاقات بشرية جمة، علماء ربانيون متطوعون، نشطاء حقوقيون، خبراء بالنفس وغوائلها. بإشارة واحدة صافية غير مشوبة بـبَطر ولا أشَـر يهب الجميع لتقديم يد العون، كما هو دأبهم مع المسكين واليتيم. متى ترفع الجهة المسؤولة حظر الزيارة عن مكونات عدة من المجتمع لتشارك بأطرها ومهاراتها في إعادة إدماج السجين وتأهيله؟ ننتظر في القريب العاجل أن يفيء المسؤولون إلى رشدهم قبل تعم الفوضى ويضطرب الأمن في المجتمع. ولات حين مناص.

باعتماد خطة تربوية مستعارة، يتعايش الجهل والجريمة واليأس بمقتضاها، وبالاستمرار في عدم إشراك فعاليات إسلامية جادة في تربية السجين نتيه في سبل الضلال والتضليل. والسبيل الأنجح لضمان الصلاح والأمن للمجتمع مصالحة مع الذات ونية صادقة تجدد الإيمان وتشجع العمل وأخلاق المروءة والدين..

* طالب باحث

أحد معتقلي العدل والإحسان الاثني عشر بسجن بوركايز بفاس.