الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله:

سؤال ينبغي أن يخطره المسلم على باله وهو يتجه بسلوكه إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى: أيهما يقود المسلم إلى الآخر، الحب يقود المسلم إلى طاعة الله عز وجل؟ أم طاعة الله سبحانه وتعالى تقوده إلى محبته؟ سؤال ينبغي أن يُخطره كل مسلم على فكره، وأن يتبين الجواب منه، ليعلم كيف السبيل الموصل إلى الله، هل الحب هو السبيل إلى طاعة الله؟ أم طاعة الله عز وجل هي السبيل إلى محبته؟

الحقُّ أن محبة الله عز وجل هي السبيل إلى طاعته سبحانه وتعالى، فمن كان قلبه فارغاً من محبة الله عز وجل لن يجد سبيلاً يدفعه إلى طاعته، ويخطئ من يتصور العكس، فيقول: إن طاعة العبد لربه عز وجل هي السبيل إلى محبته. إذا لم تكن محبة الله عز وجل مهيمنة على القلب، فلن يقوى العبد على الصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، لن يقوى على الثبات على تنفيذ أوامره، ولن يقوى على الثبات على الابتعاد عن النواحي التي حذره الله سبحانه وتعالى منها.

وهكذا فمحبة العبد لربه هي المحور وهي الأساس وهي المنطلق.

ولكن العبد لابدَّ أن يسأل عندما يسمع هذه الحقيقة: فكيف السبيل إلى أن تغرس محبة الله عز وجل في القلب؛ حتى تقوده المحبة إلى الطاعة؟ سبيل محبة العبد لربه سبحانه وتعالى  أيها الإخوة  أن يتذكر النعم الكثيرة التي لا تحصى، والتي يغدقها الله سبحانه وتعالى على عباده صباح مساء، وفي سائر التقلبات والأحوال، فإذا تنبه العبد إلى نعم الله عز وجل المتواصلة المتنوعة والمختلفة التي تتوالى عليه، وربط هذه النِعَم بالمُنْعِمِ، اهتاجت محبة الله سبحانه وتعالى في قلبه، ولا أقول وجدت فمحبة العبد للرب موجودة حتى ولو كان هذا العبد من أفسق الفاسقين، بل حتى ولو كان هذا العبد من التائهين الملحدين، ولكن قد تكون راقدة، وإنما يوقظها تذكر نعم الله سبحانه وتعالى، ثم ربط هذه النِعَم بالمُنْعِمِ.

فتعالوا – أيها الإخوة – نوقظ محبة الخالق عز وجل بين جوانحنا عن طريق التنبه إلى هذه النعم الكثيرة، والتي لا تحصى، والمتنوعة والتي لا تنقطع عن عباده أياً كانوا وكيف كانت أحوالهم، عندئذ إذا تذكرنا هذه النعم وربطناها بالمنعم سبحانه وتعالى، وثبتنا على هذا النحو، فلاشك أن القلب يتحول عندئذ إلى وعاء لحب واحد لا ثاني له، ألا وهو حب هذا المنعم جل جلاله.

يقول المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أحبوا الله لما يغزوكم من نعمه، وأحبوني لحب الله عز وجل إياي))، انظروا إلى نعم الله – أيها الإخوة، انظروا إلى هذه النعمة التي تهمي من سماء الله سبحانه وتعالى والتي لا تنقطع، وقارنوا بين ما يصل من الله إلينا من نعمة وهذه واحدة منها – وبين ما يرقى من عندنا إلى الله سبحانه وتعالى من واجب شكره، من واجب العمل على تحقيق عبوديتنا له. قارنوا بين هذا وذاك تجدون أمراً يخجل، تجدون أن واقع أكثر المسلمين اليوم يجعل الإنسان يذوب خجلاً من موقفه من الله عز وجل، ومن معاملة الله سبحانه وتعالى له.

انظروا إلى واقع المسلمين اليوم في أي قطر من أقطارهم، وفي أي بلدة من بلادهم. انظروا إلى واقع المسلمين على اختلاف فئاتهم بدءاً من قادتهم وحكامهم إلى الفئات الأخرى التي تعيش في رحاب أرض الله سبحانه وتعالى، الغفلة هي السائدة، والإعراض عن الله عز وجل هو الأمر المستمر، بل إن الأمر ليزيد على ذلك في كثير من الأحيان: الاستخفاف بحرمات الله، الاستخفاف بشرائع الله، الامتهان لشعائر هذا الدين العظيم، هذه هي الحال المتغلبة والتي يتقلب فيها المسلمون اليوم.

ولكن انظروا إلى معاملة الله عز وجل لعباده هؤلاء، هل انقطعت نعمة من نعمه سبحانه وتعالى عنا، هل انقطع فضلٌ من فضل الله سبحانه وتعالى عنا، هذه النعمة التي تهمي من سماء الله عز وجل ستعانق عما قريب النعم المختلفة التي تتفجر من أرضكم هذه أرزاقاً متنوعة كثيرة مختلفة، كلها تتجلى وتتفجر من هذه الأرض التي سخرها الله سبحانه وتعالى لكم، وعما قريب يتقلب هذا الإنسان في هذه النعم المختلفة المتنوعة التي لا تحصى، ينعم بأكلها، ينعم بشرب ما يشرب منها، يتفكه بما يتفكه به منها، يتقلب منها في سعادة لا توصف، ولا يزيده ذلك إلا إعراضاً عن الله، ولا يزيده ذلك إلا غفلة عن الله سبحانه وتعالى، فهل تنقطع نعم الله عن عباده بسبب ذلك؟ لا تنقطع، تلك هي سنة الله عز وجل في عباده، آلى على ذاته العلية أن يكرمهم، وألاَّ يقطع إكرامه عنهم، آلى ربنا عز وجل على ذاته العلية أن يعطيهم ولا يقطع عطائه عنهم، آلى مولانا الأعز الأكرم أن يُبقى مائدته مبسوطة مليئة بالنعم الكثيرة التي لا تحصى، وآلى على ذاته العلية أن تبقى أبوابه إلى هذه المائدة مفتحة لا تغلق {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء: 17/20].

ألا يخجلكم هذا أيها الإخوة، أما ينبغي للعبد وهو يتأمل فيرى هذا الأمر العجيب، كيف يعامل اللهُ عز وجل عبادَه، وكيف نعامل نحن مولانا وخالقنا سبحانه وتعالى، أما يخجل هذا الأمر العبد؟ لو أن المسلمين اليوم ربطوا هذه النعم بالمنعم سبحانه وتعالى، وكم هو أمر يسير، إنها عبادة فكرية لا تحتاج إلى رحلة بدنية قط، إنها عبادة تأمُّلٍ، لو أن المسلم ربط هذه النعم بالمنعم وتذكر أنها تأتي من قيوم السماوات والأرض، وربطها بمثل قوله سبحانه: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ إِلَى طَعامِهِ، أَنّا صَبَبْنا الْماءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنا الأَرْضَ شَقّاً، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبّاً، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدائِقَ غُلْباً، وَفاكِهَةً وَأَبّاً، مَتاعاً لَكُمْ وَلأَنْعامِكُمْ} [عبس: 80/24-32] لو أن الإنسان ربط هذه النعم بخلاقها، بمنزلها، بالمتفضل علينا بها، وهو جالس لا يتحرك، لا يرحل من مكان إلى مكان، لا نقدح من جراء ذلك حب المولى سبحانه وتعالى بين جوانحه، ولفاض شعور من العشق – لا أقول من الحب – لهذا الإله المتفضل الوهاب المعطي، أفيعجزكم هذا؟ أفيعجزكم أن تكونوا جالسين في بيوتكم لا تتحركون، لكن توجهون قلوبكم إلى الله بهذا الشعور، بهذا التذكر؟ أفيعجز العبد أن يتذكر مولاه وخالقه؟ أن يستجيب لندائه الحلو العذب الأخاذ {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 2/152]، {كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 2/151-152]. هذا هو السبيل إلى أن تستيقظ محبة الله عز وجل بين جوانحنا، فإذا استيقظت هذه المحبة قادت أصحابها إلى الطاعة، فادت أصحابها إلى السير الحثيث إلى مرضاة الله، سار العبد عندئذ إلى الله وهو يقول: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 20/84].

بالأمس أيها الإخوة، الدابر كيف كانت حالتنا؟ ذكَّرنا الله عز وجل بالبلاء، لو أراد أن يبتلينا به جفت الأرض، جفت الينابيع، تراجعت الأرزاق، أطلت النكبات برؤوسها علينا، ولكن الله عز وجل تدارك عندما طرق المسلمون بابه طرقات ذل، طرقات اعتراف، طرقات تجديد لليقين بالله سبحانه وتعالى، أبدل الله سبحانه عسرنا يسراً، أكرمنا الله سبحانه وتعالى بما غاب عنا لمدة قصيرة تنبيهاً لنا، لا قطعا للرفد، والتنبيه نعمة من أجّلِّ النعم التي يكرم الله سبحانه وتعالى بها عباده، ألا نشكر الله؟ ألا نشكر الخالق؟ وعندما أقول: ألا نشكر الله، لا أتوجه بكلامي هذا إليكم، أنتم فقط، ولا إلى أمثالكم الذين تفيض بهم المساجد، لكنني أتوجه بهذا الكلام إلى عباد الله المؤمنين به الذين يرفعون فوق رؤوسهم شعارات الإيمان بالله عز وجل، وأولهم قادة المسلمين، أما ينبغي أن يكونوا هم أئمتنا في شكر الله، في حمد الله؟ أما ينبغي أن يكونوا هم قادتنا في إيقاظ محبة الله عز وجل بين الجوانح؟ أما ينبغي أن يكونوا هم السباقين إلى التأمل في قول الله عز وجل: {وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 16/53]، {وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ} لاحظوا الاستقصاء في هذه العبارة {وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ} تخيل تخيل أي نعمة يكرمك الله عز وجل بها. اعلم أيها العبد أنها لم تأتك من شرق ولا غرب، وإنما جاءتك من لدن الكريم الأوحد خالقك مولاك، جاءتك من عند الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} ليكشف الضر عنكم أليس كذلك؟ وكشف الضر بل التجاؤك إلى الله نعمة أخرى، التجاؤك إلى الله في أن يكشف عنك الضر، ثم يستجيب الله عز وجل لدعائك نعمة من أجلِّ النعم.

ومن ثم فنعم الله عز وجل ظاهرة وخفية، وهذه الحقيقة – أيها الإخوة – ينبغي أن نتبينها، وينبغي أن نعرفها، والحل عندئذ سيكون سهلاً لكل من يسال! كيف أستسهل الصعب الذي كلفني الله عز وجل به؟ كيف أسلك الطريق إلى الله؟ وهو طريق شاق يحتاج إلى صبر ومعاناة، إنك تسأل هذا السؤال لأنك توجهت إلى طاعة الله قبل أن يوجد الوقود اللازم بين جوانحك، الوقود المحرك، الوقود المحرك هو الحب، حب الله سبحانه وتعالى، أيقظ محبة الله بين جوانحك، وسبيل ذلك سهل كما قلت: أن تربط نعم الله عز وجل بذاته العلية، أن تعلم من أين جاءتك هذه النعمة، صغرت أو كبرت، خاصة كانت أو عامة، اذكر أنها جاءتك من عند الله عز وجل، والقاعدة تقول: جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، عندئذ تستيقظ محبة الله عز وجل بين جوانحك، وتهتاج مشاعر حبك له في قلبك، فتندفع إلى طاعته، عندئذ ستستهل الصعب، ولسوف تجد الطريق الطويل قصيراً، والحب محبة الله عز وجل هي التي تقرب البعيد، وتلين الحديد، وتقيم الاعوجاج، وتصلح الحال، وتزيل كل أسباب الفساد.

أيها الإخوة ما أقصر الطريق إلى الله عز وجل لو تبصرنا بمفتاحه، مفتاحه محبة الله، ومفتاح محبة الله تذكر نعم الله، ألا تذكرون هذه النعم؟ ألا تذكرون فضل الله، تهمي نعم الله طوال الليل فإذا أقبل الفجر غابت مشكلة الأمطار التي تهمي، ونادى منادي الله عز وجل أنِ استيقظوا وقوموا إلى مساجدكم، فإن الطريق معبد، ومشكلة الأمطار توقفت لكي تؤدوا حقوق النعمة المثبتة في أعناقكم للمولى سبحانه وتعالى، وتحين صلاة الجمعة كهذه الصلاة، وتغيب السحب، وتنقطع سلسلة الأمطار ليخرج الناس فيتسابقوا إلى شكر الله سبحانه وتعالى على نعمه، وَيْحَكُم والله إن ربنا هو الذي يعشق وهو الذي يحب، أسأله سبحانه وتعالى أن يجعل أفئدتنا أوعية لحبه، لا لأي حب آخر، واسأله سبحانه أن يذيق قادتنا وحكامنا لذة هذا الحب، اللهم أذقهم لذة حبهم لك، اللهم طهر قلوبهم من الشوائب والأدران، اللهم مزق الحجب ما بينك وبينهم، ومزق الحجب المسدلة بيننا وبينك، حتى لا نرى في الكون غيرك، حتى لا نرى منعماً إلا لك، حتى لا نرى متفضلاً سواك، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.