3- سلطان الفن

هل نستطيع أن ننفذ إلى قلوب الناس نبلغها رسالة ربها دون سلطان؟ هل بمكنة الفن أن يستوعب الحقائق العظمى للوجود ويكون رسولا مبلغا من رسلها ولسانا فصيحا من ألسنتها وترجمانا أمينا مأمونا من تراجمها؟ ربما ننحجب بضعفها أو غفلتنا أو غيّنا عن أنوار الكتاب الكريم وعن أدوار الحديث الشريف، فهل يستطيع الفن أن يكون البُراق الساري بنا في عتمات النفس إلى حضرة القدس ويعرج بنا شيئا قليلا في سماوات الوصول إلى حيث لا ظل يزول ولا سحب تحول؟ روت السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه: “أتدرون ما مثل أحدكم ومثل أهله وولده وعمله”؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: “إنما مثل أحدكم ومثل ماله وأهله وولده وعمله كمثل رجل له ثلاثة إخوة، فلما حضرته الوفاة دعا بعض إخوته فقال: إنه قد نزل بي من الأمر ما ترى، فما لي عندك ومالي لديك؟ فقال: لك عندي أن أمرضك ولا أن أملك، وأن أقوم بشأنك. فإذا مت غستلك وكفنتك وحملته مع الحاملين، أحملك طورا وأميط عنك طورا، فإذا رجعت أثنيت عليك بخير عند من يسألني عنك. هذا أخوه الذي هو أهله. فما ترونه؟” قالوا: لا نسمع طائلا يا رسول الله. أي لا نسمع شيئا فيه منفعة. “ثم يقول لأخيه الآخر: أترى ما قد نزل بي، فما لي عندك وما لي لديك؟ فيقول: ليس لديك عندي غناء إلا وأنت في الأحياء، فإذا متّ ذُهب بك في مذهب وذهب بي في مذهب. هذا أخوه الذي هو ماله، كيف ترونه؟” قالوا: لا نسمع طائلا يا رسول الله. “ثم يقول لأخيه الآخر: أترى ما قد نزل بي وما رد علي أهلي ومالي، فما لي عندك وما لي لديك؟ فيقول: أنا صاحبك في لحدك وأنيسك في وحشتك، وأقعد يوم الوزن في ميزانك فأثقل ميزانك. هذا أخوه الذي هو عمله. كيف ترونه؟” قالوا: خير أخ وخير صاحب يا رسول الله. قال: “فإن الأمر هكذا”. قالت عائشة: فقام إليه عبد الله بن كرز فقال: يا رسول الله: أتأذن لي أن أقول على هذا أبياتا؟ فقال: “نعم”. فذهب فما بات إلا ليلة حتى عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف بين يديه واجتمع الناس وأنشأ يقول:

فإِني وأهلي والذي قدمت يدي *** كـداعٍ إليـه صَحْبَـهُ ثم قـائِلِ

لإخوتـه إذْ هُمْ ثـلاثةُ إخـوةٍ *** أعينوا على أمرٍ بِيَ اليومَ نَـازِلِ

فـراقٌ طويـلٌ غيرُ مُتَّثَقٍ بِهٍ *** لمـا لـديكم في الذي هو غَـائِلِي

إلخ … فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى المسلمون من قوله. وكان عبد الله بن كرز لا يمر بطائفة من المسلمين إلا دعوه واستنشدوه، فإذا أنشدهم بكوا”(1)!!! حادث لا ينبغي أن نمر عليه مرور الغافلين، وحديث ما أجدر أن نلتمس عنده نورا وأيَّ نور .. كيف يعظ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عظة الموت فيتأثرون .. ويترجم عبد الله بن كرز العظة نفسها إلى لغة الشعر .. لغة الفن .. فيتأثرون .. ويبكون .. ويبكي النبي صلى الله عليه وسلم في الباكين؟! هل أضاف شعر الشاعر إلى العظة ما جعل لها على نفوس الصحابة سلطانا مبينا؟! روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتكلم بكلام بيّن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من البيان سِحرا، وإن من الشعر حُكما”. من البيان ما له مفعول السحر؛ و”السحر” هنا اجتهاد في إحسان عرض الأشياء على الناس وتلطف إلى نفوسهم بما رخِّص لنا فيه.

السحر تغيير للحقائق في أعين الناس، حتى ليصور الحق عندهم باطلا والباطل حقا؛ تماما كما فعل سحرة فرعون إذ قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم(2).

أما نحن فإن مهمة البيان، والفن لون من ألوان البيان، أن يجلو ويكشف عن أعين الناس غشاوة الزيف ويلبس الحق لباس الزينة ويروه كما هو فعلا فيتبعوه، ويروا الباطل باطلا كما هو فعلا فيجتنبوه؛ تماما كما كشفت عصا موسى، وهو من أهل الحق، زيف سحرة فرعون وهم كانوا، قبل إنابتهم، أهل باطل. فكيف، بعد هذا، نقدم بين يدي الله ورسوله ونزعم، بلسان الحال أو المقال، أنه ما لنا إلى الفن من حاجة؟!! نظرتان للفن مختلفتان في مُنطلقهما متحدتان في نتيجتهما: الأولى تريد الحفاظ على جمال الفن من وهج السنابك ومن الغبار الأطيب في سوح الوغى!! والثانية تريد الحفاظ على قدسية الدعوة أن تلوثها “أدوات الفن”!! وبكلتا النظرتين وبحسن نية نقطع من أرحام الدعوة ما أمر الله به أن يوصل. صلة ينبغي أن تتمثل أول شيء مع من حولنا .. مع أنفسنا .. مع ذاتنا .. مع من هم منا ونحن منهم .. وفيما بين من خلقهم الله من نفس واحدة وبث منهم رجالا كثيرا ونساء ..

4- يا حبذا محمد من جار

في منتدياتنا ولقاءاتنا وأحاديثنا وحواراتنا في المسألة الفنية وقضايانا الفنية ومشاكلنا الفنية وآفاقنا الفنية ومخططاتنا الفنية ومشاريعنا الفنية لا نكاد نذكر شقنا الثاني الذي لا قيام لنا ولدعوتنا إلا به: المرأة. لا نكاد نذكر هذا الشق ألا بالضمن المضمر تحت التذكير الذي يضمنا جميعا رجالا ونساء، ونبنيه، في أحسن الأحوال، للمجهول.

هل هو غياب منطقي يبرره نقصان “طبيعي” فُطرت عليه حواء؟! هل هو تجاوز معقول لمن لا تمام لديننا ودعوتنا إلا بها؟! أم إن أم الرجال ومربية الأجيال ومدرسة الأبطال لا قبل لها بما لا تسعفها ظروفها وطبيعتها أن تأخذ منه بنصيب، ولا يليق بذات الأنامل الرقيقة أن تزاحم بالأكتاف الرجال في مواطن تحتاج أيادي خشنة؟! ألأن الفن موطن الفتن ومنبع الأهواء ومصدر الأدواء؟! لنا في التاريخ القديم والحديث شواهد لنساء مؤمنات كان لهن أوفر نصيب من جهاد السيف جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل، في مواطن تُقطع فيها الرؤوس ويُمثل فيها بأجساد الشهداء، لا مجرد خشونة يُخاف منها على أكف بايعت في صفقة الآخرة على الموت في سبيل الله.

ندرس سيرة المجاهدات على مدار التاريخ ونُكبر همما كانت معلقة بالثريا .. لكننا، وفي ميدان لا يُقطع فيه رأس ولا يمثل فيه بجثة، نستنكف أن تزاحمنا بالأكتاف من لسن أقل منا علما ولا تجربة ولا هما ولا حرصا على رضى الله عز وجل. نعم. الفتنة أشد من القتل؛ ولكن الذي يجتثها من الجذور هو النموذج البديل الأصيل الناجح الجميل.

أثبت الميدان والتجربة والنظر في ملك الله وخلقه أن المرأة أكثر تأثرا بالفن وأكثر تأثيرا به؛ فكيف تثبت المؤمنات أن الفن الذي يوظفه الاستكبار والترف والشيطان لإلهاء الناس عن مصيرهم هنا وهناك يمكن أن يكون آلة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، ونورا يستمد من مشكاة النبوة ما يهدي به الله القلوب إلى بارئها؟ وكيف تمسح المؤمنات، بتلطف، عن الأعين الغشاوة التي لا يفرق معها البعض بين الجمال وبين الفتنة؟ وكيف يستحيل ما يوظف سلاحا لهدم القيم والأخلاق والنفوس أداة خيّرة للتربية والتغيير والتوجيه والبناء؟ الجمال تحبّبّ إلى الله وإلى الناس بما رُخص فيه، وسر من أسرار الدلالة على البديع الجميل بما أودع في الآفاق والأنفس من آيات. والفتنة طمس وتشويه للبعد الروحي للإنسان، وتزيين شيطاني للبعد الترابي منه. من الناس من لا يستطيع التفريق بين الجمال وبين الفتنة .. بين التميّز وبين الشهرة .. بين أن نكون شامة في الناس وبين الإثارة الفارغة. إلى متى نبقى حبيسي ميراث قديم من عملات غير رائجة لا سند لها ولا نسب، في زمن نحتاج أن نجدد فيه عملتنا دون أن ينقص من قيمتها شيء بل بما يزيدها قيمة وقدرا؟ هل هو قدر مقدور أن يعاني جسد الحركة الفنية المرجوة من شلل نصفي وهي ما تزال في رحم الغيب؟ هل هو عين الحكمة أن يحمل المؤمنون، وبالنيابة عن المؤمنات، حملا نُدبوا جميعا لحمله ويحاسبون جميعا على ما عملوا فيه؟ لِم لَم تقل المؤمنات كل كلماتهن بعد .. أضعف ثقة فيما وهبهن المولى الكريم؟ أم خوف سحابة وهم آن لها أن تنقشع؟ أم تردد سابح في “مياه جديدة”.. في محيط عظيم .. في موج كالجبال .. بعدما تجاوزن بحيرة ساكنة هادئة؟ لكل داخل دهشة. اللهم سدد الخطى. روى ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة فإذا هو بجوارٍ يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:

نحن جوار من بني النجار *** يا حبذا محمد من جار

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “يعلم الله أني لأحبكن”.

بم استحققن محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟ أي فضل هذا وأي شرف وأي تكريم .. أن تنال مادحات حبيب الله محبة أحب الخلق إلى الله. بيت واحد من الشعر تغنّت به الجواري في درب من دروب المدينة رفعهن إلى مرتبة استحققن بها شهادة وتأكيدا بمحبة لا يعيش العبد إلا لها وبها ومعها ومنها وفيها وعليها. حديث نبوي شريف ، إن جعلته البلابل في قلوبها وبين أعينها كانت هداهدَ جديرة بحمل رسالة ربها، وكان لها فرقدا تهتدي به في ظلمات البر والبحر، وبلسما يمسح على جروحها بيد حانية وبشارة وساما علويا من درجة “أحباب النبي”. فهل يكون لنا نصيب، نحن الرجال المادحين لخير نبي .. المنافحين عن خير نبي .. المفاخرين بخير نبي .. المتبعين لخير نبي، مما وُعدت به “القوارير”؟

الهوامش:

(1) حياة الصحابة للكاندهلوي، ج4 ص 340.

(2) سورة الأعراف، آية 115.