إن الناظر إلى الشباب المغربي اليوم يجد في أكثرهم شيخوخة الهمم والعزائم. الضرورات أصبحت محظورات، والمحظورات أضحت ضرورات. اللهو خف بهم حتى ثقلت عليهم حياة الجد، فرجعت الممكنات مستحيلات. افتقدت خصال العلم والعمل، ووجدت رذائل الكسل والهمل … ما السبب؟

ما السبب وإسلامنا يدعو إلى الاعتناء بالشباب، ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يدعو إلى اغتنام خمس قبل خمس، منها “شبابك قبل هرمك”؟ ما السبب وقد كان أسلافنا الأولين يلين بفضل عزمهم كل شديد، وييسر كل عسير؟ ما السبب ونحن نعيش ثورة علمية وتكنولوجية لا سابق لها، إن نحن أحسنّا التعامل مع عناصرها ، ملكنا العلوم، وكان لنا حظنا من المعرفة، التي هي سلاح العصر؟ ما السبب وشبابنا يترعرع بين مجتمع، وإن كان مفتونا، فهو طيب برجاله ونسائه، لازال فيه للتعاون والتكافل رائحة تشم رغم كل أهوال الفقر والبؤس؟

1- أرقام مفجعة

الفقر، البطالة، الهجرة السرية، المخدرات، الجرائم، التسول، السيدا … واللائحة تطول. أدواء فتاكة تفتك بشبابنا كل يوم. من أخطر الظواهر التي انتشرت أخيرا في صفوف الشباب ظاهرة التسول. أشكال للتسول متنوعة، وحكايات متعددة يحيكها هذا الشاب المتسول أو تلك الشابة المتسولة … لا توجد إحصاءات رسمية أو غير رسمية لهذه الظاهرة، ولكن يكفي المرء أن يتجول في شوارع البيضاء أو الرباط أو غيرهما من المدن المغربية ليقف على حقيقة الأمر، بل ليشهد هول الكارثة إن كان ممن يدركون أن الشباب هو القوة، وأن الشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله …

ومن لم يركب قارب التسول من شبابنا قد يركب قاربا أخطر، إنه قارب الموت. يقول “بيار فرمران” PIERRE VERMEREN في مقال له بعنوان: “المغاربة يحلمون بأوربا” المنشور في جريدة “لوموند ديبلوماتيك”: ” تعوّد رجال الشرطة المغاربة والإسبان انتشال الجثث التي يلفظها البحر، وهي لرجال من العابرين رموا بأنفسهم في الماء ذعراً لدى اقتراب زوارق المراقبة، أو جثث من قضوا في غرق أحد “الباتيراس”. ففي العام 2000 انتشلت في الجانب الإسباني 72 جثة فيما تحدث الناجون عن 271 حالة وفاة. وغالباً ما تسجل الصحافة المغربية هذا النوع من المآسي على الشواطئ الشمالية، ففي 26 شتنبر عام 1998 وقع أسوأ حادث غرق في المضيق قضى فيه 38 شخصاً، وبحسب مؤسسة AFVIC (جمعية أصدقاء وعائلات ضحايا الهجرة السرية) تم العثور على 3286 جثة عند شواطئ المضيق وذلك ما بين العام 1997 و15 نونبر عام 2001، وإذا سلّمنا بأن نسبة الجثث المنتشلة بالنسبة إلى المختفين هي واحد على ثلاثة، فهذا يعني أن هناك أكثر من 10000 مهاجر قضوا في المضيق خلال خمس سنوات”. إذا كان الشباب هم الأكثر إقبالا على الهجرة السرية، وإذا علمنا أن 80 في المائة من المهاجرين مغاربة، فإن أغلب تلك الجثث تكون لشباب مغاربة.

صحيح أن الهجرة السرية عرفت انخفاضا في السنة الأخيرة؛ فحسب الأرقام الرسمية لداخلية إسبانيا فإن عدد القوارب التي حاولت العبور نحو إسبانيا عبر جزر الخالدات أو مضيق جبل طارق عرفت انخفاضا بنسبة 44,21 في المائة، وعدد المرشحين للهجرة السرية، الذين تم توقيفهم، عرف انخفاضا بنسبة 18 في المائة، مقارنة مع سنة 2003.

إلا أن سبب ذلك الانخفاض يعود إلى إجراءات أمنية محضة؛ وهي إجراءات، بالإضافة إلى كلفتها الباهضة تظل غير كافية، في غياب القضاء على الأسباب المباشرة للهجرة السرية، التي هي الفقر، والبطالة، والبؤس، والتهميش…

إن الشاب الذي يركب مغامرة الهجرة السرية أو “الحريك” بمصطلح المغاربة، يكون مقتنعا تمام الاقتناع أن نهش الأسماك للحمه أو دفع البحر له إلى الشاطئ جثة هامدة أهون عنده من أن ينهشه الفقر والبؤس أو أن يدفعه وطنه إلى الهامش رقما مهملا.

للأسف الشديد، حتى أولئك الذين يحظون بالنجاة، ويجدون أنفسهم في الضفة الأخرى، الكثير من حلمهم سرعان ما يتبخر؛ قساوة ومعاناة زادت حدتها بعد أحداث 11 شتنبر وأحداث مدريد. بل في بعض الأحيان يتحول الحلم الجميل إلى كابوس، أشباحه المخيفة؛ عنصرية ومعاملة سيئة واستغلال وابتزاز … ففي هذه الأيام ينظم العديد من مهاجري المغرب العربي ودول جنوب الصحراء الإفريقية اعتصامات وإضرابات عن الطعام احتجاجا على الفساد الذي طال عملية تسوية أوضاع المهاجرين بإسبانيا. فبعد أن شرعت هذه الأخيرة، انطلاقا من 7 فبراير 2005، في تلقي طلبات التسوية، ووضعت لذلك شروطا، وطلبت وثائقا، ظهر بعض المتاجرين في تلك الوثائق ليصل ثمن الوثيقة الواحدة أحيانا إلى 6 آلاف أورو!..

أما عن المخدرات في أوساط الشباب، وبما أننا في مملكة الحشيش على حد تعبير أسبوعية الصحيفة في عددها رقم 201، فإن الأرقام الوطنية المعلنة، والتي تكون دون الحقيقة في كثير من الأحيان، تشير إلى أن 13,3 في المائة من ميزانية الاستهلاك لدى فئة الشباب، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة، تخصص لاقتناء التبغ والمخدرات مقابل 9,6 في المائة فقط مخصصة للترفيه والثقافة. وأي ترفيه!؟ وأية ثقافة!؟. ذلك ما أدلى به المندوب السامي للتخطيط يوم الإثنين 14 مارس 2005 عند افتتاحه لأشغال منتدى الشباب المغربي.

وحسب المندوب دائما، الذي تحدث انطلاقا من تقرير اللجنة العليا للإسكان، فإن الفقر يشمل 74 في المائة من شباب القرى (بين 15 و24 سنة) مقابل 14 في المائة معدلا وطنيا! أما معدل البطالة فإنه يرتفع مع ارتفاع مستوى الشهادة! ليصل إلى 28,1 في المائة في صفوف حاملي الشهادات المتوسطة، و6,61 في المائة بخصوص حاملي الشهادات العليا!. والمعطلون من حاملي الشهادات، خاصة أولئك المعتصمين في العاصمة، والذين تتحدث وسائل الإعلام كل يوم تقريبا عن تدخلات أمنية قاسية في حقهم، يشهدون على أن تلك الأرقام دون الحقيقية بكثير.

وانطلاقا من الإحصاءات الرسمية دائما فإن ما يقارب 20 ألف مغربي يحمل فيروس السيدا، و1250 حالة تعرف إصابة كاملة بذلك الداء الفتاك. وحسب المندوب السامي في تقريره الأخير فإن السيدا تهم أكثر فئتي (15  29) سنة و(30  38) سنة، وأغلب المصابين يوجدون في الوسط الحضري.

سبق لجريدة أصداء المغربية، في عددها الصادر بتاريخ 16 فبراير 2005، أن أوردت خبرا مفاده أن مؤسسة للتعليم الخاص بمدينة الرباط أجرت فحوصا صحية لتلاميذها، فحصلت مفاجأة لم تكن في الحسبان؛ حيث أكدت النتائج أن خمسة من التلاميذ (ثلاث تلميذات وتلميذان) من نفس السن تقريبا مصابون بالسيدا!!

وإذا كان الأمر يرتبط بمؤسسة تعليمية، لا تستوعب سوى عدد قليل من التلاميذ، فلنا أن نتساءل ماذا ستكون النتيجة إذا أجريت هذه الفحوص في كل المؤسسات التعليمية دون استثناء؟ وإذا كان هذا حال مؤسسات التربية والتعليم فماذا سيكون حال باقي مؤسسات المجتمع؟

هذه الظواهر وغيرها هي التي جعلت الكثير من شبابنا يعرف شيخوخة في الهمم والعزائم. بل جعلت منهم كما مهملا لا رسالة لهم ولا همة ولا عزم.

2- ما السبب؟ ومن المسؤول؟

بكل تأكيد الدولة هي المسؤولة عن تلك الكوارث والفواجع التي يعانيها شبابنا. الدولة، ونظرا لشيخوختها، وشيخوخة الكثير من مسؤوليها ومسييريها ومؤسساتها، هي المسؤولة عن شيخوخة همم وعزائم الشباب.

أعرف، ويعرف الكثير من المواطنين، أن لنا كتابة للدولة مكلفة بالشباب، وأن الملك خفض سن الانتخاب ليسع فئة عريضة من الشباب، وأن مؤسساتنا التعليمية، بمختلف مستوياتها، تخرج الآلاف من الشباب سنويا، وأنه تم تنظيم الكثير من الحملات لفائدة الشباب في السنوات الأخيرة (“القدم الذهبي” …). لكن كل ذلك جعجعة بلا طحين. هذه هي الحقيقة التي لا مواربة فيها. الحقيقة وللأسف الشديد ويلات يتخبط فيها الكثير من شبابنا لم ولن يغير منها أسلوب الحملات والشعارات شيئا.

الذين سمح لهم أخيرا بالمشاركة في الانتخابات، هل شاركوا فعلا؟ ولماذا لم يشاركوا؟ والذين تخرجوا من المؤسسات التعليمية، ما مصيرهم؟ وبأي مؤهلات عملية تخرجوا؟ وبأي رصيد تربوي؟ هل جمعوا بين الكفاءة والأمانة؟ أم أنها كفاءة بلا وازع أخلاقي أو رادع إيماني، بلا حب للوطن وللصالح العام؟ وآنذاك لا ينبغي أن نستغرب إذا نهبت مؤسساتنا العمومية من قبل مديريها ومسيريها … أم أنه لا كفاءة ولا أمانة؟ وعلى من يقع الذنب في تلك الحالة؟ على الشباب المسكين أم على الدولة التي لا تملك أية رؤية مجتمعية وليست لها أية فلسفة تربوية؟…

رب معترض، أضجرته الأسئلة، يقول إن البطالة والمخدرات والسيدا وغيرها ظواهر عالمية، ونحن في عصر العولمة، التي لا حدود فيها تحمي من تلك الظواهر.

لكن مهلا، مهلا. إذا كانت البطالة في فرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الأوربية، فإن نسبتها أقل بكثير من النسبة عندنا. ثم إن المواطنين هناك يترفعون عن بعض الأعمال، ولا يقبلون إلا بمستويات معينة من العمل. والأمر يختلف عندنا تماما، فالمواطن المغربي لا يكاد يجد عملا حتى وإن تخلى عن كل شروطه ومتطلباته.

وإذا كان العاطلون هناك يتقاضون منحا فإن عاطلينا هم الآخرون يتقاضونها، لكنها منح لا تحسب بالأورو أو الدرهم، ولكن بـ”الهراوات” و”اللكمات” و”الإغماءات”..

ثم إذا كان من المسلم به أن تنتشر المخدرات والسيدا في الغرب نظرا “للائكيته” وفلسفته المادية وغياب الوازع الديني، فإن من غير المسلم به، بل من العار والشنار أن تنتشر تلك الظواهر في مجتمعنا المسلم.

إن ما يعانيه الشباب المغربي جزء مما يعانيه الشعب المغربي، من ظلم وحيف و”حكرة”… وفي غياب إرادة حقيقية للتغيير الشامل، وفي انعدام رؤية مجتمعية، وتعبئة عامة، لا تفيد الكثير من الإجراءات التي وضعت للنهوض بالشباب، وإن كانت في ذاتها صالحة ناجحة، بل في بعض الأحيان قد تؤدي تلك الإجراءات إلى عكس ما هو متوخى.

الإرادة الحقيقية للتغيير لا تعبير عنها إلا بالشروع، وبمشاركة عامة، في إصلاح شامل؛ إصلاح لا يستثني مؤسسة أو أحدا، يكون أساسه العدل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري والقضائي …

إلى ذلك الحين تبقى الدولة الشائخة، صاحبة المسؤولية الكبرى، في شيخوخة همم وعزائم الشباب المغربي، وهي مسؤولية تتجلى من جهة في ذلك الظلم العام الذي يعانيه المغاربة، وفي الفساد الشامل الذي ينخر مختلف المؤسسات، بما فيها المؤسسات التعليمية والإعلامية، ومن جهة أخرى في منع الجمعيات الثقافية الجادة خاصة تلك المحسوبة على جماعة العدل والإحسان. وجزء آخر من المسؤولية يقع على كاهل العديد من الهيآت السياسية والثقافية، التي تتقاعس عن القيام بدورها التربوي والتأطيري. والشباب هم الآخرون يتحملون جزءا من المسؤولية باستسلامهم للواقع، وبنظرتهم إلى فترة الشباب على أنها فترة لعب ولهو، وليست فترة بناء الشخصية تربويا وعلميا وسلوكيا، مع أنه لا ضير من اللهو المباح في الحدود المقبولة.

ليعلم الشباب، وكما قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله، أن في الشباب تصنع كل شجرة من أشجار الحياة أثمارها، وبعد ذلك لا تصنع الأشجار كلها إلا خشبا…

المطلوب من الشباب أن يقتحم كل العقبات، مهما كانت كأداء. وإن الفقر لا يمكن أن يكون في يوم من الأيام مبررا لتناول المخدرات أو مبررا للكسل أو العزوف عن التحصيل العلمي. ولله ذر من قال: “لولا أبناء الفقراء لضاع العلم”.