رشيد غلام شاب مغربي من أسرة متواضعة من مواليد 1972 بمدينة الدار البيضاء، متزوج وأب لمحمد ياسين، يشرف على شركة إنتاج فني ومعلوماتي، وهو يصلح نموذجا لخبرة الإنشاد الديني بالمغرب، درس الموسيقى واحترف الغناء، إلا أنه امتنع عن الغناء لفترة ليعود إلى الساحة كمنشد ديني، يرى أنه صار أوسع وأرحب أفقا لأنه يقدم فنا يعبر حواجز المكان والزمان استجابة لرغبات الناس أجمعين؛ لأنه يحمل رسالة مرتبطة بوجود الإنسان ألا وهي رسالة الحب الإلهي والنبوي، شبكة “إسلام أون لاين.نت” حاورت رشيد غلام ليقدم لنا جانبا من قصة الإنشاد المغربي…

بين القديم والجديد

– كيف كانت بدايتك الفنية؟

* بداياتي الفنية لم تكن بتفكير وتدبير وإنما كانت حماسة الطفولة، كنت أحب الغناء منذ نعومة أظافري، وشاركت في عدد من الأنشطة المدرسية، وكنت أتلقى الدعم والتشجيع من الأساتذة، ثم بعدها اخترت لكي أغني في سهرة تلفزيونية وكان عمري حينها 13 سنة.. وتطور الحال حتى أصبحت فنانا محترفا وعرفت حينها بـ”رشيد موتشو”، درست الموسيقى لأن الاحترافية لا تأتي بشكل مجاني، وساعدني أكثر احتكاكي بفنانين وموسيقيين كبار على أخذ الأبجديات الفنية في المقامات والإيقاع والأداء.. فغنيت لناظم الغزالي وأم كلثوم وآخرين.

وكما كانت البداية غير اختيارية، كانت العودة والدخول إلى الإنشاد المدائحي والابتهالات الدينية بفضل منحة ربانية، فقد قذف الله سبحانه تعالى في قلبي أن أمتنع عن غناء النوادي الليلية والسهرات الماجنة، وأحسست بانقباض داخلي حول ما كنت أفعله وأنا طفل صغير في المحافل الليلية والقصور الفخمة.. فقوى الله تعالى فيّ هذه الإرادة بأن أمتنع عن الغناء عموما، إلى أن استقر بي الحال بفضل من الله ثم بتشجيع من أناس أُكنُّ لهم كل الاحترام فكان رجوعي إلى ساحة الغناء والإنشاد في حب الله والنبي صلى الله عليه وسلم.

– وما مضمون الكلمات الذي تركز عليه في الإنشاد؟

* هذا موضوع مهم لأنه يتيح لي الفرصة كي أتحدث على مفاتيح لفهم توجهي الفني؛ فأنا لم أغير في أسلوبي الفني إلا مضامينه الغنائية التي كنت أتغنى بها، فلم أشأ أن أتقوقع داخل ما يسمى “السماع الصوفي” أو “الإنشاد الأندلسي”.. وذلك لكي يوسم فني بطابع العالمية يتغنى بجميع الأساليب الفنية المعروفة من طقطوقات وموشحات بمضامين مختلفة، ولم أجد أفضل من التغني بالحب الإلهي والحب النبوي، وبهذا فأنا أخاطب في الإنسان أرق ما فيه وهو تلك المضغة التي إن صلحت صلح وإن فسدت فسد، أخاطب في الإنسان انكسارات قلبه وخفقات وجدانه بألطف ما هو كائن من حيث التعابير؛ وهو الصوت الجميل واللحن الأصيل، والأداء الصادق لنبلغ رسالة الحب في أسمى معانيه والذي عنه تتولد إرادة التغيير.. تتغير السياسات وتتغير الأوضاع والمجتمعات وتبقى مسألة الحب مرتبطة بوجود الإنسان ومعناه، إنني عندما أتغنى بهذه النبرة الخالدة أحمل القضية في عمقها، وهذا ما يعطي فني إطلاقا زمنيا ومكانيا يستجيب لطلبات ورغبات الناس أجمعين.

– هل هناك أسباب لعدم الخوض في مجال الأناشيد الحماسية؟

* هناك سبب خاص؛ فأنا لا أجد نفسي أغني بصدق في الأداء وبتعايش مع ما أغنيه إلا فيما هو حب وهيام وشوق، ولا أظن أن الغناء جعل لغير ذلك أصلا؛ فالمفروض فيه أن يلامس قلب وأحاسيس الإنسان، وأكثر شيء تحريكا لهذه الأحاسيس والمشاعر هو الحب الإلهي والحب النبوي.

ثم هناك أسباب موضوعية منها عدم أهلية النصوص الحماسية؛ فما ألاحظه أن كلماتها ما زالت بسيطة وفي الغالب لا تختلف عن الخطبة إلا في الآلات المستعملة، هذا إلى جانب أن هذه المواضيع الحماسية غالبا ما تكون أسيرة الزمان والمكان، وأنا لا أحب لفني أن يكون فنا مطلبيا.. وهذا لا يعني أني أرفض هذا النوع جملة وتفصيلا ولا أستبعده.

مفهوم الفن الملتزم

– هل تؤمن بفكرة الفن الملتزم؟

* بداية أكره هذا الإقحام لكلمة “التزام” في الفن أو كما يقول البعض “الفن الإسلامي”، لما يحمل ذلك من معاني الحزبية والطائفية الضيقة، ولكن لنقل “الفن الرسالي”، “الفن الأخلاقي”، “الفن السامي”… والفن الرسالي هو الذي يتغنى برسالة الإسلام بلطافة الصوت، وآليات الموسيقى، لكي تخترق وجدان الإنسان وتزرع فيه حب الإسلام، والفن الرسالي ضد الفن العبثي.. وعموما فمهما يكن الاختلاف في تحديد الفن وتحديد مضمونه، يبقى الفن ذلك الجانب الإبداعي الجمالي في الإنسان وتجلياته على الواقع رسما، نحتا، صورة، مسرحا، شعرا، موسيقى… فالفن هو كل شيء جميل ينبع من إبداعات الإنسان وتكون غايته خير الإنسان وخير المجتمع، نقول هذا حتى لا يدخل في هذا المضمار فن السرقة وفن الإجرام.

– لكن لماذا لا توافق على إمكانية تسمية فن ما إسلاميا وآخر غير إسلامي؟

* الحديث عن “فن إسلامي” هذا موضوع فلسفي طويل عريض، وللأسف فإن المفكرين الإسلاميين لم يدققوا الحديث فيه أو يتناولوه باستفاضة، ربما بسبب انشغالاتهم بالساحة السياسية والاجتماعية، وتأسيس الدولة الإسلامية ومتطلباتها. فالفن بطبيعته رسالة وجودية ينبغي أن تخبر الإنسان بشكل من الأشكال عن حياته وقضيته مع ربه ومآله.. أما إذا انحرف الفن عن هذه الوجهة فسيصبح نوعا من التمييع والعبث؛ فالفن إما أن يسمو بروح الإنسان ويرسخ في نفسه آثار الجمال ويحلق به في الآفاق، وإما أن يكون في خدمة أغراض دنية تحيل الإنسان إلى أرضيته وحيوانيته وشهواته.. وبهذا المنظور الوجودي يكون الاصطلاح على الفن بـ”إسلامي” زيادة في التوضيح ليس إلا. كما أن هناك فكرا ماركسيا أنتج فنا ماركسيا، وفكرا عبثيا أنتج فنا عبثيا، وفكرا فلسفيا كلاسيكيا أنتج فنا كلاسيكيا.. يعني أن جميع الحركات الأيديولوجية وظفت الفن والثقافة والأدب كوسيلة للتعبير عن أفكارها وآرائها.

بين الصوفي والأندلسي

– ما هي البدايات الأولى لظهور الإنشاد الديني بالمغرب؟

* تجاوزا نستعمل هذا المصطلح؛ فـ”الإنشاد الديني” عرف منذ البعثة النبوية، وكلنا يتذكر أول قصيدة تغنى بها الصحابة عند دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة؛ قصيدة “طلع البدر علينا”، وبدخول الإسلام إلى المغرب وأثناء فتح الأندلس تغنى المغاربة في عدة مناسبات بأهازيج وأمداح وابتهالات كان للسادة الصوفية دور كبير في استمرارها وما زال هذا السماع موجودا لحد الساعة.

وبظهور الحركات الإسلامية في المغرب في أواخر القرن العشرين، ظهرت معها بعض شرائط الفرق المشرقية تتغنى بما سمي في تلك الفترة بـ”الأناشيد الملتزمة الحماسية”، كان المغرب مجرد مستهلك لها خاصة أناشيد أبو راتب والأناشيد الفلسطينية.. وفي أواخر الثمانينيات ظهرت بعض الفرق المغربية مثل “مجموعة الإحسان”، و”مجموعة الاعتصام المغربية” وغيرهما، ولكنها كانت في الغالب تقتبس من الشرق.. وأكاد أزعم أن أول شريط مدائحي بشكل مقبول في السوق المغربية كنا نحن السباقين له بفضل الله ونعمته، تبعته أشرطة كثيرة لفرق لا تحصى.

– هل يمكن أن تفصل لنا الحديث عن دور الصوفية في الحفاظ على الإنشاد الديني؟

* “الإنشاد الديني” هو نتاج حافظ عليه السادة الصوفية وجعلوه من وسائل تربيتهم وهذا معروف في مصنفات الصوفية، فهو أسلوب من أساليب التربية الصوفية؛ يعني بالخواطر وتهييج العواطف.. فجميع الزوايا المغربية كانت تعتمد الإنشاد الصوفي، أما الإنشاد الحماسي فلم يكن له أي وجود عندهم لانعزالهم عن قضايا المجتمع.

– وماذا عن الأندلسيات وعلاقتها بالإنشاد الديني؟

* الموشحات الأندلسية عبارة عن شعر تغنى به الشعراء، تغنوا في الحب العذري، كما تغنوا في الحب الإلهي كما تغنوا في غزل المرأة وحب الخمر… فالفرق الأندلسية في المغرب تتغنى بجميع ذلك التراث، وفي بعض الأحيان يوجد موشح لحني فيه أكثر من قالب شعري، يعني يتضمن أكثر من مضمون في القصيدة الواحدة؛ مثلا تستفتح القصيدة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تتغنى بالحب الإلهي وتسترسل في علاقة العبد بربه، وفي الوسط تجد خليطا ما بين الحب الإلهي وحب الخمرة، وهذا في الحقيقة يعكس ثقافة ووعي المنشدين، كما يعكس اهتمامات الباحثين في التراث، وللأسف آخر ما يهتم به في الفن العالمي والعربي هو الكلمة، الكلمة ليس لها قيمة.. في وقت مضى كانت الموسيقى لها قيمة فوق الكلمة، والآن الموسيقى تغلب على الصوت، لندرة الأصوات القيمة، بل أكثر من ذلك أصبحت الإيقاعات يستعاض عنها بالأجسام العارية.. ولذلك نرجو أن يعاد النظر في هذا التوجه وتعطى للكلمة قيمتها الحقيقية في النشيد؛ لأنه في نظري الكلمة هي القيمة الفنية.

ومن ثم لا يمكن أن ندرج جملة الأندلسيات ضمن الإنشاد الديني مع أنه على مستوى فني عال وفيه لغة نظيفة وحتى فن الملحون الذي يتوفر على أغراض متنوعة فيها الاستغاثات، المديح، النكتة والدعابة.

– هل كان للحركات الإسلامية في المغرب دور في تطوير الفن الرسالي؟

* في اعتقادي أن أغلب الحركات الإسلامية ليس لها أفق فكري ولا قاعدة فكرية نظرية كبيرة تتعرض لهذه المسألة بتفصيل وتدقيق، فهي مشغولة بحماسة التغيير، وحماسة “البديل الإسلامي”، هذا المصطلح الذي لا تعرف له قيمة تنظيرية حقيقية.

هذا إلى جانب أن أغلب تلك الحركات في المغرب كان يغذيها الفكر الوهابي الشرقي الذي كان -حسب رأيي الشخصي- ضيق الأفق في مساحة الفن ولا يتسع للفكر والنقاش.

وللأسف فإن الفن داخل الحركات الإسلامية ما زال في بداياته لم يواز بعد أفقها الفكري، وما وصلت إليه من حيث التنظير الاجتماعي والسياسي والتربوي لم يعط بعدا للمسألة الذوقية الجمالية.. وهذا لا ينفي أن هناك خطوات داخل بعض الحركات الإسلامية لإعادة النظر في هذه المسألة أو سواء على مستوى بعض الرموز الإسلامية العالمية كالدكتور يوسف القرضاوي والشيخ عبد السلام ياسين الذين لهما تصورات واضحة لما هو المجتمع بجميع مجالاته التربوية والفنية والسياسية والاجتماعية.

– وماذا عن توجهات فرق الإنشاد الديني في المغرب؟

* تعد تجربة الإنشاد وتكوين مجموعات في المغرب تجربة ناشئة، ولذلك لن أتحدث عن توجهات ولكن عن اختيارات، فهي تختلف عن بعضها في الاختيارات، فهذه تحب المديح وتنشده بطريقة عربية أو ما يسمى بطريقة شرقية، وأخرى تنشده بطريقة مغربية، أو يأخذ طابع الملحون، أو الأندلسي، أو سماع صوفي، أو أن يكون خليطا بين هذا وذاك.. لذلك فهناك اختلاف في الاختيارات ومسألة التوجهات ما زلنا لم نصل بعد إلى هذا النضج، وقليل من الفِرق من جلس يفكر بروية ماذا يريد أن يفعل؟ ولماذا ينشد؟

– ما هو تقييمكم لاستعمال الآلة الموسيقية في النشيد بالمغرب؟

* لقد أباح بعض علماء المسلمين استخدام الآلات الموسيقية طالما أنها لا تثير الغرائز أو تفقد الإنسان وعيه أو تلهيه عن ذكر الله وما حدث من تأخر دخول الآلة الموسيقية عند الفرق الإنشادية بالمغرب كان بسبب مواكبة الواقع الفقهي والفكري عند المجتمع المغربي وبالخصوص عند الحركات الإسلامية المغربية، بحيث ارتبط في عرف الناس أن الإسلام ضد الموسيقى؛ لذلك فدخول الموسيقى على الإنشاد جاء بتروٍّ وبتؤدة بموازاة تطور ونضج المجتمع المغربي. وهي لا يمكن أن تضيف على الإنشاد إلا حسنا وبراعة ولطفا، لما في الموسيقى من جمال. ولكن كيف يتم استعمال الموسيقى؟ هذا أمر آخر؛ فإذا كانت بشكل صاخب يغطي على الكلمة والصوت فهذا بعيد عن الفن الحقيقي، ورؤيتنا للمسألة أن الكلمة هي التي لها القيمة الحقيقية في الإنشاد، طبعا ليس الكلمة النثرية، أو الكلمة المكتوبة شعريا والملقاة خطابة، وإنما الكلمة المضاف إليها الصوت الندي والصادق في الأداء.

– ماذا عن فرق الإنشاد النسائية بالمغرب؟

* الفرق النسائية كانت موجودة في المجتمع المغربي منذ القدم، وما زال هناك فرق إنشاد فيها بعض النساء الكبار في مجموعة من المدن المغربية مثل طنجة وفاس وتطوان وشفشاون.. وهناك منها من ارتبط بالإنشاد الصوفي بدعم من الزوايا.

وللأسف فرق الإنشاد النسائية تكاد لا تعرف ولا تذكر بسبب ما يشاع أن صوت المرأة عورة، ثم غياب المساعدات والدعم لهذه الفرق تكوينيا ومعنويا وماديا.

النغمة

– هل تلقيت تشجيعا من رموز حركات إسلامية للاستمرار في هذا الدرب؟

* لن أقول إنه تشجيع وإنما تكليف وتشريف أفخر به، من الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان الذي كان له الفضل الأول في دفعي للاستمرار في هذا الفن الرسالي، وأذكر أنه قال لي: “هذه هبة ربانية من الله تعالى يجب عليك أن تشكره عليها، وأن تنذر صوتك لخدمة رسالته”. والأستاذ عبد السلام ياسين هو الذي وجهني للتغني بالحب النبوي، والمدائح النبوية، وأشعر أنني لا أتغنى إلا بنفسه الرباني الروحاني، وأذكر كذلك أنه كي يضعني في صميم الخط الرسالي سمى لي ما أفعله بـ”جهاد النغمة” كما أن هناك جهاد التعليم، وجهاد الحجة، وجهاد إعداد القوة… والجهاد هنا بالمفهوم الدعوي التبليغي، لتطييب رسالة الإسلام وإيصالها للقلوب بصوت ناعم.

– كلمة أخيرة للفنان رشيد غلام؟

* أتمنى أن تبادر هيئات خيرية أو قنوات فضائية أو شركات إنتاج بتنظيم ورش ولقاءات ومحطات تهتم بهذا الإنشاد.. لأنه كما نرى توجد قنوات فضائية تهتم بالإسلام ولكن تغفل عن تقديم الفن الإسلامي في حين نجد قنوات أخرى لا تقدم للناس إلا كل ما هو ماجن.. فلماذا لا ينتج الفن الرسالي؟.. ثم أتوجه إلى الفنانين الذين يجمعني بهم الفن، ألا يبقوا دعاة على أبواب الغواية يصرفون الناس عن الجادة، وأن يكونوا رساليين في فنهم والله عز وجل استأمنهم على مواهب وهم مسؤولون عنها فليستخدموها فيما يرضي الواهب.