1. الإقرار بوجود عالم &

إن ما يروج داخل ذات الإنسان من إرادات وهمم وأحاسيس متنوعة، ومشاعر متناقضة، ليُنبئ عن لمحات أولية لعالم دفين غير مرتبط بظواهر الأشياء& عالمٍ غريب لايُسْتَكنه بوسائل مادية، أو يُطَّلَع إلى أغواره بيسر، لاسيما وأن ذاك العالم مرتبط بالتنوع والتباين لانفراط الرابط بين الشخصيات واختلاف الأنفس…

إنه عالم الفن & عالم الجمال، ودقائق النفس، وتنوع الأحاسيس وتصارعها، واستشعار اللذائذ الروحية، ولا يتجلى هذا الزخم الفائض، أوتلاطم أمواج ذاك البحر اللجي إلا عند التعبير عنه بوسائل مادية في واقع الحياة، سواء أكان التعبير شعرا أو ترنما أو رسما أو حكيا &

وقد عبر القدماء عما نحن فيه بالطبيعة النفسية للفرد كقول التوحيدي:

“إن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس، فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة، ومادة مستجيبة، وقريحة مواتية، وآلة منقادة، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوسا مؤنقا، وتأليفا معجبا، وأعطاها صورة معشوقة، وحرية مرموقة، وقُوته في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة.”(1)

وكثير ممن لهم وصال وثيق بعالم الفن عند رؤيتهم لما يُرتبط به تعبيرا أو إظهارا بوسائل متعددة يعتريهم ذهول، ويكتنفهم انبهار دال أن هذا الموجود الظاهري منتم لإشراقات الروح، ومنسلك في علق الفن &

والحقيقة أن في كل عمل فني إيحاءً ما إلى عالم لا ننتمي إليه، ولم نخرج منه، وإنما طرحنا فيه طرحا، والفن ذكريات أو توق إلى ماض سحيق & إلى ذلك العالم الآخر.

فالفن تعبير عن ذات الإنسان، بل هو تعبير عن ذات الفنان وما يختلج في صدره من شعور بالجمال، وعشق للسمو، وحب للحرية والقيم النبيلة، مع صفاء للفطرة ونقائها &

بيد أن الذي انحصر في المادة والكميات والظواهر المرئية، فقد تُضَبَّب رؤيته لذاك العالم وتنطمس رهافة حسه، فيُنْكِرُ وجودَه & لكن وجود عالم آخر إلى جانب عالم الطبيعة إنما هو المصدر الأساسي لكل دين وفن، وإذا لم يكن هنالك سوى عالم واحد لكان الفن مستحيلا&

“فإذا كان الإنسان حقا مصنوعا على طراز داروين، وإذا لم يكن يوجد على الإطلاق سند للإنسان، ولا مجال لروحه ولذاته، فإن الفن لا مجال له، وإن الشعراء وكتاب التراجيديا يضللوننا ويكتبون هراء لا معنى له”(2).

2. عالَمان متآلفان

غالبا ما يكون مرد النظرة الازدرائية للفن عندما يقابل بالعلم المادي المرتبط بالكشق عن قوانين وسنن الظواهر الكونية، فيُرجح المرء عالم المحسوسات والكميات والقوانين على عالم ذاته وأحاسيسه وسبل سعادته & لكنه عند التأمل نجد بأن العلم والفن منتسب أحدهما للآخر، كما ينتسب الكم إلى الكيف، وقد عرَّف “أوجست كونت” الرياضيات وهي ملكة العلوم بأنها: “قياس غير مباشر للكميات”(3)، وعرف “جياكومتي” الفن بأنه: “البحث عن المستحيل”(4).

بل هو البحث عن ذات الإنسان، وما عالم الكم سوى خادم ميسر لإسعاد هذا الإنسان& ومن هنا يظهر لنا البون الشاسع بين النظرتين: النظرة المادية الصرفة للكون والنظرة العميقة للأشياء وحقيقتها &

يقول أنجلز في كتابه “جدلية الطبيعة” مبصرا بالنظرة المادية ومرجحا عالم الكميات: “من المستحيل أن تُغير في كيف الجسم، دون أن تضيف إليه أو تأخذ منه مادة أو حركة، أي بدون تغيير كمي في الجسم”(5).

ويقول مندليف عالم الكيمياء الروسي وهو أب النظام الدوري للعناصر: “إن الخصائص الكيميائية للعناصر هي وظائف دورية لأوزانها الذرية”(6).

ففي عالم الطبيعة إذن لا يوجد سوى الكمي، ومن تم الكيف الظاهري عند هؤلاء & لكن الاختلاف منبئ حقا عن عالم الفن إذ لا يوجد شخصان متطابقان، ثم كيف يمكن أن نفسر الاختلاف بين اللوحة الأصيلة وبين نسخة منها بواسطة الكم؟

اللوحة الأصيلة تملك “كيف الجمال”، وكل نسخة منها لا تملك سوى “كم الجمال” ولو أنها قيست عليها بدقة متناهية&

فهل نشأ هذا الاختلاف من أن شيئا قد أضيف أو حذف من النسخة بالمعنى الكمي للكلمة؟

لا & إنما يكمن الاختلاف حقا في أحاسيس فنان، ولمسته الشخصية في عمله الفني، والكيف لا يمكن أن يوجد فقط إلا في تلك “اللمسة” الشخصية.

ثم إن قضية المصير الإنساني، ومسألة الحب، وغرابة الإنسان في هذا الكون وهشاشته وقضية الموت، والخلاص من هذه المعضلات& كل ذلك لا يمكن أن يكون موضوع علم من العلوم، في حين أن الفن حتى ولو حاول الانفلات، لا يمكنه أن يتغاضى عن هذه القضايا &

الفن إجمالا معرفة الإنسان، كما أن العلم هو معرفة الطبيعة، ومدخل العلم من المعرفة هو التفكير والتحليل والملاحظة وإجراء التجارب في عالم المادة، بحيث تكون العمليات مرتبطة بعلاقات سببية، أما الفن فإنه ينظر في باطن الإنسان، وفي زواياه الخفية وأسراره، من حب ومعاناة، وصراع داخلي، وتأجج لجذوة الإرادات، واستشراف لما بَعد العالم المادي، ويقين بجدوى القِيم وقرارها في أعماق الإنسان & والمعرفة هاهنا لا تكتسب بطريقة عقلانية علمية إنما بطريقة وجدانية فنية.

ولا يفهم من هذا استصغارا للعلم المادي أو تنقيصا له، أو أن “الفن في صدام طبيعي مع هذا العالم ومع جميع علومه & علم نفسه وعلم أحيائه & في صدام مع صاحبه& “(7).

لا & لا يمكن أن ننشئ صراعا بين عالم الكميات وعالم الذات& ولن ندعي وجود صراع بين علوم الإنسان وجهوده في التنقيب والاكتشاف وصياغة القوانين المنظمة لجزئيات الكون المادية، وبين ذاته وإراداته وأحاسيسه وإبرازه للجمال، وكشفه عن العالم الآخر، لأن العالمَين متمازجان متداخلان فيما بينهما لرابط الإنسان في حد ذاته، فالمكتشف المادي لن يتمكن من الخبرة العلمية إلا عند أشد درجات الحيوية التي تفور بها ذاته العميقة، كحبه للغوص في هذا النوع من المعرفة، والفنان لن يعيش انغلاقا في ذاته، ولن ينزوي داخل أحاسيسه الشخصية، إنما هو التفاعل التام بين الذات وعالم الأشياء، والإنسان منذ القديم حقق تكيفا بين المعرفة العلمية، والتعبير الفني &

بالمعرفة العلمية عمل على كشف البيئة الخارجية وتغيرها، أعني الواقع الخارجي المحيط به، وبالتعبير الفني، عمل على معرفة البيئة الداخلية وتغييرها، وبذلك مكَّن للتكيف أن يتم، لأنه كلما تغير العالم الخارجي أثر في تغير العالم الداخلي، وإذا تغير الداخلي تغير الخارجي حتما& لأن الذات وإرادتَها لها من القوة في تغيير المحيط أكثر من مساهمة الواقع الخارجي في تغيير الإنسان &

وعموما أمكن للحضارة أن تنمو وتتقدم، معتمدة على هذين العنصرين المتكاملين: العلم والفن & ! لكن نظرة ترجيح العلم المادي على الفن مهددة له في العمق، لاسيما إذا كان الطاغي إنكارا عاما لما هو جميل أو إحساس به& وإذا عضدت هذه النظرة المنافية للفن بالقوة المادية وأنتجت بيئات مادية صرفة، أصبح وجود الفن مستحيلا، لأن مثل هذه البيئات إذا سلطت وأنشأت محاكم للتفتيش، أزاحته من الوجود، كما فعلت الكنيسة لما أرادت أن تجعل العلم خادما للاهوت &

“لقد وضعت روايات “فيودور دستويفسكي” المسيحية في القائمة السوداء في الاتحاد السوفييتي للسبب نفسه الذي وضعت فيه لوحات زميله “مارك شاجال” في القائمة السوداء، وفي اضطهاد “باسترناك” و”سولزنيتسين” تتجلى المأساة نفسها، ولكن بمنطق عكسي، ففي سياق “برونو” و”جاليليو” هناك أحداث متماثلة قابلة للمقارنة بين “الازدانوفية” ومحاكم التفتيش، فالازدانوفية إرهاب ضد الفنانين والمفكرين باسم إلحاد الدولة، بينما كان إرهاب محاكم التفتيش إزدانوفية ضد العلماء باسم الكنيسة كدين مؤسسي”(8).

لن تتجاسر البيئة المادية المتعصبة للأشياء على فهم عالم الفن، ولن تدخله طرفا في قيام الحضارات، لأن الإنسان عندها شيء من الأشياء ومورد من الموارد فقط، بينما الفن في جوهره شهادة ضد محدودية الإنسان ونسبيته، وتعميق لسيادته في الكون وتكريمه& وبذلك فهو قريب منه إحساسا وإسعادا وتحريرا من أوهاق الأرض وثقل الأشياء.

الهوامش:

(1) أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة ص 56.

(2) رئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش في “الإسلام بين الشرق والغرب” ص 137.

(3) auguste compte: A General View of posivitism Bridges (New York- R . Speller, 1957)

(4) يقول بالحرف:

” Je ne puis parler qu””indirectement de mes sculptures et espérer dire que partiellement ce qui les a motivées…Depuis des années je n””ai réalisé que les sculptures qui se sont offertes tout achevées à mon esprit, je me suis borné à les reproduire dans l””espace sans y rien changer. Encarta 2004.

(5) أنجلز : جدلية الطبيعة ، ترجمة كلمنس دووت ، ( لندن: لورنس & ويشار، 1941)

(6) يقول هاهنا:

“Je désigne sous le nom de loi périodique les relations mutuelles des propriétés des éléments par rapport à leur masse atomique ; ces relations, applicables à tous les éléments et nécessitant encore des développements, ont la forme d une fonction périodique ….

Mendeleïev (Dmitri), « Die periodische Gesetzmäßigkeit der chemischen Elemente » [La classification périodique des éléments chimiques], Annalen der Chemie und Pharmacie, Supplément VIII, Leipzig, 1871. Traduction par L&H Mendez France..

(7) لا يمكن أن نوافق نظرة العلامة علي عزت بيجوفيتش رحمه الله المبنية على تضاد العلم للفن بدعوى اختلاف العالمين، والطبيعتين: البرانية والجوانية، لأن الفعل المادي والفعل الفني مصدره واحد وهو الإنسان &

(8) نقلا عن عزت بيجوفيتش في ” الإسلام بين الشرق والغرب ” ص 151.