1. نص الحديث:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك،وإما أن تجد منه ريحا منتنة” متفق عليه.

2. تخريج الحديث:

أخرجه البخاري في الصحيح كتاب البيوع، باب العطار وذكر المسك، وكتاب الذبائح والصيد، باب المسك. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر. وأبو داود في سننه، كتاب الأدب.

أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: هو عبد الله بن قيس، قدم مكة فأسلم ثم رجع إلى بلاده اليمن لدعوة قومه. واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم عليها،واستعمله عمر بن الخطاب على البصرة، وعثمان بن عفان على الكوفة.

كان رضي الله عنه حسن الصوت بالقرآن الكريم، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود  ، توفي رضي الله عنه سنة 42 هـ وهو ابن 63 سنة.

التعريف بالإمام مسلم:

هو الإمام أبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري. ولد بنيسابور سنة 206 هـ.رحل في طلب العلم إلى كثير من الأمصار والأقطار، وسمع من كبار المحدثين كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وسعيد بن منصور. وجالس البخاري واستفاد منه كثيرا، حتى قال الدارقطني: ” لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء “. من مؤلفاته: صحيح مسلم، أوهام المحدثين، العلل، سؤالات احمد بن حنبل، الأسماء والكنى & قال عنه إسحاق بن منصور:”لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين. ” توفي رحمه الله سنة 261 هـ. ودفن بنيسابور.

3. شرح المفردات:

يحذيك: يعطيك.

تبتاع: تشتري.

الكير: جمعه أكيار، كيرة زق ينفخ فيه الحداد (المنجد في اللغه والأعلام. ص 705).

نافخ الكير: الحداد.

ريحا منتنة: ريحا كريهة.

4. أهمية المثل في البيان النبوي:

يعد أسلوب التشبيه وضرب الأمثال من الأساليب الناجحة في التأثير والإقناع، بحيث يظهر المعقول في صورة المحسوس، والغامض البعيد في صورة الواضح القريب. قال ابن نافع: “إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق وآنق للسمع” (مجمع الأمثال لأبي الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري ج1/6 تحقيق محي الدين عبد الحميد 1955م).

والدارس للسنة النبوية يجدها حافلة بالعديد من التشبيهات والأمثال التي تمثل ذروة البلاغة البشرية، وقمة الروعة الأدبية، والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا يقتدي بالقرآن الكريم الذي تضمن كثيرا من التشبيهات والأمثال.

والحديث الذي بين أيدينا من الأمثلة البارزة والمؤكدة على استعمال أسلوب ضرب الأمثال في السنة النبوية بوصفه وسيلة فعالة ومؤثرة في عملية التعليم. فما أروعه من معنى، وما أجمله من تصور، تتجلى فيه البلاغة النبوية، وتتضح فيه صورة حية صادقة للجليس صالحا كان أو فاسدا.

5. آثار الصحبة:

الجليس الصالح هو الذي ترتاح إليه سريرتك، ويطمئن به فؤادك، تنعم بمجالسته وبصحبته. إنه زينة في الرخاء وعدة في الشدة، وقد شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببائع الطيب الذي ينفعك بعطره، فإما أن يهديك، وإما أن تشم عنده ريحا زكية، فأنت معه في ربح دائم.

أما جليس السوء، فليس هناك أبلغ من تشبيهه بالحداد الذي ينفخ الكير، فأنت معه في خسارة دائمة، فإن لم يحرقك بناره، أحرقك بشرره، فصحبته همٌّ دائم، وحزن لازم، وقد قيل: من جالس جانس  لأن النفس البشرية تقتبس الخير أو الشر من الجلساء. لهذا أمرنا الحق سبحانه بصحبة الصالحين قال تعالى في سورة التوبة: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين  (كتاب كنوز السنة لمحمد علي الصابوني (ص34-35) بتصرف) أي أن يكونوا مع أهل الصدق واليقين الذين صدقوا في الدين نية وقولا وعملا. (صفوة التفاسير للصابوني ج1 ص 567).

وللأستاذ عبد السلام ياسين تعليق لطيف عن الطريق الصحيح الذي وصلنا عبره هذا الأمر العظيم، أمر الصحبة والكينونة مع المؤمنين، قال:” هل جاءنا الدين من الأوراق والكتب أم من قنوات القلوب المؤمنة؟ من أبوين ربيا على الإيمان، ومعلم صالح، وواعظ متق، وعالم عامل، ونموذج حي ماثل يحتذى حذوه، ويقتدى به ويحَب ؟… هل هي سلسلة من أصحاب، والمصاحبة انقطعت، أم الأمر لا يزال مستمرا من قلب لقلوب ؟ نقف ونبحث ونتساءل عن الكيفية التي أوتي بها الصحابة الإيمان قبل القرآن، فتلقوا القرآن بتعظيم وطاعة، بينما آخرون ينثرونه نثر الدقل.

ذاق الصحابة حلاوة الإيمان وطعموا طعمه، وحصل لهم اليقين، ذوَّقوا طعم الإيمان تابعيهم وذوَّق تابعوهم تابعيهم، والجداول النورانية حية لا تزال متدفقة ينور الله بها عباده.و يحيي بها أرض القلوب كما يحيي بغيث السحاب أرض الزرع.

ما الأمر معلومات وإقناع فكري، بل هو إقناع قلبي عقلي وجداني أفاضه جيل على جيل، وجليس على جلساء، ومحبوب في الله على محبين في الله” (تنوير المؤمنات ج 2 ص18-19).

هكذا تتضح جليا أهمية الولي المرشد المربي الدال على الله عز وجل، فلا غرابة إذن إن وجدنا غير واحد من العلماء الكبار أمثال الإمام الغزالي، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام، والإمام عبد القادر الجيلاني وأحمد الرفاعي وغيرهم كثير، قد نصحوا بضرورة البحث عن الشيخ المربي؛ الولي المرشد. قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره:  اتبع الشيوخ العلماء بالكتاب والسنة والعاملين بهما وحسِّن الظن بهم، تعلم منهم، وأحسن الأدب بين أيديهم، والعشرة معهم، وقد أفلحت، إن لم تتبع الكتاب والسنة والشيوخ العارفين بهما فما تفلح أبدا،أما سمعت: من استغنى برأيه ضل. هذب نفسك بصحبة من هو أعلم منك  (الفتح الرباني ص 162).

6. شروط الصحبة وثمراتها:

حتى تثمر هذه الصحبة ثمارها المرجوة، لابد لها من شروط تتوفر في الصاحب والمصحوب معا، تكلم فيها العلماء كثيرا ولخصها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في قوله:” متى كان المصحوب وليا لله حقا، والصاحب صادقا في طلبه وجه الله ظهرت ثمرة الصحبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال فيه الترمذي: حديث حسن:  الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل . والآيات والأحاديث المشيرة إلى الصحبة والحاثة عليها كثيرة، وكل تاريخ الإيمان يشهد بأن قلب الداعي إلى الله على بصيرة، نبيا كان أو وليا، هو النبع الروحي الذي اغترفت منه أجيال الصالحين بالصحبة والملازمة والمحبة والتلمذة والمخاللة” (المنهاج النبوي ط3 ص 127).

7. الخلاصة:

ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم للصحبة الصالحة مثلا ببائع المسك الذي يعطي لجليسه عطرا: خلقا وتربية وعلما… كما شبه الصاحب الفاسد بنافخ الكير الذي يسيء إلى جليسه ويؤذيه، فلا يأخذ منه إلا ما قبح من قول أو فعل أو خلق.

لذا وجب اختيار المصحوب الصالح وملازمته لما ينفع الله به من صلاح القلب والعقل والعمل.

أما السلوك إلى الله تعالى فلا بد فيه من مصحوب ولي لله حقا، يدلك على الله تعالى، ويوصلك إلى بابه مادمت صادقا في الطلب جادا في العمل.