اعتبرت محاضرة “المشهد السياسي المغربي” أحد أهم الأنشطة المدرجة في برنامج الملتقى الوطني التاسع، الذي نظمه الأسبوع الماضي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بجامعة البيضاء المحمدية، نظرا لطبيعة الموضوع ومكانة المحاضر وتأثير الواقع السياسي على شريحة الطلاب.

استهل الأستاذ عبد الواحد المتوكل، الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، محاضرته بالمقارنة بين ربيع السنة (فصل الربيع) وربيع العمر (أنتم الشباب) هذه المرحلة التي يعاني فيها شبابنا اليوم بسبب الواقع السياسي البئيس.

بعد هذه الإشارة اللطيفة دخل الأستاذ إلى صلب الموضوع ليتحدث عن آمال الشباب والمغاربة عامة غداة “الاستقلال”، آمال وأحلام حول مغرب جديد ومؤسسات جديدة ونظام يتجاوب مع حاجات الأمة، لكن سرعان ما تبخرت تلك الآمال وتكرس التسلط والاستفراد بالرأي والقرار والثروة، لتبرز كل مظاهر التخلف والمحنة من فقر وأمية وجهل …

بعد حوالي 50 عاما من “الاستقلال” ماذا أنتجنا وما نجد بين أيدينا؟

يتساءل الأستاذ، ليعرض أمام الطلاب مجموعة من الإحصائيات التي تبيِّن الواقع المغربي المتردي (50% من المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر، البطالة تجاوزت 30% من خريجي الجامعات، 83% من الأميات في العالم، الديون على المغرب وصلت سنة 1998 إلى 20 مليار حيث تستهلك 56% من الناتج الإجمالي الوطني وتقتطع 25% من مداخل التصدير لخدمة الدين، المغرب يحتل الرتبة 126 في سلم التنمية البشرية، 70 ألف هكتار لزراعة مادة الكيف …). هذه الإحصائيات تكشف حجم التراجع الذي يعرفه المغرب، رغم أن موقعه الجغرافي يعتبر من أجود المواقع في العالم الثالث، ورغم توفره على تنوع في الإمكانيات ليخلص الأستاذ عبد الواحد المتوكل وعموم الطلاب إلى وجود مشكل حقيقي كبير يعيشه المغرب.

بعض النظريات السياسية، وفي محاولة منها لرصد طبيعة المشكل السياسي الذي تعرفه الدول، تطرح أربعة أصناف من المشاكل: صراع على السلطة  صراع مع السلطة  صراع حول طبيعة الحكم وتدبير الشأن العام  صراع دولي (المشكل الداخلي انعكاس لصراع دولي).

فما هو المشكل الحقيقي المطروح في بلدنا؟ وللتوضيح تطرق الأستاذ لموضوعين: المسألة السياسية والمسألة الحقوقية.

المسألة السياسية: بين الفينة والأخرى يثار نقاش سياسي دون نتيجة، مثلا: البيعة هل تستمر أم تلغى؟ ولا أحد تساءل عن معنى البيعة. إمارة المؤمنين هل نحافظ عليها أو نلغيها؟ الملك يسود ويحكم أم يسود ولا يحكم؟ … إلى أن اختفى هذا النقاش وتوارى، حتى فتحته جمعيات المجتمع المدني، والنقاش مستمر ودار لقمان لا زالت على حالها.

المسألة الحقوقية: النقاش الذي أثارته هيأة الإنصاف والمصالحة، حيث استغرب المحاضر لبعض الشعارات المرفوعة دون مضمون محدد مثل “تصالح المغرب مع ذاته”، “طي صفحة الماضي”، مع توضيحه للدهاء الذي يحكم هذه النقاشات والمغالطات المتعمدة من قبل صانعيها.

هذين النموذجين من النقاش السياسي والحقوقي أراد من خلالهما الأستاذ عبد الواحد المتوكل أن يقف على المغالطات المقصودة وتحويل المسار الحقيقي للتغيير.

فالنقاش السياسي الحالي يبنى على فرضية ملغومة وهي توفر الإرادة السياسية للتغيير، فقط ينبغي تحديد طبيعة الإصلاح داخل المجالات وأولويات هذا الإصلاح، وهذا نقاش مغلوط غير مؤسس فالإرادة الحقيقية الصادقة من أجل الإصلاح والتغيير منعدمة ومفقودة والبدائل المطروحة مزيفة ومعدة لملء الفراغ ليس إلا.

والنقاش الحقوقي حول المصالحة هو في أصله فكرة رائدة، لكن تم السطو عليها وأفرغت من محتواها لتتحول إلى دعاية للمخزن ورموزه، إذ الأصل في تجارب الدول أن يرتبط الحديث عن المصالحة بانطلاق دينامية التغيير والإصلاح والتنمية (حرية، مؤسسات، عدل …).

والأخطر من ذلك أن يتولى البعض، الذي له سابق نضال، عملية مغالطة الشعب وأن يتحول إلى أداة من أدوات صناعة الوهم.

ليخلص الأستاذ عبد الواحد المتوكل في الأخير إلى أن المرحلة الحالية تجاوزت سؤال، من أين نبدأ؟ لأن هذا السؤال يطرح عندما تكون إرادة ورغبة التغيير موجودة، أما السؤال الراهن الذي طرحه الأستاذ متى وكيف ينتهي العبث في بلدنا العزيز؟

وقد تجاوب الطلاب مع عرض الأستاذ عبد الواحد المتوكل حول الواقع السياسي المغربي، وتجلى ذلك في كثرة المداخلات وغنى مضمونها، هذه المداخلات التي تساءلت عن المخرج من هذا العبث، ومقترحات جماعة العدل والإحسان، وتصورها لتغيير الإنسان والواقع، كما أشارت مداخلات الطلبة إلى الأدوار الصورية التي تقوم بها المؤسسات الدستورية وحقيقة السلطة التي هي ملك للقصر وبيد الملك.

في جواب الأستاذ على أسئلة الطلاب ومداخلاتهم ركز على جملة من القضايا، أهمها:

– تعلَّم طرح سؤال الكيف والإجابة عليه، خاصة وعقولنا متأثرة بالثقافة “الفرنكفونية” التي تجنح إلى الجانب النظري بخلاف الثقافة “الأنجلوسكسونية”، ولعل غياب هذا السؤال من شأنه أن يحدث فراغا في منهجية التفكير، إذ يتم توصيف الواقع والحديث عن المجتمع المأمول بشكل جيد لكن ثمة تغييب وقفز على منطقة العبور وعملية التحول (كيف الانتقال من هنا إلى هناك).

– وقف الأستاذ أيضا عند الميثاق الذي تطرحه جماعة العدل والإحسان بغية التواصل والتعاون مع الغير في بناء مغرب الغد، إذ لا يستطيع أحد تحمل أعباء هذا البلد لوحده، خاصة وتعقد مفهوم الدولة الحديثة وكثرة متطلباتها إضافة إلى حجم التردي والخراب الذي دفعنا إليه هذا المخزن.

ميثاق وطني يراعي إسلامية الشعب، يتفاهم الجميع من خلاله حول أهم سؤال، من نحن، وماذا نريد؟

طرحنا فكرة واضحة وقمنا بواجبنا ولم نكن عدميين يقول الأستاذ، وفي تجارب الغير (إسبانيا مثلا) عبرة للجميع.

– الإنسان أولا، هذا هو شعار العدل والإحسان في عملية التغيير، فالجماعة تركز على بناء الإنسان وإعادة صياغته إذ أرقى البرامج وأذكى المناهج لا تغني عن هذا الأمر المفصلي وهو تغيير الإنسان، وهذا التغيير لا يمر إلا عبر بوابة التربية، فالتربية ثم التربية ثم التربية يقول الأستاذ.

– ذكر الأستاذ في الختام بهذا الكنز الذي بين أيدينا وهو ديننا الحنيف وعقيدتنا الإسلامية الراسخة. هذا الدين الذي يكتشفه الغرب اليوم ويدخل فيه الناس كل يوم، بمقدوره أن يعيد للإنسان كرامته ويحمله رسالته الحقيقية. فأمتنا اليوم تستعيد عافيتها بل وتؤثر في غيرها، إذ الأمة التي تملك عقيدة راسخة قد تؤثر في الغالب.