على عكس ما تتمناه القيادة الروسية، لن يأتي قرار المخابرات الروسية باغتيال الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف الثلاثاء 8-3-2005 بأي مكسب لروسيا، بل على العكس سيكون مكسبا للشيشانيين أنفسهم، وربما يوحد قيادتهم المنقسمة بين “معتدلين” و”متشددين” تحت قيادة موحدة “متشددة” للقائد شامل باساييف.

هذه هي باختصار الحالة التي سيؤول إليها الموقف في جمهورية الشيشان التي يحتلها الروس منذ الثورة البلشفية، ونشروا جيشهم فيها منذ 1999. وبدأت إرهاصات هذه الحالة في صورة تعاهد الجماعات الشيشانية جميعا على تصعيد القتال، وإعلان جناحي المقاتلين الشيشان أنهما بصدد تصعيد القتال، وقول مسئول شيشاني: إن “مسخادوف كان عامل ضبط نفس في الشيشان (…) وكان يحاول تجنب تصعيد النزاع وعدم امتداده إلى كل شمال القوقاز”، والآن “قد يخرج الوضع في القوقاز والشيشان عن السيطرة”.

وقد أشار لهذا أحمد زكاييف ممثل الرئيس الشيشاني المقتول مسخادوف في الخارج عندما قال: إن “المقاومة ستستمر”؛ لأنه “سبق أن مررنا بهذا عندما قتل دوداييف”، في إشارة إلى مقتل الرئيس الشيشاني الانفصالي الأول جوهر دوداييف على أيدي القوات الروسية في إبريل 1996، فيما قالت جماعة باساييف: إن “الجهاد سيتصاعد”، ولفت الجميع الأنظار إلى الطريقة الهمجية التي عرضوا بها جثة الرئيس المقتول عاريا دون احترام الموتى.

عرض هدنة.. فقتلوه.. لماذا؟

فالمؤشرات -التي أكدتها وكالات أنباء روسية (نوفوستي) وأجنبية- تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن مسخادوف لم يكن بعيدا يوما من الأيام عن أيدي أجهزة الاستخبارات الروسية، ومكانه كان شبه معلوم في أكثر من مرة، رغم كثرة تنقلاته، فلماذا قتلوه الآن؟ ثم لماذا قتلوه رغم أنه أمر قبل شهر واحد (فبراير 2005) على إعلان مقاتليه الالتزام بوقف إطلاق النار على القوات الروسية من جانب واحد؟!

هل هي عقلية الانتقام من الشيشانيين عموما من قبل أجهزة الأمن الروسية لرد الاعتبار على عملية اغتيال أحمد قاديروف الرئيس الشيشاني-الموالي لموسكو- وأكثر من 32 آخرين -من بينهم الجنرال “فالوري بارانوف” المسئول عن قيادة القوات الروسية في الشيشان- في انفجار هز إستاد العاصمة الشيشانية جروزني في مايو 2004، والذي كان اختراقا غير عادي من المقاتلين لأمن الاستخبارات الروسية؟، أم أنه استباق لانتهاء مهلة هدنة وقف إطلاق النار والعمليات الشيشانية التي أمر بها مسخادوف -والتزم بها باساييف على غير العادة- والتي تنتهي في 22 مارس الجاري؛ لإجهاض مخططات حربية قادمة للثوار الشيشان، وأخذ زمام المبادرة؟، أم هي للرد على الضغوط الدولية على موسكو لوضع حلول سلمية لأزمة الشيشان، واستقبال العواصم الغربية بحفاوة ممثلين للرئيس مسخادوف أغضبت موسكو، بدليل قول طاوس جبرائيلوف رئيس مجلس الدولة في جمهورية الشيشان، لوكالة أنباء نوفوستي: إن تصفية مسخادوف “أسقطت القاعدة الأيديولوجية للحركة الانفصالية الإرهابية وسحبت التربة من تحت أقدام من كانوا يستقبلون ممثلي مسخادوف ودعوا إلى إجراء المفاوضات معه”؟.

لقد اعتبر المحلل السياسي الأمريكي الروسي الأصل دميتري سايمس -وهو رئيس معهد ريتشارد نيكسون في واشنطن- في تصريح لوكالة نوفوستي الروسية تصفية أصلان مسخادوف “نجاحا كبيرا للأجهزة الخاصة الروسية” انطلاقا من أن مسخادوف -كما قال- “قاد قوى المقاومة الشيشانية التي تحدت روسيا، وكان زعيما للقوى المعادية لروسيا”، ولكنه لم ينف أن اغتيال مسخادوف “سيساعد شامل باساييف على إحكام سيطرته على فصائل المقاتلين وتوحيدها”.

كما أن تعليقات كافة الصحف الروسية خرجت تؤكد أن الهدف انتصار معنوي لقوات الأمن والاستخبارات الروسية، ولكنها لن تهنأ باحتفالها به؛ لأن العمليات الشيشانية سوف تستعر وتنشط في كل مكان، وقالت: إن هدف موسكو من قرار تصفية مسخادوف -الذي “اتخذ على أعلى مستوى”- كان إجهاض الاتصالات السياسية التي يقوم بها جناح مسخادوف مع الغرب والولايات المتحدة من أجل حل سلمي للأزمة، وكأن موسكو ترغب في خيار الحرب والمواجهة ولا تريد حل مشكلة احتلالها للشيشان.

فصحيفة أزفستيا قالت: إن “اعتقال أو تصفية مسخادوف لم يكن أبدا هدفا يتعذر بلوغه من وجهة نظر التكتيك العسكري، إن الشيشان الصغيرة مليئة بالمخبرين (…) ومن غير الصعب تعقب تنقلاته”، وأضافت: “يمكن بالتالي الافتراض أن الأمر لا يتعلق بنجاح عرضي للأجهزة الخاصة وإنما بقرار متخذ على أعلى مستوى”.

وقالت الصحيفة: إن الكرملين كان يخشى أن ينظر الغرب إلى مسخادوف -الذي “قطع علاقاته” مع الزعيم المتشدد شامل باساييف، وأعلن هدنة، عارضا الجلوس إلى طاولة المفاوضات- على أنه “زعيم ما يشبه الجناح السياسي للمقاومة والجيش الجمهوري الأيرلندي (الشين فين) في الشيشان”.

وأضافت أن حجة الكرملين القائلة بأنه لم يعد من الممكن إجراء حوار مع مسخادوف لأنه لم يعد يمثل شيئا في الشيشان “أصبحت ضعيفة شيئا فشيئا”، لا سيما أن الهدنة التي أعلنها خلال فبراير تم احترامها بشكل شامل (باساييف التزم بها)، و”لكن الآن أصبحت هذه الحجة ثابتة.. لم يعد هناك أحد للتحاور معه” والوضع على الأرض “سيتغير” بشكل جذري.

ولم تنس بقية الصحف أن تحذر القيادة الروسية من عواقب عمليتها ذات الحسابات الخاطئة، حيث أكدت صحيفة كوميرسانت أنه بعد مسخادوف “سيكون شامل باساييف أو دوكو أوماروف، الزعيمان المعروفان بمواقفهما المتصلبة حيال موسكو، على رأس قيادة المقاتلين على الأرجح”، فيما قالت صحيفة فيدوموستي: إنه “إذا كانت أجهزة الاستخبارات تحتفل بالنصر فإن عليها أن تستعد مبكرا لرد الفعل؛ لأن الخبراء يخشون تصعيد العمليات في الشيشان”.

وتفتح عملية اغتيال مسخادوف -ومن قبل دودايف- ملف الاغتيالات المتبادلة عموما بين الحكومات وقوى المقاومة التي تدافع عن أراضيها المحتلة، حيث لوحظ أن رد الفعل الغربي على عمليات المقاتلين الشيشان يجيء عاجلا ومنددا.

فواشنطن وغيرها من عواصم العالم الغربية تحديدا أدانت اغتيال المقاتلين الشيشان لرئيس الإدارة الشيشانية الموالية لموسكو أحمد قاديروف في مايو 2004، ولكن واشنطن رفضت إدانة اغتيال مسخادوف، أو التحذير من تداعياتها الخطيرة على مستقبل الحرب في الشيشان؛ كي لا تغضب روسيا، واكتفت بمقولة “ضرورة تسوية النزاع الشيشاني بالطرق السياسية”.

أيضا رغم علم واشنطن أن هناك فروقا بين مسخادوف وشامل باساييف، وسعي أعضاء في الكونجرس الأمريكي ومختلف المجموعات السياسية المتنفذة في الولايات المتحدة للدعوة إلى إجراء محادثات مع مسخادوف، فقد تجاهلته إدارة بوش، ولم تعد تتطرق إلى إمكانية مفاوضة ممثليه بعد حادث خطف رواد أحد مسارح موسكو عام 2002 على يد موالين لباساييف قُتلوا ومعه رهائن بفعل الغازات السامة الروسية التي استعملتها أجهزة الأمن الروسية.

التوقعات تشير بالتالي إلى عدة حقائق جديدة ستقع في الشيشان بعد اغتيال مسخادوف، منها:

1- قبول كافة الفصائل الالتزام بهدنة مسخادوف في فبراير الماضي، بمن فيهم شامل باساييف سوف يدفع الجميع للتكاتف حول خرقها وإنهاء العمل بها والالتفاف حول باساييف؛ لأنه القائد الأبرز حاليا والقادر على توجيه ضربات للروس.

2- اغتيال الروس لثاني رئيس شيشاني منتخب من شعبه واستمرارهم في تجاهل الحل السياسي للأزمة والتعامل بالسلاح فقط مع الشيشان، وفرض رئيس عميل لهم، يصب في صالح أنصار السلاح من الثوار الشيشان، ويضعف حجة أنصار الحل السلمي من أعوان مسخادوف، خصوصا في ظل الموقف الأمريكي والأوربي المائع من التعامل مع هذا الجناح السياسي والخلط بين جناحي المقاومة الشيشانية (المعتدل والمتشدد).

3- كان المطلب الرئيسي للقيادة السياسية الشيشانية ممثله في الرئيس المقتول مسخادوف يركز على مطالبة المقاتلين بقصر المعارك والمواجهات مع قوات الاحتلال الروسي على الشيشان، وعدم نقل المعارك لجمهوريات إسلامية روسية أخرى خصوصا أنجوشيا وداغستان، وبمقتله قد تمتد المعارك إلى كافة الجمهوريات الإسلامية بعد توقف طويل منذ عام 2000 تقريبا.

4- قد يلجأ الشيشان لاختيار زعيم آخر غير شامل باساييف؛ ربما لرفض الثاني هذا الاختيار المحتمل؛ كي لا يكون مقيد الحركة، وربما لعدم غلق الباب أمام المفاوضات السلمية، خصوصا أن الأمريكان لا يزالون يبحثون عن شخص يتفاوضون معه بشرط أن تكون يديه “غير ملطخه بالدماء”، ولكن هذه الازدواجية بين الجناح السياسي والجناح العسكري ربما لا تكون بنفس الحدة في الانقسام بين الطرفين بعد اغتيال مسخادوف.