هل ثمة شعب يعيش بدون ذاكرة ؟ و هل يمكن لأي أمة أن تستورد تاريخا من متاحف العالم ؟

في المغرب، تريد الدولة أن تصنع ذاكرة جماعية لهذا الشعب وفق منظور خاص يطمس المعالم، ويصادر العلامات الدالة على الجرائم المرتكبة في حق عديد من المواطنين..

تريد الدولة أن تصنع ذاكرة وفق إرادة الجلادين حينما تعلن “طي صفحة الماضي” تارة، وابتداع “المفهوم الجديد للسلطة” تارة أخرى، وأخيرا تحقيق “المصالحة الوطنية”.

إنه فصل آخر من فصول الاستبداد، يقترح فيه على مختلف مكونات المجتمع المدني والسياسي أن تعقد مصالحة جماعية تطوى بموجبها صفحات الماضي الأليم، وتنسى الجراح والصدمات التي اجتهد جلادو الأمس في إلحاقها بمناضلي ومناضلات هذا الشعب الكريم،بأشكال مختلفة: اعتقال وتنكيل وقتل ونفي…

يريد حكام العهد الجديد أن يعقدوا مصالحة وطنية، لكن مع أفراد متناثرين. مع أفراد انتهكت حقوقهم في العهد القديم، بالاعتقال والتعذيب والاختطاف. وإذا جاز في العرف والقانون أن تسعى الدولة، من خلال مؤسساتها (المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ديوان المظالم، هيئة الإنصاف والمصالحة) إلى تعويض هؤلاء المتضررين بعطايا نقدية، فإن حقيقة المصالحة الوطنية تقتضي توافقا مع الشعب كله بجميع فئاته الاجتماعية وفصائله السياسية، دونما تمييز أو حيف. توافقا على قاعدة العدل الاجتماعي والاقتصادي، وتعميم الحريات السياسية والمدنية، خاصة إذا علمنا أن النخب التي تملك وسائل القهر الاجتماعي والاقتصادي ما تزال تنمي ثرواتها غير المشروعة بطرق متباينة وكثيرا ما تكون مكشوفة.

ويبدو أن الدولة، بتوافق مع المكونات السياسية الخانعة، قررت طي صفحة الماضي الأسود دون أن تخضع هذا الإجراء لشراكة واضحة مع مختلف مكونات المشهد الوطني الإسلامية واليسارية، السياسية والحقوقية. وهذا دليل واضح على ضحالة المبادرة الرسمية وغياب الإرادة السياسية والشجاعة الأدبية لتجاوز عقلية العهد القديم وأسسه ومنهجه في ضرب المخالفين ومنع حرية التعبير والتنظيم والتضايق بالتعددية الحقيقية والبناءة.

تريد الدولة أن تخاطب الشباب المغربي من خلال خطاب ومشاهد استعادة الماضي على شاشة التلفاز، لتقنعه بتفاصيل ذاكرة بلا معالم. وهو الفئة الواسعة الأكثر عددا داخل هذا البلد. وهو الذي فتح أعينه على مرارة واقع أليم دون أن يطلع على منابعه ومصادره. وهو الغارق اليوم في مستنقعات البطالة و الفقر والضياع.

تريد النخبة المتنفذة أن تخاطب الشباب وتقنعه بأن المصالحة يمكن أن تتم دون تقديم كشف حساب، وإزاحة جلادي الأمس من مواقعهم التي مازالوا متمسكين بها، ومتمسكة بهم. بل ما تزال الامتيازات تنهال عليهم من كل جهة،اعترافا بفضلهم الكبير في إطالة عمر الاستبداد ونهب ثروات هذا الشعب. وهل يجوز في شرع العقلاء وتاريخ الأمم أن ينصف الجلاد ضحيته؟

لقد وزعوا على أبناء هذا البلد الموت والدمار والرعب عقودا طويلة دون حسيب و لا رقيب. ولما أزكمت رائحة العفن أنوف الفضلاء في هذا العالم، وارتفعت أصوات النكير والاحتجاج، ورأى القوم أن سيل القروض والمساعدات الدولية يوشك أن ينحبس، انخنس المفسدون وأحجموا عن الاستمرار في توزيع شرورهم، بالطريقة العتيقة، على الأحياء والأموات.

ولا نكاد نشك  نحن جيل الشباب  أن المآسي والآلام لا يمكن أن تمحى بهبات مالية، هي حق لا مراء فيه. وهي الهبات التي تخرج من عرق الفقير وكد البائس، بدل أن تنتزع من خزائن الجلادين والسفهاء انسجاما مع شريعة “رد المظالم”. لا نكاد نشك في كون المآسي والفظائع إنما تمحى إذا أزيح المفسدون عن صدر هذا الشعب الأبي، وفتحت مصاريع العدل الاقتصادي بإعادة توزيع الثروة الوطنية، ومكافحة الفقر من جذوره وأصوله، واستعيدت ممتلكات كثير من الناس بعد أن طالها النهب الفردي والجماعي.

وفق هذه الرؤية السياسية الشاملة، تكون طريق المصالحة والإنصاف سالكة ممهدة، و تكون عقباتها قد ذللت لتنفسح أمام بلدنا آفاق التحول الحقيقي البناء، لا منعرجات الخزي والمذلة بين يدي العولمة المتوحشة الزاحفة. والله ولي المستضعفين الوارثين.