بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

الحمد لله الذي بعث فينا خير رسله ونزل علينا أفضل كتبه فجعله ربيع قلوب المؤمنين ونور صدورهم وجلاء أحزانهم وذهاب همومهم.

والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد من جمع الله القرآن في صدره وأجراه على لسانه وفهمه له تفهيما فقال سبحانه: (إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه). فاللهم صل عليه وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

1. مدخل:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها” رواه أبو داود والترمذي.

كيف بمن يسمع هذا الحديث ألا توقظ همته وتقوى عزيمته لحفظ كتاب الله. لاشك أن كل مؤمن يقرأ مثل هذا الحديث إلا ويدعو الله ويرجوه أن يجعله من حفظة كتاب الله. حفظ القرآن منة وعطاء من الله سبحانه وتعالى.

من المؤمنين من حفظ القرآن عند الصغر عندما كان تحفيظ القرآن من أولى الأولويات. فكان حفظه يسيرا ومرسخا. لكن ما حظي أنا بعدما كبر سني وضعفت ذاكرتي، وبعدما شغلت بالدراسة والعمل والأهل والأولاد؟ أليس في متناولي أن أحفظ كتاب الله؟ المنة والعطاء من الله، وإنما هي أسباب نأخذ بها عسى الله أن يرضى عنا.

أسباب وطريقة وتجربة نتقدم بها بين يدي قارئ هذه الورقة سائلين الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها. تجربة شاء الله أن يقوم بها زمرة من المؤمنين، لم تشغلهم أعمالهم ولا أهليهم ولا أولادهم عن تخصيص بعض الوقت لإنجاح مشروع حفظ القرآن. إخوة أعمارهم أغلبها تفوق الثلاثين ومنهم من جاوز الأربعين. إخوة تختلف ملكة الحفظ عندهم، فمنهم من يستغرق أكثر من ساعة لحفظ ثمن واحد من القرآن الكريم وقد أتم الآن ثلاثين حزبا.

عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفلتا من قلوب الرجال من الإبل من عُقُله” رواه الإمام أحمد في مسنده.

التعهد أمر مهم، كثيرا ما لا ينتبه إليه عند التحدث عن الحفظ حتى أصبحت تسمع قولا مشهورا: كنت أحفظ هذه السور أو نُسيت هذه السورة. قول لا يليق بمن ينشد الإحسان، الإحسان في كل شيء. ومن الأولويات الإحسان في علاقتنا بكتاب الله. فاللهم أعنا على حسن تلاوة كتابك وحسن تدبره وحسن فهمه وحسن العمل به.

في هذه الورقة نتحدث عن نصائح في حفظ القرآن الكريم، عن أمور اعتبرناها شروطا لإنجاح تجربتنا. ثم نعرض كيفية الحفظ التي اتّبعت، وقد اقتصرنا على سرد أمور كلها مجربة وناجعة. ثم نوضح فكرة وطريقة التعهد الذي نعتبره شعار هذه التجربة. ثم ننبه إلى أمر المتابعة وطريقتها.

2. نصائح في حفظ القرآن:

أ- الدعاء: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).

ب- المداومة والتدرج: عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (سددوا وقاربوا وأعلموا أنه لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) رواه البخاري. فلا تُكثر على نفسك في البداية فلعلها تكون عزمة عابرة أو فراغا مؤقتا. الزم نفسك بما تستطيعه وأنت في حياتك العادية: عملك وأهلك وأولادك … ومعهم حفظ القرآن الكريم. اللهم قو عزائمنا وبارك لنا في أوقاتنا.

ت- المقرئ: ادع الله أن يقيض لك مُقرئا صالحا تحفظ عنه القرآن الكريم تلقيا. فإن لم تجد بعد المقرئ فالزم نفسك بسماع شريط لأحد القراء برواية أهل البلد “ورش”. وهذا ريثما تجد مقرئا وحتى لا توقف مشروع الحفظ في بدايته، فلعل عزمة تكون عندك فتضعف مع أول عقبة أو تذبل مع مرور الزمن. اللهم دلنا على من يدلنا عليك.

ث- المُعين: إخوة تجلس معهم يذكرونك وتذكرهم وتتنافس معهم على حفظ كتاب الله وعلى المداومة عليه. إخوة تجمعك معهم محبة وأخوة وتجالس وتزاور وتبادل. يزيدكم القرآن محبة وألفة ودرجة عند الله. تغبطكم عليها الملائكة والنبيون. اللهم ارزقنا صحبة من ينهض بنا حاله ويدلنا على الله مقاله.

ج- التعهد: كما أوصى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفلتا من قلوب الرجال من الإبل من عُقُله) مسند الإمام أحمد.

واعلم أن الحفظ مع التعهد، فإن أُهمل التعهد فلا حفظ ولا مداومة ولا تثبيت ولا تذكر وربما نُسيت الآيات والآيات.

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بئس ما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل نسي بل نسي واستذكروا القرآن فإنه أشد تَفَصِّيا من صدور الرجال من النَّعم) رواه البخاري.

ح- التلاوة السليمة: اهتم منذ البداية بضبط قواعد التجويد. إن كنت تحفظ عن مقرئ ضابط أخذت القواعد من أصولها وتعود لسانك عليها ولو لم تعرف تفاصيلها. وإن كنت مرحليا تستمع للشريط فابدأ بالأهم (عدم الخلط بين الحروف مثلا) واستعن بكتيب بسيط في قواعد التجويد.