الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربَّنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالمين كلهم بشيراً ونذيراً. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم  أيها المسلمون  ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله!

يجب على العبد إذا عرف ربَّه أن يعلم أن مدار الكون كله على حكم الله سبحانه وتعالى وأمره، وأن سلطان الأسباب والمسببات مرتبط بقضاء الله سبحانه وتعالى وإرادته، وهذا هو المعنى الذي يتضمنه بيان الله سبحانه وتعالى، الذي يخاطب الله به رسوله محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم؛ إذ يقول: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 11/123]. إليه يرجع الأمر كله، وإذا علم العبد هذه الحقيقة وأدرك أن الكون كله مرتبط بحكم الله سبحانه وتعالى وتسييره؛ فالمطلوب من العبد بعد ذلك أن ينقطع إلى الله عز وجل دائماً في سائر تصرفاته وأحواله، وأن يتجه إليه بالرغبة والرهبة في كل الظروف وفي سائر التقلبات، وهذا ما عناه البيان الإلهي إذ خاطب الله عز وجل رسوله قائلاً: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 73/8] انقطع إليه برغبتك ورهبتك، انقطع إليه بسؤال ما تبتغيه والاستعاذة مما تخاف منه. وخطاب الله لرسوله خطاب لأمته، بل لعباد الله عز وجل جميعاً.

ولكن الإنسان كثيراً ما يسهو عن هذه الحقيقة وهذا الواجب، يعيش في خضم الأسباب والمسببات، فينسى مسبب الكون الأوحد، وهو الله قيوم السماوات والأرض، ومن ثَم ينسى أن ينقطع إلى الله بالتبتل والضراعة، فكان من حكمة الله عز وجل أن يبعث بين الحين والآخر شيئاً من القلاقل وعصي التأديب، شيئاً من المصائب والمخاوف؛ لتوقظ السادر، وتنبه الغافل، وتعيد العبد المؤمن بالله عز وجل إلى ساحة الالتجاء إلى الله، والتضرع لذاته العلية، والالتصاق على أعتابه، والوقوف على بابه، ومن هنا كانت حكمة المصائب تأتي وتمر، والتهديدات التي تتغشى الناس أفراداً وجماعات، الحكمة من ذلك تنبيه الغافل، وقيادة التائهين والشاردين إلى أعتاب الله، إلى باب الله، ليضرعوا إليه، وليؤوبوا إليه، ليتحققوا بما أمر الله به رسوله إذ قال: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 73/8]. انظروا أيها الإخوة إلى هذه الرابطة بين المصائب وحكمتها، كيف تتجلى في آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل من مثل قوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: 6/42-43]. هلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، أي تنبهوا وتبتلوا واتجهوا إلى الله عز وجل وتضرعوا إليه. انظروا إلى قوله سبحانه، وهو يتحدث عن أناس أرسل الله عز وجل إليهم قوارع التأديب والتأنيب، فما ارعووا، يقول عنهم: {وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 23/76]. ثم انظروا إلى قوله تعالى وهو يخاطبنا ويهيب بنا ألا نكون كأولئك السادرين في غيِّهم، الذين أسكرتهم الدنيا، والذين أسهرتهم الأسباب الكونية الشكلية التي يرونها، فلم يرعووا للمصائب التي حاقت بهم، ولم يستيقظوا لقوارع التأديب التي تكررت عليهم، يحذرنا الله عز وجل ألا نكون منهم، ويقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 7/55]، {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} [الأعراف: 7/205] تضرعاً، انظروا إلى قوله عز وجل لرسوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 8/9]، ربط النصر بالاستغاثة، أي بالتضرع، بالتبتل، بالانقطاع إلى الله عز وجل، ولم يربط النصر بالأسباب الشكلية قط.

هذه الحقيقة أيها الإخوة، كم وكم نحن في هذا المنعطف الخطير الذي نمر به بحاجة إلى التنبه إليها. نحن مسلمون مؤمنون، ولكن ينقصنا أن نتحقق بثمرات هذا الإيمان، ينقصنا أن نتحقق بالوصايا التي يخاطبنا بها ربُّ العالمين سبحانه وتعالى، الذي بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله. نحن المسلمين نعاني من رزايا ومصائب كثيرة، نعاني من تهديدات متنوعة ومتلاحقة خطيرة، ظاهرها مصائب تأتينا من أمثالنا، وباطنها قوارع تتنزل علينا من علياء الربوبية، قوارع تأتينا لكي تقودنا إلى أعتاب التضرع إلى الله، لكي تقودنا إلى ساحة التبتل والانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى، هذه هي الحقيقة أيها الإخوة. ألا تقرؤون قوله تعالى وهو يقول: {فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: 6/43] هو بأس الله وليس بأس طبيعة، وليس بأس أمة تسلطت على أمة، لكن الأمر عائد إلى سياسة ربّ العالمين سبحانه وتعالى، وتسليط عباده بعضهم على بعض، لحكم كثيرة من أجَلِّها هذا الذي أقوله لكم.

وهذا الذي أقول والذي ينبهنا إليه كتاب الله لا يعني أن ينفض المسلمون أيديهم وأفكارهم عن الأسباب الشكلية الظاهرة، لا بل العكس هو المطلوب، يأمرنا الله عز وجل أن نتعامل مع الأسباب الشكلية التي جعل حركات الكون وتقلباته مرتبطة بها، والله هو المسبب، يأمرنا الله أن نتعامل مع هذه الأسباب، وتعاملنا مع هذه الأسباب تأدب مع الله عز وجل. انظروا إلى قوله وهو يخاطب يحكي خطابه لمريم البتول إذ وضعت مولودها يقول لها الله عز وجل: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 19/25]

خالق النخلة هو الله، والذي أوجد الثمار الناضجة على التو على رأس هذه النخلة هو الله، والذي سيسقطها ثمراً جنيا بين يدي مريم هو الله، ومع ذلك أمرها الله عز وجل بالتعامل مع السبب {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 19/25]، وليت شعري ماذا عسى أن تفعل اليد الضعيفة وهي تهز الجذع الذي يشبه هذه الدعامة التي ترونها؟ لكن الأدب مع ما أقامه الله عز وجل في الكون من نظام الأسباب والمسببات. إذن التضرع الذي أمرنا الله عز وجل به على كل المستويات، والتبتل والانقطاع إلى الله والاستغاثة على أعتاب الله، لا يعني كل ذلك ترك الأسباب وإلقائها ظهرياً وراءنا، وأنتم ترون الدليل على ذلك. ولكن الله عز وجل يريد أن نتأدب مع نظام الأسباب والمسببات، وهو أدب مع الله، ثم أن نتوج ذلك بروح الحركة والعمل أجمع، ألا وهو التبتل الانقطاع إلى الله، والتضرع على أعتاب الله عز وجل، والانكسار بين يديه، حتى تفوح رائحة عبوديتنا لله التي ندَّعيها بألسنتنا.

وانظروا  أيها الإخوة  إلى تاريخ الخلفاء الراشدين، ومَنْ بعدهم من الرعيل الأول، والذين جاؤوا وساروا على نهجهم، كيف كانوا يتعاملون مع الأسباب ويعتصرونها حتى الثمالة، ولكنهم ما كانوا يعتمدون عليها، يعتمدون على نصر الله، يعتمدون على عبوديتهم لله، يلجؤون إلى الله في البكور والآصال والأسحار، يكثرون من الالتجاء إليه على كل المستويات، هكذا ينبغي أن نكون، وهكذا يصرف الله سبحانه وتعالى السوء عن الأمة.

ألا تذكرون عمل محمدٍ الفاتح الذي تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: ((لتفتحنَّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذاك الجيش)). هل نفض فكره ويده عن التعامل بالأسباب؟ معاذ الله، بل كان مضرب المثل في العكوف على تحقيق الأسباب، بنى تلك القلعة التي كانت عتبة الانتصار الذي قيضه الله عز وجل له، بنى هذه القلعة في مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر وبضعة أيام، وأنا أتحدى أصحاب التقنيات الحديثة أن يبنوا قلعة كهذه القلعة في ضعف هذه المدة، تعامل مع الأسباب، لكن كيف استنزل النصر بعد ذلك؟ بعد ذلك ألقى هذه الأسباب وراءه ظهرياً، بعد أن تحقق بها استنزل النصر بالالتجاء إلى الله، بالبكاء والتضرع على أعتاب الله، اتخذ من خيمته مثابة تضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وغرفة عمليات للعمل الإسلامي الذي قام به رحمة الله تعالى.

دخل عليه خادمه الذي كان يسمى ياوراً، دخل عليه في جنح الليل ليستشيره في أمر عشية القتال، وإذا هو ساجد يعفر رأسه بالتراب، ليس بين جبهته وبين التراب أي فاصل قط، يبكي ويتضرع ويناجي الله عز وجل، وقف الخادم وقفة الجندي أمام ضابطه ينتظر، وطال به الانتظار، وطال سجود القائد، قائد الأمة الإسلامية يتضرع ويتذلل لمولاه وخالقه، لما انتهى من سجوده وصلاته خاطبه الجندي بما جاء من أجله واستشاره وأخذ الجواب ومضى.

في صبيحة اليوم الثاني تنزل النصر عليه من علياء الربوبية.

أيها الإخوة! الالتجاء إلى الله هو المفتاح الذي فقدناه، وأنا لا أعني بهذا الواجب قيام الأفراد، كثيرون هم الأفراد الذين يلتجؤون إلى الله، ولكن الصورة غائبة في هذه الأيام من أذهاننا، التجاء القادة، التجاء الساسة، التجاء الحكام إلى الله سبحانه وتعالى، تلك هي الصورة الغائبة عنا في أكثر الأحيان، إن لم أقل: في كل الأحيان. بيننا وبين أن تنجلي هذه المصائب عنا وهذه التهديدات عنا، بيننا وبين ذلك شيء واحد، هو أن يلتجأ القادة إلى الله بصدق، وبذل العبودية كما كان يصنع محمد الفاتح، بيننا وبين أن يحررنا الله سبحانه وتعالى من أسر هذه التهديدات المختلفة شيء واحد، ولا بد من اتخاذ الأسباب احتراماً لنظام الله سبحانه وتعالى، وتأدُّباً مع الله سبحانه وتعالى، أن تصبح معسكراتنا محاريب تبتل لله سبحانه وتعالى، أن يتحول قادتنا إلى نسخ تتكرر لشخص محمد الفاتح. وأنا الضمين  وأقولها من هذا المكان  وأنا الذي أراهن على أن الله سبحانه وتعالى سيحمي هذه الأمة من كل التهديدات القذرة التي تطوف بهذه الأمة.

لكن أين هم المتبتلون؟ يأمر الله ورسوله محمداً وهو الذي قال له: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 68/4] يقول له: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 73/8] أين نحن من هذا الواجب؟ ألسنا أولى من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتبتل، بالتضرع؟ أنا لا أتحدث عن المعاصي ((كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون)) ولكنني أتحدث عما يجب على العاصي والطائع أن يفعله، الفرار إلى الله سبحانه وتعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 51/50]. الالتجاء من ابتلاءات الله إلى رحمة الله عز وجل، الأمور كلها بيد الله، وإليه يرجع الأمر كله، وجدنا مصائب تطوف بنا فاعلموا أنها آتية من عند علاّم الغيوب، مدبِّر الأمر كله، وإن وجدنا مظاهر الرحمة الإلهية فلنعلم أنها آتية من عند الله عز وجل، ولذلك نفر من غضب الله إلى رحمة الله.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهم قادة المسلمين العثور على هذا المفتاح، وإذا بالنصر بين أيديهم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.