يعتقد الأستاذ عبد السلام ياسين أن المقاربة السليمة للمسألة الثقافية بالمغرب، والقضية الأمازيغية جزء منها، ينبغي أن تتم في إطار نظرة شموليـة لشأننا العام وللعمل الوطني برمته. فتجارب، وواقع بلدنا المغرب تقدم لنا نماذج من هذه الإخفاقات في التعامل مع المسألة الثقافية، أولا لأنه عجز عن التخلص من الإرث الاستعماري الذي سعى ويسعى إلى توظيف هذه المسألة في تكريس تخلف وتبعية مستعمراته، وثانيا : لأن الحكومـات التي تسلمت الحكم بعد الاستعمار غفلت أو تغافلت أهمية هذه المسألة ووضعتها في المراتب السفلى من أولوياتها ظانة أن الإقلاع والتحـرر رهين بالتنمية الاقتصادية وتوطيد سلطتها بما يتطلبه ذلك من قمع وكبت وتمييع جميع التطلعات الشعبية المرتبطة بالمسألة الثقافية، بدعوى أن ذلك يهدد الوحدة الوطنية.

ولذلك ففي رأي الأستاذ عبد السلام ياسين. يجب أن تتعبأ كل المكونات الوطنية، وضمنها الحركة الثقافية الأمازيغية، للتأسيس لمغرب جديد يقف على أرضية صلبة، سياسية واقتصادية وثقافية من خلال مـا فتئ يـدعو إليه بإلحاح شديد ويراه المخرج السياسي المناسب من الواقع البئيس. وهو تداعي الجميع إلى ميثاق وطني تحدد فيـه الاختيـارات الكبرى، وتعرض على التصويت الشعبي، يعطي الانطلاقة لأوراش وطنية تستحبب لكل التطلعات المشروعة. يقول الأستاذعبد السلام ياسين : ” & ندعوكم إلى ميثاق نطرحه على الأمة للنقاش الواسع، تقبله الأمة أو ترفضه تدخلون فيه أنتم معنا أو نترككم أحرارا في انقساماتكم. هذا الميثاق يقترح على الأمة أن يكون لها أن يكون منها، قاعدة سياسية متعددة التنظيمات الحزبية والنقابية والمهنية إلخ تسمى ” جماعة المسلمين ” تكون لنا فيها رابطتنا الإسلامية تضم تنظيمات الإسلاميين في جبهة إسلامية وتكون لكم فيهـا وبمقتضى ميثاقها وبالتزامكم ببنوده أحزابكم وتنظيماتكم. وربما تدعونا الضرورة وتدعوكم لتشكيل حكومة ” وفاق وطني ” نعمل فيه نحن وأنتم جنبا إلى جنب، ونحمل معا عبء الحمل الثقيل الموروث مما أفسده السلطان العاض والجبري ومما أفسدتم، نعمل نحن وأنتم ونحمل ونصلح على بساط المروءة وفي ظل الميثاق”(1).

فالأستاذ عبد السلام ياسين يلح دائما على أن البوابة الطبيعية لأي تغيير سليم هي أن تتداعى كل المكونات المجتمعية السياسية منهـا والثقافيـة وغيرها إلى التوافق على إطار عام جديد للعمل الوطني يكون بمثابة ميثاق جامع يعرض على التصويت الشعبي.

وضمن هذا الميثاق يمكن إدراج كل القضايا والتحديات والتوافق على حلول شاملة لجميع القضايا بما في ذلك القضية الثقافية الأمازيغية. يقول الأستاذ عمر امكاسو : ” فنحـن نلح دائما على أن البوابـة الطبيعية لأي تغيير سليم هي أن تتداعى كل المكونات المجتمعية السياسية ( & ) والثقافية وغيرها إلى التوافق على العمل الوطني. يكون بمثابة ميثاق جامع يعرض على التصويت الشعبي. وضمن هذا الميثاق يمكن إدراج كل القضـاـيا والتحديات والتوافق على حلول شاملة لجميع القضايا بما في ذلك القضية الثقافية التي تشكل المسألة الأمازيغية جزءا منها”(2).

وليكون هذا الميثاق جامعا، ولكي تكون تلك الحلول شاملة ومتناسقة فلابد في نظر الأستاذ عبد السلام ياسين من توفر الميثاق السالف على : الأرضيـة، والشروط، ثم الضوابط.

ـ أرضية الميثاق :

1 ـ الأرضية الإسلامية :

إن الميثاق الوطني رابطة جامعة تؤلف شتات الأمة وتلم شعثها في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة والعصيبة، لذلك فإن مثل هذه الوظيفة لن تنجح إلا إذا رجعت الأمة إلى أصولها، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا على بساط الإسلام. أولا لأن الإسلام دين الأمة، والشعب المغربي كان ولا يزال مسلما وثانيا لأن جل مكونات البلاد السياسية لا تتنكر للدين الإسلامي ولا تتوانى في إعلان إسلامها، بل تدعو إلى عدم احتكار الإسلام، وثالثا لأنه ليس هناك ما يوحد المغاربة غير الإسلام، فمن حيث العرق نتقسم إلى عرب وأمازيغ، داخل كل صنف قبائل وبطون لا تنحصر عددا لم تفلح العصبية القبلية في جمع كلمتها بينما تلبي داعي الإسلام كلما دعا إلى ذلك داع وتحت ردائه تصدت لمؤامرة الظهير البربري الاستعماري. أما لهجاتنا فهي الأخرى جد متباينة والمرجعيات الفكرية متنافرة، ولا يعلم لهذا الطيف في التاريخ اجتماع إلا على دعوة الإسلام. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” مشروعنا أيها الأعزاء أن تدخلوا الميدان على شرطنا. من المتوقع في ظروف هذا القطر أو ذاك، وفي مرحلـة من مراحل نمو الحركة الإسلاميـة، أن نسير معكم شرطا بشروطكم التعدديـة الديمقراطية. لكن هدفنا هو أن نصـارح نحن وأنتم، الشعب بما ننوي وتنوون، وأن نخرجه من ” دين الانقياد ” الذي عاش عليه قرونا، وأن نوقظه من وسن ” الذهنية الرعوية ” التي طبعتها عليه تقاليد الاستسلام ” والبعد عما لا يعني ” لكي يفهم ويختار ويشارك ويفعل & ندعوكم أن تدخلوا معنا الميدان على شرطنا وهو شرط الإسلام”(3).

2 ـ أرضية المروءة واحترام الدين :

أما إذا كان الدين حاجزا في الالتقاء مع بعض فئات المجتمع التي ترغب حقا في خدمة البلاد وتؤثر الصالح العام، فلا أقل أن نلتقي على أرضية المروءة بما تعنيه من وفاء في العهد واحترام الآخر، ثم على أرضية الأهداف الماديـة المشتركة والتي لا ينكرها عاقل. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” وفي مكة تعزز حق مواطنة الدار بحق مواطنة المروءة، بمقتضى الوطنية المكية وبمقتضى المروءة، تحلى بها جاهليون لا تنفعهم تلك الأعمال الجليلة يوم القيامة، قام رجال لحماية المظلوم والضعيف، والتأسي في المعاش، ولرد كرامة الغريب المحتقر، سلبه حقه متكبر جبار، في كل هذا دروس لنا لنمد الجسور مع ذوي المروءات والكفاءات من مواطنينا في دار الإسلام ومع غيرهم من الأنام “(4).

3 ـ أرضية الغيرة الوطنية :

وهي من شيم المروءة وأحد مزاياها باعتبارها مبدأ يمكن أن يكون جسرا للتواصل، فالإخلاص للوطن والوفاء له والاعتزاز بخدمته أحد الأهداف النبيلة التي تصلح في ـ نظر الأستاذ عبد السلام ياسين ـ للالتقاء والتعاقد من أجل خدمة مصلحة الوطن. يقول الأستاذعبد السلام ياسين : ” من الجسور التي ينبغي أن نمدها بيننا وبين الناس، ونعتبرها مروءة، ونتعامل على أرضيتها ونتعاون : الغيرة الوطنية ” (5). إن الميثاق إذا مسؤولية وأمانة لا ينخرط فيه إلا من له استعداد وتوفرت فيه شروط مما سبق الحديـث عنـه ( المروءة ـ احترام الدين ـ الغيرة الوطنية ).

ـ شروط الميثاق :

1 ـ أن يركز على القواسم المشتركة التي تجمع عليها كل المكونات الوطنية ـ ( بالمغرب ) ـ ليضمن الحد المطلوب من الوحدة في عصر تجتاحه العولمة وتتحكم فيه التكتلات الاقتصادية والسياسية.

2 ـ أن ينبثق عن هذا الميثاق دستور جديد تشرف على وضعه هيئة منتخبة وممثلة لجميع المكونات، ولهذا الدستور الحسم في الاختيارات الثقافية وغيرها بما يكمل للمغاربة الوحدة والقوة والمناعة والديمقراطية والعدل & .

3 ـ أن ينفتح هذا الميثاق على جميع المكونات وأن يساهم الجميع في صياغته بعيدا عن أي إقصاء ليحظى برضا الجميع وليكون دافعا لعمل وطني جديد يتوخى ترسيخ مقومات المغاربة المشتركة ودعم هويتهم الجماعية بكل أبعادها.

4 ـ يجب صياغة هذا الميثاق بعيدا عن جو الكولسة والكوطا والتآمر على الشعب والقفز على إرادته.

5 ـ يجب أن تأخذ معالجة المكونات الموافقة على الميثاق ـ للمسألة الثقافية ـ والحركة الثقافية الأمازيغية ضمنها بعدها الطبيعي كمسألة وطنية تهم كل المواطنين، وليس فئة منهم، ويجب أن تكون هذه المعالجة منطلقة من مقتضيات هوية المغاربة الإسلامية الجامعة ومدعمة لوحدتهم ومبنية على إرادة وطنية صادقة، دون أن يعني ذلك الإهمال والتعليق والتأجيل والتماطل.

6 ـ أن تبادر جميـع المكونات والهيآت إلى التفاهم والتوافق على ميثاق وطني شامل، يحدد بوضوح الهوية المغربية بكل أبعادها المختلفـة ومرجعيتها وأي مغرب يريدون في عصر العولمة والأمركة وفي ظل النظام الدولي الجديد.

ـ ضوابط الميثاق :

ويعني بها الأستاذ عبد السلام ياسين: مجموع المعالم التي ستحكم صياغة بنود الميثاق والعمل بمقتضاه والتي بدونها تفقد معالجة المسألة الثقافية الأمازيغية ضمن هذا الميثاق مشروعيتها، ويمكن تصنيفها كالتالي :

1 ـ عدم الإجبار على الدخول في الميثاق :

الأصل في مبادرة الدخول في الميثاق أنها تطوع لهدف تأكد نفعه، وهي ندب لوسيلة تضمن معالجة المغاربة أفرادا ومجتمعا ودولة، ومن ثم فإن الاستجابة لهذا النداء تتوقف على الإرادات وعلى الشعور بالمسؤولية، ولا يمكن بحال من الأحوال إجبار الحركة الثقافية الأمازيغية وباقي المكونات، إن كلا أو جزءا على الانخراط في هذا الميثاق.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” ميثاق جماعة المسلمين لن يكون غلا في الأعناق يلزم أحدا ما لا يحب أن يلتزم به، بل هو اختيار ضروري ترسم به الطبقة السياسية الواعية المتصارعة مواقعها، وتعرف باستراتيجياتها داخل أو خارج المشروع الإسلامي “(6).

2 ـ ضمان حق المعارضة من داخل دائرة الميثاق أو خارجها :

نظرا لكون هذا الميثاق اختيار حر إرادي لا يعتريه إكراه، فإن وجود آراء خارج هذا الميثاق ستكون بديهية، ونظرا لأن من أهداف هذا الميثاق تنظيم الاختلاف بين التصورات ووضع ضوابط ممارسته، فإن اختلاف الآراء من داخل الميثاق سيكون كذلك أمرا طبيعيا فضلا عن قبول الرأي الخارجي، ولذلك وجب أن يكون هذا الميثاق ضامنا في بنوده لحق الاختلاف.

3 ـ النزاهة والشفافية وإشراك الشعب في صياغة الميثاق :

إن مشروعية الميثاق لا تكتمل إلا برسم آخر ضوابطه التي هي توضيح الرؤية للشعب وإشراكه في الصياغة والمصادقة، ولا يضر بعد ذلك أن تختلف الآراء مادام الشرع ضابطا والشعب حكما وشاهدا

عود على بدء :

حينما يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين عن الأمازيغية ضمن ” الميثاق الإسلامي” فإنه يتحدث عن اختيار ومسار، عن عقد مسؤول وملزم لمن صادق عليه. وبذلك يكون ” الميثاق ” باعتباره محط إجماع الأمة، ليس فقط في هذه الآونة وإنما أيضا على مر العصور وباختلاف الأجناس، هو البديل الجدير بلم التناقضات التي يحبل بها المجتمع المغربي “. و يمكن اعتبار معالجة ذ عبد السلام ياسين للمسألة الثقافية وضمنها الأمازيغية نداءا مؤمولا إلى ” الكلمة السواء ” ودعوة إلى عقد يجمع شتات الأمة وينهضها من كبوتها، هذا العقد يكون في صيغة وثيقة تتعاهد بشأنها مختلف المكونات السياسية والثقافية على مرأى من الناس الذين يكون رأيهم فيصلا وحاسما في المصادقة أو الرفض، ومن ثم فإن التوصل إلى مثل هذا ” الحل ” للمسألة الأمازيغية سيكون ” بمثابة إنجاز تاريخي ( & ) يحمل أكثر من مغزى ودلالة يمكن أن نشير إلى بعضها كالآتي :

ـ سيعد مؤشرا على نضج المكونات السياسية.

ـ قدرة على تحطيم الحواجز النفسية والذاتية وتمهيدا لعقبات الموضوعية التي تسهم في عرقلة المسار.

ـ اكتساب الجرأة والشجاعة في إنجاز قرارات أكثر نفعا وجدوى.

ـ دليلا على استحضار المصلحة العليا للبلاد وترجيح المصلحة العامة على كـل الاعتبارات الحزبـيـة والذاتية.

ـ القدرة على مسايرة أفق التوحد وتنظيم الخلاف الذي تسير في اتجاهه البلدان الغربية وتفويت الفرصة على أعداء الأمة في التفرج على صراعاتها الداخلية واختلاف الفرقة والصراع بين أطرافها.

ـ استيعاب المستقبل والقدرة على التأثير فيه والمساهمة في صنع الأحداث عبر النجاح في تدبير أزمات الحاضر “.

و بشكل عام : فإن التفكير في معالجة القضية الأمازيغية على أرضية الميثاق اختيار يقتضي وجود طرفين فأكثر تدعوهما المصالح المشتركة إلى التعاقد على أرضية بنود واضحة لتأطير الالتقاء على الأصول الجامعة وسبل تجسيدها، وحدود الخلاف وآليات تدبيره.

الهوامش:

(1) عبد السلام ياسين (2000): العدل: الإسلاميون و الحكم ص531.

(2) أمكاسو عمر ( 2002 ): نحو نظرة شمولية للمسألة الأمازيغية بالمغرب ص115. المسألة الأمازيغية بالمغرب. مجلة نوافد العدد المزدوج 17- 18.

(3) ياسين عبد السلام (2000): العدل: الإسلاميون و الحكم ص531.

(4) نفسه ص 517.

(5) نفسه ص 514.

(6) جماعة العدل والاحسان إقليم الشمال ( 2000 ) : مختارات حول الميثاق الإسلامي ص 2.