هذه مداخلة للأستاذة ندية ياسين في الندوة التي نظمها القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، حول موضوع “قضية المرأة في تصور جماعة العدل والإحسان” يوم 14 مارس 2004:

قبل التطرق لقضية المرأة لا بد من التوقف مع المصطلحات لتفادي أي سوء تفاهم. فعدم إعارتها اهتماما كافيا قد يكون من أكبر معيقات التواصل الجاد والحوار البناء. ولهذا فإن وقفة منهجية مع المصطلحات تعتبر الآن ضرورية أكثر من أي وقت مضى، خصوصا في الأجواء المتوترة التي نعيشها، والتي تريدها بعض الإرادات الدولية والوطنية أن تكون كذلك حتى لا يقع الانسجام داخل المجتمع المدني ولا يحدث تكتل حول قضية العدل، وهو الأمر الذي يخيف أكثر من غيره المؤسسات الحاكمة في بلدنا.

من الضروري إذن، وقبل أي شيء، الاتفاق حول مجموعة من المصطلحات العامة التي نعتبرها مفاتيح فكر جماعة العدل والإحسان، والتي وقع عليها تشويش كبير ومتعدد الأبعاد. ومن أهمها: التجديد والإحسان والعدل.

* التجديد

لن يتسنى فهم مواقف وخطوات جماعة العدل والإحسان السياسية والعامة دون الاتفاق حول مصطلح التجديد، لأن جماعة العدل والإحسان تعتبر أنها تساهم بقوة في مشروع تجديدي.

هناك تشويش على مصطلح التجديد سواء من طرف الإعلام الوطني الذي تحكمه بالدرجة الأولى الهواجس السياسوية، أو من طرف الإعلام الدولي الذي تحكمه بالدرجة الأولى الهواجس الاقتصادية.

فالقوى الاقتصادية مثل أمريكا ترى أن الإسلام في مشروعه التجديدي قد يشكل خطرا حقيقيا على اقتصادها المبني على الهيمنة التامة. يقول بعض الأمريكيين من ذوي المروءات أمثال تشومسكي وإسبوزيطو أن أمريكا لديها إرادة حقيقية للهيمنة الاقتصادية على العالم، وهي تستغل نظرية هنتنغتون حول صدام الحضارات للتخويف من خطر وهمي للإسلام وتسعى لتبين أن الإسلاميين هم مجرد دخلاء على المجتمع الإسلامي، وأن المجتمع الإسلامي كان مجتمعا مسالما ولطيفا -لأنه كان يترك القوى العظمى تفعل ما تريد في العالم-، والحقيقة أن ظهور الصحوة الإسلامية أفسد برامجها في السيطرة والهيمنة على العالم.

القوى الاستكبارية ترفض أن ترى أن في العالم الإسلامي دينامية حقيقية. فليس كل الإسلاميين أسامة بن لادن وليس كل الإسلاميين يفجرون أنفسهم في الدار البيضاء…

التجديد من صميم العقيدة الإسلامية، فقد أخبرنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه يبعث لهذه الأمة على رأس كال مائة سنة من يجدد لها دينها، سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو حركات فكرية أو حركات سياسية.

فما معنى التجديد ؟

التجديد هو الرجوع إلى الأصل.

وما هو الأصل ؟ الأصل هو الفطرة التي يجب أن تفطر عليها الأمة الإسلامية والتي تتمثل في:

* طلب الارتقاء التربوي على مستوى الفرد أي الإحسان أو بطريقة أوضح طلب وجه الله عز وجل.

* طلب العدل على مستوى المجتمع.

فكلما اضمحل هذان المكونان وابتعد الناس عن هذين البعدين، يبعث الله عز وجل من يذكر بهما بطريقتين:

* إما أن تكون قومة بالقوة والقوة غير بالعنف، وهذا جهاد وليس إرهابا، إذ الجهاد لا يعنى العنف وسفك الدماء.

و في التاريخ مواقف كثيرة من هذا النوع. فمند بدأ حكم الأمويين وبعدما زاغ المسلمون عن نهج الشورى وعن النهج الإسلامي، كانت قومة سيدنا الحسين رضى الله عنه وأرضاه ضد الظلم الداخلي المتمثل في استيلاء الأمويين على الحكم وتغييب رأي الأمة في اختيار من يسوسها قومة سلمية واجهها الأمويون بمجزرة لم يشهد التاريخ الإسلامي مثلها. نذكر أيضا قومة المجاهدعبد الكريم الخطابي الذي قام ضد ظلم خارجي متمثل في سطوة المستعمر على المغرب. والأمثلة غيرها كثير..

* أو أن تكون هناك مناهضة فكرية. وقد عرف العالم الإسلامي منذ المعتزلة إلى علماء عهد النهضة الحديثة حركات فكرية عديدة حاولت باستمرارأن تنعش مفهوم طلب الإحسان على مستوى الفرد وطلب العدل على مستوى المجتمع كي يكونا مدخلا لخروج العالم الإسلامي من أزماته السياسية والاجتماعية. وإلى يومنا هذا لازالت جهود مباركة لعلماء أجلاء من أمثال الدكتورالقرضاوي والشيخ الكبيسي والشيخ علي بن زيد الوزير وسروش في إيران… تنشد إحياء معاني الإحسان والعدل في الأمة شاهدة على صدق بشارة الصادق المصدوق بتجديد الدين.

فما علاقة كل هذا بقضية المرأة في تصور جماعة العدل والإحسان ؟

العلاقة وطيدة، فنحن نريد أن نحيي معاني العدل والإحسان في ظل الظروف التي يعيشها العالم والمغرب ورغم كل التشويشات على مشروعنا الذي لا يمكن أن يفهم دون فهم هذه التشويشات وفهم مصطلح التجديد.

* تجديد ماذا ؟ أي ماذا نريد أن نجدد ؟

تجديد الدين لقوله صلى الله عليه وسلم: “من يجدد لهذه الأمة دينها”.

تكونت النخب على أن الدين إيديولوجية. وهناك من يرى أن الدين أفيون الشعوب وعدو المجتمعات الديموقراطية… إذن لكي نفهم ذاتنا يجب أن نرجع إلى مصطلحاتنا انطلاقا من ثقافتنا وبالأخص من هويتنا الإسلامية، ومن يعرفنا بديننا خير من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

نذكر جميعا حديث عمر رضي الله عنه المشهور بحديث الدين الذي يتكلم عن الارتقاء من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان كما عرفه صلى الله عليه وسلم:” الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه..”، أي أن تستحضر في خواطرك الخاصة وجود رقيب، ووجود الآخرة فتتساءل من أنا وما مصيري وإلى أين أسير؟

لكن البعد الإحساني في الإسلام دائم الارتباط بالبعد العدلي. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم”الدين الخلق” ويقول أيضا “الدين المعاملة”. ولم يحصر صلى الله عليه وسلم الأمر في المعاملات بين المسلمين فقط بل حتى مع غيرهم في إطار المواثيق والتحالفات. الإسلام إحسان وعدل. ومن المثير في القرآن الكريم أن توجد آيتان فقط حيث يستعمل الله عز وجل لفظ ” يأمر”:

في قوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. يعظكم لعلكم تذكرون”. )الآية 90 من سورة النحل)، حيث يأمر الله عز وجل بالعدل والإحسان ويؤكد تعالى على الأقارب والأسرة لأنها لبنة المجتمع السليم.

ثم يقول أيضا: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. إن الله نعما يعظكم به.إن الله كان سميعا بصيرا.”(الآية 58 من سورة النساء). وهنا أمر الله عز وجل برد الأمانات لأهلها كيفما كانوا مسلمين أو غير مسلمين من ذوي المروءات. فأنا لا أتصور المستقبل بدون التحالف مع ذوي المروءات، من خلال معاملات مبنية على مفاهيم العدل. ونحن كمسلمين نضيف إليها مفهوم الإحسان باعتبار أننا نحمل رسالة إلى العالم. هذا هو البعد الذي يحمله المشروع المجتمعي للعدل والإحسان.

والعجيب أن الآية الكريمة ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها… ” جاءت في سورة النساء. فكيف استفادت المرأة من العدل والإحسان في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار أن العدل والإحسان هما ركيزتا الدين كما نتصوره في جماعتنا؟

* الإحسان:

الإحسان تحول من نقطة إلى أخرى بل هو ارتقاء من نقطة دنيا إلى نقطة عليا، إنه ليس مجرد حلم بل هو دينامية، وهو مجهود وجهاد في كل لحظة وحين، للخروج من دائرة النفس إلى دائرة طاعة الله سبحانه وتعالى. عندما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن للنساء أدنى أهمية حيث كان المجتمع يئدهن، وكما قال سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ” لم نكن نعد النساء شيئا”. فكلما ابتعد المجتمع عن مفهوم العدل والإحسان أصبحت للمرأة قيمة دونية والعكس صحيح. الإحسان هو العلاج الوحيد لكل أدواء المجتمعات. والدليل أنه حتى في المجتمعات المتقدمة نجد أن المرأة تهمش وتهان ولا نرى أنها تحررت بأي شكل من الأشكال.

كي ندرك ماذا ربحت المرأة مع التربية المحمدية وتشبع المسلمين بمعاني الإحسان نتأمل جميعا نموذج سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. سيدنا عمر الذي وأد ابنتا له في الجاهلية وكان لا يعتبر النساء شيئا، هو نفسه الذي جعل امرأة محتسبة على مدينة بأسرها برهانا على ثقته في النساء.هو نفسه الذي سمع نصيحة خولة المجادلة دون أن يقاطعها، هو الذي راجعته امرأة في اجتهاده وفتواه بتقنين الصداق فأذعن لحجتها، هو الذي قصده أحد المسلمين ليشكو له زوجته،فوجد زوجة عمر تصيح في وجهه وهو لا يرد عليها رضي الله عنه وأرضاه . ما كان سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه ليتغير لولا التربية المحمدية الرحيمة التي ربت المسلمين على مراقبة الله سبحانه وتعالى والإذعان لأمره.

لهذا عندما رفع الحصار وسئل مرشد جاعتنا: ما هي مشاريعكم المقبلة ؟ قال: التربية ثم التربية ثم التربية. إننا نؤمن بأن التربية هي الأساس والقوانين تأتي فقط لتتوج واقعا تربويا وليس لنفرض على واقع مشتت.

ومن المفيد جدا أن نتحدث عن أسباب نزول سورة النساء.

كما نعلم، لم تكن للمرأة قيمة عند العرب، وعندما جاء الإسلام بدأت حقوقها تتنزل في سورة النساء، وكانت هذه الحقوق لا تستوعب من طرف المسلمين آنذاك. وكان الصحابة يناقشون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم رحمة بهم يحترم تلك المقاومات. فمثلا عندما طلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم الجلوس في الطرقات حيث كانوا يتبادلون الشعر ويشربون الخمر، قالوا أنهم لا يستطيعون ذلك. فطلب منهم أن يغضوا البصر وأن يعطوا الطريق حقه.

و حكام الإرث التي نراها اليوم كشيء عادي، لم تكن بالأمر الهين عند المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فكيف للمرأة أن ترث وهي التي كانت تورث مثلها مثل المتاع؟. ناقش المسلمون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حول حكم الله تعالى في نكاح اليتيمات وإرث النساء، فحاول بقلبه الرحيم وحرصا عليهم حتى لا يخرجوا عن طاعة الله عز وجل، أن يجد طرقا لحل هذا الإشكال، فأنزل الله عز وجل أية صريحة في سورة النساء: ” ويستفتونك في النساء. قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا توتوهن ما كتب الله لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط. وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما. ” (الآية 126 من سورة النساء).

فلم يبق حينئذ مجال للنقاش ولا للخيار. تلك الحقوق إذن منزلة من السماء.

في سورة النساء نجد آية أخرى حيث يقول الله عز وجل: ” فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما. (الآية 64 من سورة النساء).

يؤكد سبحانه ألا إيمان لأحد حتى يسلم بما أنزل الله تعالى ويمتثل لأمره مهما شق ذلك على نفسه. ولعل التسليم بما شرعه الله تعالى في حق النساء في كتابه الحكيم وسنة رسوله الكريم كان أكبر محك لاختبار إيمان بل إحسان صحابة رسول الله وسيبقى كذلك بالنسبة سائر المسلمين إلى يوم الدين.

* العدل:

العدل هو رفع الظلم والحيف عن المستضعفين بشكل عام، والمرأة هي مستضعفة المجتمعات المنحرفة، ويشهد التاريخ على أن المرأة هي من يدفع ثمن انحراف المجتمعات. فكيف عاشت المرأة في ظل عدل الإسلام؟ لقد أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة للمسجد لتصلي أولا- وهذا كرم كبير في العصر الذي كانت الكنيسة تتساءل هل للمرأة روح. والمسجد يومئذ كان بمثابة البرلمان والجامعة… بمعنى أن المرأة دخلت للقلب النابض للمجتمع الإسلامي…فتربت على عين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت عابدة عالمة مجاهدة فعالة ومشاركة في مجتمعها.

لكن سرعان ما تغير هذا الحال بتحول الحكم، وكانت البداية منذ أن قال معاوية «أنا أخر خليفة وأول ملك” واستمرإلى عصرنا هذا. سرعان ما تدهورت وضعية المرأة من الصحابية التي تراجع أمير المؤمنين وتشارك ولديها مسؤولية داخل المجتمع الإسلامي، إلى أمة جميلة تزين قصور الأمراء و”الخلفاء”، ثم إلى “ولية” لا شخصية لها مثل المتاع، ثم إلى ما يشبه الدابة “حشاك ” في البوادي وإلى “تحفة” عند الطبقة البرجوازية. واليوم نجد أن المرأة المغربية المسلمة ممزقة الشخصية لا تعرف من هي ولا مالها وما عليها (إلا من رحم الله). هي اليوم ضحية النخبوية التي تؤدي ثمنها النساء بالدرجة الأولى: أكبر نسبة للأمية توجد في صفوف النساء وأكبر نسبة من العاطلات نساء… إلخ. وهذا لابتعادنا عن الإحسان والعدل.

إذن فتصور جماعة العدل والإحسان للمدونة هو لصيق بهذه المفاهيم ولابد أن يؤسس عليها حتى نتمكن من فهم موقفنا وتحفظنا من المدونة. فالمدونة ليست إلا ظاهرة جانبية وسط هذا التاريخ المليء بالمظلومية ليس للمرأة فقط، بل للمرأة والرجل إلا أن المرأة، في المجتمعات المنحرفة هي التي تؤدي الثمن الباهظ.

والسلام.