تعتبر قضية المرأة من أكبر التحديات التي عجزت جميع القوى السياسية في المجتمعات الإسلامية عن التصدي لها بعمق وموضوعية. ذلك أن مقاربات هذه القضية على اختلاف توجهاتها تبقى جد سطحية ولا تلامس عمق المسألة بل تتخندق في إطار ردود الأفعال. إلى عهد قريب، انصرف جل الإسلاميين إلى رفض فكرة ما يصطلح عليه بقضية المرأة واعتبروها من القضايا التي يراد بها الطعن في الإسلام، فانبروا في حماس “متسرع” إلى الرد على ما اعتقدوه شبهات حول الإسلام وهم في حقيقة الأمر يدافعون عن مزيج من أعراف وتقاليد وفقه انحبس في دهاليز تاريخ المسلمين السياسي. بينما اختار آخرون المقاربة السياسوية لهذا الموضوع والتوظيف المصلحي، فضاعت المرأة بين التوجهين.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين :”فلما بلغ الإفساد التغريبي أشده وبرزت الدعوة الإسلامية مالت على التبرج وميوعة المرأة وتمييعها تشديدا معاكسا، مستندة في ذلك على أضيق التأويلات الفقهية وأعسر المذاهب في حق المرأة، حتى لم يبق للمؤمنات متنفس بين ميوعة أولئك وتشديد هؤلاء”.

تحتل المسألة النسائية الصدارة في مشروع جماعة العدل والإحسان، ويبسط كتاب”تنوير المؤمنات” قراءتها لقضية المرأة ونظرتها لها. قراءة تتميز بتجاوزها للموقف التقليدي للمسلمين، المتأرجح بين سياسة النعامة في النظر لقضية المرأة والمقاربة التبريرية الاعتذارية. لقد اعتمدت الجماعة أسسا جديدة في التعاطي مع هذا الموضوع نجملها في ما يلي:

* محاربة التسطيح في معالجة قضية المرأة بنقلها من نزاع حقوقي صرف بين الرجل والمرأة إلى هم المصير الأخروي للطرفين وعلاقتهما بالله سبحانه وتعالى.

* محاربة التجزيء بوضع القضية في إطار شمولي بربطها بالتردي العام لأحوال الأمة واعتبار علاجها جزءا من مطلب التغيير الشامل.

* محاربة التقليد في تناول هذه القضية بالدعوة لتجاوز القراءات الفقهية المذهبية الضيقة والمناداة بضرورة اجتهاد حقيقي ينهل من النبع الصافي: الكتاب والسنة.

بل إن الله سبحانه وتعالى وفق الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا الكتاب لقول كلمة حق وتقديم نصيحة صادقة للأمة الإسلامية جمعاء وللحركة الإسلامية خاصة، إذ كان سباقا لإدانة الظلم الذي يطال النساء من جراء القوانين المنظمة للأحوال الشخصية والتي تستند في معظمها لاجتهادات فقهية هي أقرب إلى الأعراف منها لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما حذر علماء الأمة ودعاتها من أن يكونوا، بـ”اجتهاداتهم” المقلدة وأحيانا الحرفية المتشددة، أول من يساهم عن غير قصد في الحفاظ على الحجب السميكة بين المسلمات وسماحة شريعة الله سبحانه وتعالى.حجب جعلت عددا من النساء المسلمات يجدن ملجأ وبريق أمل في شعارات حقوق الإنسان والديموقراطية والمساواة. فسقطن بذلك لقمة سائغة في فم المخططات التغريبية التي تريد أن تنال من الإسلام والمسلمين. فكانت الحصيلة نساء وضعن أنفسهن في خانة واحدة مع من يعادي الإسلام ودعاة وضعوا أنفسهم في غفلة من الأمر في خانة واحدة مع من يظلمون المرأة.

وقفة جمعيتنا مع قضية المرأة إذن أصيلة ولم ترتبط يوما ما بأي ضغط أو أي اعتبار خارجي، ودراستنا لها متأنية وعميقة تراعي تعقد المشكل وعقبة الذهنيات وتراكم وتداخل المشاكل التي لا يمكن أن تغير بجرة قلم أو بأي قرار مهما كان مصدره.ومن هنا تـأتي خصوصية تعاطينا مع ملف مدونة الأحوال الشخصية سابقا وقانون الأسرة حاليا.

هكذا لم نعتبر قط أن مدونة الأحوال الشخصية السابقة مقدسة أو أنها آخر معقل للشريعة الإسلامية كما اعتقد البعض، لأن كل عمل بشري يحتاج المراجعة المستمرة والتصويب لتجاوز مكامن الضعف والقصور التي يكشف عنها تطبيقه، ولأن القراءة المتأنية المتبصرة تكشف البون الشاسع بين المدونة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجال العلاقات الأسرية.

كيف ندافع عن هذه المدونة لما نجدها تنص على الحق المطلق للأب في تزويج ابنته الصغيرة، بل والرشيدة أيضا إذا خاف عليها العنت، ونكتشف في السنة المجيدة أن الرسول عليه أزكى الصلوات والتسليم خير بكرا زوجها أبوها وهي كارهة ورد نكاح ثيب زوجها أبوها رغما عنها ؟ أو لما نجد في المدونة أن الخلع يحتاج للتراضي بين الزوجين وأن على المرأة إرضاء الزوج بتعويض مادي يحدده هو في أغلب الأحيان، وقد يشمل التخلي عن حق الأبناء في النفقة، في حين نجد في السنة أن امرأة ثابت بن قيس شكت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شدة بغضها لزوجها، فقال لها:” أتردين عليه حديقته ؟” – وكانت هي مهرها- فقالت:نعم.فأمر الرسول ثابتا أن يأخذ حديقته ولا يزداد . ؟ أو لما نجد التعدد يقدم كحق مطلق للرجل ليس للمرأة سوى التسليم به، بينما تعتبره الشريعة حلا استثنائيا لحالات استثنائية، وتعطي للمرأة حق رفض التزوج عليها، بل واشتراط الطلاق في حالة تصميم الزوج على تنفيذ عزمه؟والقائمة طويلة !

لو نحن فعلنا لكانت خيانة في حق المرأة المغربية التي تعاني أصنافا من الظلم يصفها الأستاذ عبد السلام ياسين بقوله: ” نعم المرأة المسلمة كانت مظلومة ولا تزال، هي زميلة الرجل المسلم فيما تعانيه أمس وهي سجينة أمية، واليوم وهي بين نار الدعوة التغريبية ورمضاء المخلفات الانحطاطية. ما من شكوى يبثها حال المرأة المسلمة ويلغط بها دعاة “تحريرها” أمس واليوم إلا ولها نصيب كبير من الصحة: استعباد المدنية، والمعاملة المهينة للبدوية، والأمية الأبجدية، والجهل، والأجور البئيسة، واستغلال الصبيات في معامل تأكل من عرقهن البطون الحرامية، والتعدد الاعتسافي، والطلاق الجائر، وإكراه الفتيات على الزواج، والتحايل على نصيب المسلمات من الإرث، والقائمة طويلة.

لكن ما بالنا نطوي هذه المآسي في كم النسيان ونسكت عنها ليشتد عويلنا فقط على مآسيها الطارئة: التبرج، والخلاعة، والدعارة، والجرأة على الدين، وزندقة الزنديقات، والتمثل بالأوربيات؟

ما طرأت هذه المآسي إلا لأن تلك القديمة المقيمة لم تجد حلا من صميم الفقه الإسلامي وعمل الحاكم الإسلامي”.

إن تصورنا لقضية المرأة ينطلق من أعالي التاريخ لا من أسافله، ويدعو إلى تتبع الأدواء واستئصالها من جذورها. وهذا عمل أجيال لأن ما انكسر في قرون لا يجبر في سنين.

هذه تربية، والتربية تتطلب صبرا وروية وتؤدة وطول نفس. طول نفس إن آنسناه من أنفسنا فلا ينبغي أن يحجبنا عن المعاناة اليومية لآلاف النساء. لأن آذان وقلوب هؤلاء لا يسلك إليها إلا خبر واحد: حل استعجالي لوقف نزيف الطلاق التعسفي وتشرد الأبناء بضياع النفقة والطرد من السكن.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “هل المشردة التي لا مأوى لها ولا أمان على غدها تجد متسعا لتتأمل في آيات الله فيكمل إيمانها؟ هل المشردة التي لا مأوى لها تربي نشأ صالحا أو قططا مشردة مثلها ؟

نطعم المؤمنات مثاليات ووعظيات إن رسمنا أفق المطلوب المقصود في روح القرآن وكلمة الإسلام للمرأة دون أن نرسم خريطة المسافات بين وضعية النساء في مجتمع الفتنة والتخلف والفقر والتظالم والكراهية وبين وضعية يكون فيها عنصر الاستقرار في البيت المسلم  وهي الزوج الأم  متمتعا بوسائل الاستقرار المادي وفي مقدمتها السكنى”.

و يقول أيضا: “أخذ الفقيه حكم الطلاق وما يجب للمطلقة من حقوق أثناء العدة. فسر إضافة البيوت إلى النساء بأنها إسكان لا إضافة تمليك، ثم نفض يده من القضية. وحكم القاضي للمطلقة بسكنى مؤقتة ونفقة يقترها القانون تقتيرا ونفض يده من القضية.

هذا وجه سافر من وجوه الفقه المنحبس الذي لم يعتبر في أخذ الأحكام إلا ما اعتبره الفقهاء الأقدمون وما حكم به القضاة الأولون، في زمن غير هذا الزمان ومكان غير هذا المكان، وأحوال غير ما يتقلب به الليل والنهار من أسواء وأدواء اجتماعية اقتصادية كلها تنزل على الزوجة المطلقة لتلقي بها في أسفل سلم البؤس والتشرد”

إن الحديث عن الحل الآني لهذه الأدواء هو ما جعلنا دائما ننادي بضرورة المراجعة الكلية لمدونة الأحوال الشخصية والإصلاح القانوني والقضائي.

لماذا إذن نتحفظ على جدوى إصدار القانون الجديد للأسرة؟

إننا نعتبر أن حل مشاكل الأسرة لن يتم إلا بوجود إرادة حقيقية للبحث عن حلول عميقة للمشاكل التي يتخبط فيها المغرب. فالمقاربة القانونية لقضية المرأة لا يمكن أن تكون ذات جدوى في غياب إصلاح سياسي واقتصادي، وفي غياب إصلاح الإدارة والجهاز القضائي الفاسدين، وبدون صياغة منسجمة ومتكاملة لمختلف المدونات والقوانين وضبط وتبسيط المساطر القانونية. وكل هذا لا يمكن أن يحقق نتائج إيجابية دون تربية تحيي القلوب وتعلمنا النظر للعلاقات الإنسانية في بعدها الأخروي، وتنشئ المجتمع على احترام المرأة وتقديرها وإكبار دورها فيه، وتعرفها بحقوقها وواجباتها وضرورة التوازن بين الواجبات والحقوق. ذلك أن التربية لا تتحقق بالقانون وإنما يأتي هذا الأخير لدعم المكتسبات الأخلاقية التي تغرسها التربية في النفوس وترعاها.

هل نركن في جماعة العدل والإحسان للسلبية والانتظارية ونكتفي في دعمنا لقضية المرأة بالانتقاد المستمر لأسلوب التعاطي مع هذا الملف وعدم الرضى بأي تعديل؟

من خلال جميع مؤسساتنا (الداخلية والجمعوية) وبرامجنا، نتصدى لعمل دؤوب وطويل النفس يسعى لإعادة الاعتبار للمرأة بالتربية على القيم الحقيقية للإسلام، تلك القيم التي لا تقبل بأي نوع من أنواع الاستبداد سواء كان سلطة مطلقة أو استبدادا ذكوريا. نتعلم كيف تدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه رضي الله عنهم برفق وحكمة حتى خفف من النزعة الذكورية التي كانت تطبع المجتمع العربي، وأخذ بيدهم للانتقال من دائرة النفس إلى دائرة العبودية لله سبحانه وتعالى. ونتعلم كيف استطاع ذلك الرعيل الأول أن ينتصر بطاعته لله تعالى على الأنانيات والذهنيات المتجذرة، ثم كيف تولدت عن تلك الرعاية النبوية الرحيمة التي قوبلت بطاعة الصحابة الكرام حيوية مجتمعية حررت المرأة في وقت قياسي وأهلتها للترقي من “لا شيء” إلى مواطنة ذات مساهمة كاملة وفعالة في مجتمعها.

من خلال برامجنا المتنوعة، نحاول أن نأخذ بيد المرأة التي تربت منذ قرون على أنها مجرد “ولية”: كائن من الدرجة الثانية، كي يصحو وعيها بدورها الحقيقي كامرأة. نسمعها بشارة الوحي فتكتشف أن الله سبحانه وتعالى ساوى بينها وبين الرجل في التكاليف والمسؤولية والجزاء والمصير، وأن التمييز بينها وبين الرجل في بعض التكاليف والأحكام لا ينم عن اختلاف في الطبيعة الإنسانية أو في الكرامة بين الجنسين، وإنما هو مرتبط بخصوصية وظيفتها الأسرية والاجتماعية. ونساعدها بالموازاة مع ذلك على التخلص من قيود الجهل والعطالة عبر ورشات محو الأمية والتأهيل المهني. ثم من خلال ورشات للدراسة والتنظير نحاول المساهمة في المجهودات المباركة التي بدأت ترى النور في بعض بلدان العالم الإسلامي والتي تسعى لقراءة جديدة لنصوص الشريعة بروح السنة النبوية الطاهرة وتحرص على مساهمة العين النسائية في هذا المجهود، حافزنا إيماننا الراسخ بأهمية دور المرأة في حفظ معاني التدرج والصبر واللين والرفق التي تسمعها من الوحي، وفي تلطيف أسلوب الرجال في فقه الدعوة والتغيير، واقتناعنا بأن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:” فللمؤمنة في فقه التغيير وتفقيه الرجال بأسلوبه المرتبة الأولى. وكم أمامها من معانات لتقنع الشباب المتحمس أن إكراه المتبرجات على ستر شعرهن إنما يبلد الشعور وينفر القلوب”.

إننا ندرك حق الإدراك أن ورشات التربية والتنظير تحتاج كثيرا من الصبر والوقت والتدرج كي تعطي ثمارها، وأن المرأة تعانى من مشاكل استعجالية لا يمكن حلها إلا بقوانين تخفف من حدة هشاشة وضعيتها وتوقف النزيف المجتمعي المرتبط بالمشاكل الأسرية ولهذا نعتبر أن كل تقدم في هذا المجال لا يمكن أن يكون إلا لصالح المرأة لولا المعيقات التي سبق ذكرها والتي لن تتجاوز إلا بشرط تحقيق توافق تشارك فيه كل الطاقات الحية والإرادات الشريفة في المجتمع المدني:الميثاق الإسلامي.

و في هذا الإطار، وانطلاقا من موقعنا الاختياري خارج اللعبة السياسية، نساهم في الحوار مع كافة المهتمين لتقريب وجهات النظر والبحث عن المشترك لتنميته وتنضيج رؤية مستقبلية تكون فيها المرأة في قلب اهتمامات المجتمع دون إقصاء أي طرف ودون تسييس أو أي توظيف لا يراعي مصلحتها.