1- تمهيد: محددات عامة:

إن تناول قضية المرأة وأشباهها من القضايا المجتمعية، يقتضي مراعاة الضوابط الآتية:

أ- الشمولية: ذلك أن الوضعية العامة التي تحياها المرأة هي جزء من الوضع العام الذي يعيشه الرجل، وإن معالجة هذه الوضعية يجب أن تتم في إطار شمولية تربط أزمتها بأزمة المجتمع، حيث لا يتصور تغيير ما بغير إصلاح متكامل، جذري، وشمولي لبنية المجتمع أفرادا وجماعات، يتجاوز الذرية والتجزيئية.

ب- الإجرائية: من خلال مقاربة تعتمد تصورا لا يعيد إنتاج الأزمة،وخطابا يقدم البدائل العملية الإجرائية.

ج- الهوية الحضارية للأمة: وعليها يجب أن تستند المقاربة الشمولية والإجرائية، بالنظر إلى أية قضية من خلال اجتهاد يضع عينه على آيات كتاب الله المسطورة، وأخرى على آيات الكون المنظورة، متجها نحو المقاصد الكبرى والكليات الضرورية.

2- في أهمية الموضوع:

تأتي أهمية الموضوع بالنظر إلى اعتبارين اثنين:

– الإطار العام الذي يتحرك فيه، وهو قضية المرأة بما تمثله من مكانة سامقة في المجتمع على صلاحها يتوقف صلاحه، وبما أسالته قضيتها من مداد وآراء متضاربة، متداخلة، متصارعة، تقتضي تمحيصها لإلقاء غثها، واستثمار سمينها على نحو تتجدد به النظرة ويتجاوز به الاضطراب وتكتشف به معالم الصواب والحق.

– الإطار الخاص الذي يناقشه وهو المتعلق بالأدوار الوظيفية للمرأة المسلمة وكيفيات الملاءمة والمواءمة بين الوظيفة الدعوية وما تتطلبه من بذل وصدق وهمة وهجرة، وقيام وشهود بالقسط، وبين وظيفة البيت وما تقتضيه من حافظية وصلاح ورعاية ومسؤولية.

* كيف توازن المرأة المسلمة بين واجبات دعوة: مدعوة هي إلى حمل رسالتها، عدلها، كرامتها إلى الناس، وبين متطلبات بيت: مسؤولة هي عن أهله: تربية ورعاية، معاشرة وحسن خلق؟

* كيف لها أن تجمع بين صناعة الأجيال، بناء النفوس، وبين جهاد البناء، وبناء الجهاد، تعبئة نحو التغيير؟

3- البناء والتغيير والجهاد المشترك:

ليس بقدرتنا تصور عمل جهادي يبني الغد، ويحمل مشعل الدعوة ويستشرف خلافة موعودة مبشرة بصبح العدل وأمن الإحسان، دون مشاركة المرأة مشاركة فعالة وفاعلة، وذلك للأسباب التالية:

أ- أسباب شرعية: تبرز كون المرأة مخاطبة بالتكليف الشرعي مثلها مثل الرجل.يقول الله تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم” (التوبة/72).

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مستفيدا من الآية.” ما تنسخ مسؤولية المرأة بالمعروف في بيتها مسؤوليتها خارجه إلا كما تنسخ سائر التكاليف الشرعية، وهي لا تفعل، فالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تكليفان على المرأة منهما مثل ما على الرجل عليهما من ذلك مثل ما عليهما من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله…”(تنوير المؤمنات .عبد السلام ياسين ج2/303).

على هذا التكليف الشرعي الذي يدمج بين العمل السياسي و العمل البيتي، يترتب الجزاء، يقول تعالى:” من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون”النحل 97. ويقول جل شأنه:” ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مومن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا” (النساء 123).

حياة طيبة وجزاء حسن، ونعيم جنة مقيم، وعود إلهية، تفصل رباني على العباد المؤمنين دون تمييز بين ذكرانهم وإناثهم.

وفي الحديث: “إنما النساء شقائق الرجال” (رواه أحمد عن عائشة رضي الله عنها) بلاغة نبوية واضحة الدلالة في المساواة بين الرجل والمرأة اعترافا بإنسانيتها وكينونتها، وتقديرا لمسؤوليتها ودعوة ملحة إلى مراعاة حقها…

في هذه الأدلة الشرعية، تنصيص جلي على أن قيام الدين، وانتصار الدين، وتحقق الولاية العامة أمور رهينة بمشاركة المرأة جنبا إلى جنب الرجل في تحمل مسؤوليتها ومقاسمة أعبائها وأثقالها.

ب- أسباب تاريخية: تكشف عن الفعل المهم الذي قامت به المرأة في بناء جماعة المسلمين الأولى وتكوين مجتمع العمران الأخوي في ظل النبوة والخلافة الراشدة،نتذكر المساندة المعنوية والمادية لأمنا “خديجة” رضي الله عنها وقد نزل الوحي على المصطفى صلى الله عليه وسلم غضا طريا، نتذكر “أسماء بنت أبي بكر” وقيامها بواجبها في حماية الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه أثناء الهجرة، نذكر “عائشة” و”أم سليم” رضي الله عنهما ونجدتهما للجرحى بالماء تنقلانه على متونهما، نذكر “أم سلمة” ومشورتها يوم صلح الحديبية، و”حفصة” واهتمامها بأمر الأمة ومصيرها، وغير هؤلاء كثير ممن كان لهم قدم سبق تعلما وتعليما وجهادا ومجاهدة، وهجرة ومصابرة ، وهي أمور تدل على قيامهن بواجبهن وأدائهن لمسؤوليتهن، ما منعهن ذلك ممن حسن تبعلهن في بيوتهن.

ج- أسباب واقعية: يفرضها أن إعادة بناء الأمة، وإحياء الأمة، بتجديد دينها ونفض الغبار عن إيمانها، وسط مجتمع الفتنة، مجتمع الوهن، مهمة لا ينهض بها ولها إلا الهم الجماعي والهمة المجتمعة، فبعد الاعتماد على الله والتوكل عليه استعاذة واستعانة، لا مفر من استنفار الطاقات واستنهاض الشعب، والاعتماد على الرجال فقط إهدار لطاقات عظيمة ولقوات جسيمة، هي طاقات النساء، أولسن شطر المجتمع ونصفه؟ وأنى للطائر يصعد في الجو بجناح واحد أو بجناحين أحدهما مهيض مهين مريض؟!.

إن الوحي القرآني والسنة النبوية والتاريخ البعيد، والواقع الحاضر، كلها تجمع على ضرورة مشاركة المرأة في جهاد البناء والتغيير، سعيا دؤوبا، مشاورة ناصحة، بذلا وتطوعا، وبصفة مجملة تعبئة صانعة، بيد أن دون تحقيق هذا الأمل والتشوق إلى ذلك النموذج، والتطلع إلى تنزيل المشاركة إلى واقع عملي فعال يشهد خيره وتعاش بحبوحته، علل تاريخية خلفت ذهنيات عقلية و أنتجت عقبات نفسية.

4- عقبات وعقليات:

صدمتان تاريخيتان بارزتان تقفان في وجه الاقتحام والإقدام، ترسمان آفاقا ضيقة في تاريخ المسلمين، تحول دون اقتفاء آثار تلك الهمم الشامخة التي صنعتها التربية النبوية بإذن الله ورحمة الله، الصدمتان هما:

– الانكسار التاريخي: وما نجم عنه من تحويل سكة الخلافة الراشدة إلى ملك عاض انحط نتيجة عنه المسلمون وانحطت معهم المرأة بانحطاطهم لما أضحت متاعا وجارية وسلعة ومحضية، أصبحت بموجبها “كما مهملا” “مكمما” “مجهلا” “معزولا” وراء الجدران (تنوير المؤمنات ج 2/229).

– الاستعمار: وما جلبه معه من أفكار خرب بها الذمم، ومغريات تبشر بحداثة عقلانية تقودها القديسة اللائكية، وديمقراطية متحررة، وصناعة تجميل، وأزياء، وسينما وإعلانات. عملت على تعرية المرأة من ذاكرتها وهويتها ووعيها وإنسانيتها، لتغدو كائنا ممسوخا أو منسوخا ضال الوجهة فاقد الغاية، مبتور المعنى والمبنى.

عن هاتين الصدمتين/ النكستين نشأت عقليتان:

أ- عقلية فقهية منحبسة: في ذرائعية جامدة أقفلت باب الاجتهاد وصادرت العقل، وضيقت الفتوى وغيبت المقاصد، فأدت إلى تقليد أنتج لنا نموذج “المرأة الحرمة الكائن الساكن الساكت تمر من الحياة كأن لم تمر منها” (المنهاج النبوي عبد السلام ياسين 404).

ب- عقلية حداثية: متحررة مناضلة داعية إلى فك الارتباط بالدين مولية وجهتها إلى الغرب/ الحضارة، الغرب/ التقدم، فأدت إلى مروق عن الإسلام وتعاليمه، مما أنتج لنا نموذج المرأة المتقدمة الثورية الجديدة.

وعن هاتين العقليتين، نشأت عقبتان:

– عقبة نفسية لدى الرجل: خلقت أنانية بها احتقر المرأة، واستعلى عليها، سيطر عليها، وحصر وظيفتها في قضاء شهوته وخدمة بيته، ورعاية أبنائه وبنياته.

– عقبة نفسية لدى المرأة: تشتت بها وجدانها، توزع عقلها، وتمزق كيانها بين نموذج تقليدي جامد حشرها بين قضبان آفاق ضيقة رسمها تاريخ الإسلام بانكساراته وصدماته، وبين نموذج (حضاري! راق!) حاضر أمامها يطل عليها كل آن، وحين في الشارع، في المدرسة، من أعلى سطوح البيوت، وعلى شبكات الطرق السيارة الجديدة (الانترنيت).

لقد فعلت التقاليد البالية- إذن- والجهل بمعنى الدين فعلتها في وعي الرجل و المرأة و المجتمع عموما، وإن المركوز في الطبع أن النفس تميل إلى ما اعتادت عليه ونشأت فيه وتبلد حسها عليه، فيغدو هو الأساس و المرجع و القدوة و المثال، به تحكم ومنه تستقي أراءها وتقدم عللها، أضحت المرأة قعيدة البيت،لا يتحقق دورها إلا في مواجهة طوابق الأطباق و الأواني، وأكوام الأردية، كيف لها، إذن، إلى جانب أزمتها النفسية التي أدت إليها حداثة اللائكية، أن تقتحم هذه العقبات؟ ماذا ينتظر منها؟ محاصرة هي بتلك العوائق، وتلك المشاكل، بتلك الخلفية التاريخية، و الأرضية المجتمعية، و الذهنيات النفسية، ما المطلوب منها؟ هل من حل ينقلهن من وضعية التجهيل و التحقير والتفقير إلى وضعية التبجيل و التعليم و التنمية؟ كيف لهن أن يشاركن في بناء الغد متزعمات مع الرجل لا قابعات في خصوصيات الذاتية؟.

5- صناعة وتعبئة:

منزلقان خطيران يجب الحذر منها، ونحن نتحدث عن وظيفة امرأة مسلمة:

– الانكماش داخل البيت، فيكون (أي البيت) نقطة البداية ومحطة النهاية.

– الاستقلال من وظيفة البيت و الفرار من أعبائها ومسؤولياتها.

ومراعاة التوازن شرط تجاوز الإخلال الناجم عن هذين المزلقيين.

يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا المقام عن وظيفة مهمة تقوم بها المرأة وهي: “صناعة المستقبل”و”تعبئة الأمة”، إنها وظيفة جهادية شاملة ومتنوعة وعلى كافة الأصعدة، وذلك من خلال “برج استراتيجي”، تجمع فيه المرأة بين: (يراجع هنا تنوير المؤمنات 2/239. والمنهاج النبوي 137.45) .

” التربية التي تدافع بها عن بيتها، من خلال تأهيل الأبناء للاندماج في المجتمع وتحويل السكن إلى أمن وأمان، ورحمة ومودة، بالسياسة و الكياسة و التهادي ليكون الملاذ والمرفأ و المطعم والمضجع المحتضن لجيل مؤمن غير غثائي.

” وبين البعوث الغازية المتسربة إلى المدرسة و الجيران والشارع وبنات الجنس، تأليفا للقلوب وتعريفا بالدعوة، ونشرا لمعاني الإيمان و الإحسان والتراحم و التعاون.

إن الجبهة الأساسية لدى المرأة إذا هي: التربية باعتبارها أساس المستقبل، وهي مهمة شاقة، ثم بعد ذلك تعبئة الأمة لإنجاح المشروع الإسلامي.

بيد أن المهمتين يجب أن يتم الربط بينهما ربطا عضويا تتصل فيه الأولى بالثانية بما يضمن مشاركة المرأة في مجالس الخير و الإيمان، ومهام التربية و التنظيم، وفعالية الانفتاح و التواصل.

بيد أن تحقيق هذا الأمر، يراعى فيه بالنسبة لوظيفة الدعوة:

– ترتيب المعارك وتحديد الأولويات.

– الانضباط بضوابط الشرع الحكيم وآدابه.

– توفر الكفاءة والقدرة و الطموح و الصبر.

– انتفاء ما يخدش العرض، وثقل الكاهل، وتخرج عن”طبيعة الأمومة و الحنان و الإحسان”

ويراعى فيه بالنسبة لوظيفة البيت:

– تخفيف الوطء على بيت المؤمنة من طرف الواردين على الدعوة.

– تفرغ المرأة ساعات من نهار أو ليل لخدمة ذويها.

مساعدة الرجل ومعاونته للزوجة في أعباء البيت (تنوير المؤمنات 305-306 وبصفة عامة يراجع الفصلين التاسع و العاشر ص 218 وما بعدها 286 وما بعدها).

وهذه عوامل نرى أنها هي الأخرى مشروطة بـ:

– وعي المرأة: بحقيقة وظيفتها وخطورة دورها في المجتمع وأهمية عملها داخل البيت باعتبار “تربية الأجيال ترسيخا للمعروف وإبادة للمنكر” فهي تمارس السياسة حتى داخل منزلها، وهذا يقتضي همة تنتشل المرأة من الالتصاق بالأرض والتثاقل إليها وجهدا في التعليم والبحث يخرج لها من انتظارية مقيتة تطلب تحقيق الكل من الزوج لتتلقف هي النتائج هنية مرتاحة.

– وعي الرجل بضرورة التخلص من أنانيته وغطرسته وليه لمعالم المشرع بما يوافق رغبته في التملك والسيطرة بدعوى الرجولة والاستئساد على الحمل الوديع الضعيف المغلوب، فيستن بالمصطفى الكريم في بيته وحسن معاشرته لأزواجه وقيامه بمهامه وشؤونه الحياتية العادية.

وعي هو الآخر من أين يكتسب؟ إن لم تكن هناك تربية تزرع الإيمان في القلوب فيثمر حبا لله ولرسوله وللمؤمنين والمؤمنات، ينزع البغضاء والشحناء؟ إن لم تكن تربية تبني العلم في الأذهان يعطي وعيا بما هو المشرع وما هو الواقع وما هي الحكمة؟ إن لم تكن هناك تربية تبعث الإرادة في العزائم فتتحرر من الوهن والكسل والتقاليد؟

وتربية أين تنال إن لم تكن في جماعة وصحبة وذكر وصدق وسير على قدم الصادق المصدوق الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم؟

والحمد لله رب العالمين.