عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه: “سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يعطى، فقال: أين علي؟ فقيل يشتكي عينيه، فأمر فدعي له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: “على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم”. رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير.

1- ألفاظ الحديث :

غدوا : غدا، يغدو وغدوا، والغدوة بالضم: ما بين الغداة وطلوع الشمس.

برأ : من بارئ أي معافى: يقال برأت من المرض، وأبرأني الله من المرض، وغير أهل الحجاز، يقولون: برئت بالكسر برءا بالضم.

على رسلك : على مهلك، بمعنى تمهل.

حمر النعم : ألوان من الإبل المحمودة السارة للعين.

2- ترجمة رواة الحديث :

سهل بن سعد بن مالك :

هو سيدنا سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي، أبو العباس ويقال أبو يحيى : له ولأبيه صحبة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بن كعب، وعاصم ابن عدي، وعمرو بن عبسة، ومروان بن الحكم وهو دونه قال أبو النعيم، وغير واحد، مات سنة 88 هـ وقال الواقدي وغيره، مات سنة 91 وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كان اسمه حزنا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلا، مات بالمدينة رضي الله عنه.

ترجمة الإمام البخاري :

هو أبو عبد الله محمد بن اسماعيل، أخذ يحفظ الحديث وهو دون العاشرة من عمره، فكتب عن أكثر من ألف شيخ، وحفظ مائة ألف حديث صحيح ومئتي ألف غير صحيح، وهو مصنف الكتاب العظيم (الجامع الصحيح) الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، جمعه في ست عشرة سنة.

ولصحيح البخاري شروح كثيرة، أفضلها شرح ابن حجر العسقلاني المسمى “فتح الباري”، وشرح القسطلاني “إرشاد الساري”.

قال عنه الترمذي “لم أر في العلل والرجال أعلم من البخاري” وقال ابن خزيمة “ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من محمد بن إسماعيل البخاري”، وجاء مسلم بن الحجاج فقبله بين عينيه وقال : “دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث من علله”.

وفي سبيل ضبط الحديث وحفظه رحل البخاري إلى الشام ومصر وبغداد والكوفة والبصرة والحجاز. روى عنه كثيرون أشهرهم، الترمذي ومسلم والنسائي وغيرهم. كان مولد البخاري سنة 194هـ ووفاته 256هـ في قرية من قرى سمرقند”.

3- شرح الحديث :

1- معنى الحديث :

“لأعطين الراية رجلا غدا يفتح الله على يديه” وفي رواية : “ليأخذن الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله، يفتح عليه” (فتح الباري 8/254). وعن أبي هريرة أن عمر قال : “ما أحببت الإمارة إلا يومئذ” وفي رواية أخرى عند البخاري : “فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها”. والمقصود بيدوكون : باتوا في اختلاط واختلاف والدوكة الاختلاط.

“فأمر فدعي له فبصق في عينيه” فبرأ مكانه : روي أن عليا كان رمد أي به رمد، فلما بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه برأ، وعند الطبراني من حديث علي : “فما رمدت ولا صدعت مذ دفع إلي صلى الله عليه وسلم الراية يوم خيبر” (فتح الباري 8/255).

” حتى يكون مثلنا “: أي حتى يسلموا.

وذكر ابن إسحاق من حديث أبي رافع : “خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله عليه وسلم برايته فضربه رجل من يهود، فطرح ترسه، فتناول علي بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه حتى فتح الله عليه. فلقد رأيتني أنا في سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه (فتح الباري 8/255). وهذا من سر اختيار رسول الله لعلي بن أبي طالب ودعائه له.

وقد قاتل صلى الله عليه وسلم أهل خيبر فغلب على النخل وألجأهم إلى القصر فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصفراء والبيضاء والحلقة  السلاح- ولهم ما حملت ركابهم، لكنهم نقضوا العهد فدخل المسلمون الحصون عنوة وسبوا نساءهم وذراريهم، وقسموا أموالهم، وأراد صلى الله عليه وسلم أن يجلبهم فقالوا : دعنا في هذه الأرض نصلها” (أخرجه أبو داود والبيهقي).

وقد أجلاهم عمر في عهده، فدل على أنهم لم يصالحوا على الأرض وإلا لما أجلوا منها والله أعلم، بل صولحوا على المزارعة فقط.

2- أهمية الدعوة إلى الله :

الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة هي الغاية التي من أجلها بعث الله رسله للخلق يقول عز وجل : “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا” (سورة سبأ الآية 28)، ويقول أيضا: “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته” (سورة المائدة الآية 69).

فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يحرص كل الحرص أن يؤمن جميع الناس ويبايعونه على الهدى، فكان صلى الله عليه وسلم يغشى مجالس الناس ونواديهم يدعوهم إلى الله ويبلغهم رسالته. وتعلم الصحابة هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهجوا نهجه في الدعوة إلى الله وتحبيبها إلى الناس، تفرقوا في الأمصار يعلمون الناس ما أنزل إليهم من ربهم، فهذا مصعب بن عمير يبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يثرب لدعوة الناس هناك فكان له الفضل في إسلام الكثيرين، وعلى رأسهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فأصبحت مهدا لقيام الدولة الإسلامية ومثل مصعب كثير، كانوا دعاة إلى الله بحق، وسلفنا الصالح فقهوا هذا الأصل فسلكوه منهاجا في حياتهم.

وهكذا يتضح جليا “وجوب نشر الدعوة وتبليغ النداء وتمهيد الطريق أمام المسلمين والمسلمات ليهبوا من رقادهم، ويلتقوا حول لواء لا إله إلا الله”. وفي هذا يقول الله تعالى : “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”.

3- فضل الدعوة إلى الله :

شرف الله الدعوة إليه فاختار لها أفضل خلقه وهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وكل من سلك سبيلهم في التبليغ حاز هذا الشرف والفضل. يقول الله تعالى:”ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين” (سورة فصلت الآية 33) لأن كلمة الدعوة إلى الله كما يذهب إلى ذلك سيد قطب رحمه الله : “هي أحسن كلمة تقال في الأرض وتصعد في مقدمة الكلم إلى السماء” (في ظلال القرآن سيد قطب) وصاحبها يحظى بخير وافر. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم” (رواه البخاري) ويظفر بالأجر الكثير فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا”( رواه مسلم).

4- صفات الداعية الناجح :

إن دعوة إنسان إلى الهداية وانتشاله من وهدة الغفلة لنعم العمل، وإن غرس الإيمان في القلوب وزراعة الأخلاق الإسلامية في النفوس، ورعاية الغرس حتى يستغلظ، وتعهده حتى يشتد عوده لنعم الفلاحة. ولتحقيق هذا لا بد من توفر مواصفات في الداعية حتى يفلح في دعوته منها:

* التسلح بالعزيمة الماضية :

أي أن لا يضعف أمام العقبات التي تعترضه في طريق دعوته بل يقتحمها متسلحا بإيمانه وقوة يقينه بنصر ربه، عالما أن الهداية بيد الله.

* وضوح الرؤية :

وهو أمر ضروري عند الداعية لتلافي العمل العشوائي الذي يهدم أكثر مما يبني، وهي تتم بمعرفة الغايات والأهداف التي تنوي الجماعة تحقيقها والوسائل التي ينبغي استعمالها والعوائق التي تحول دون الوصول إلى الأهداف والغايات.

* التحلي بالخلق الحسن :

دعوة الناس ومخالطتهم ليس بالأمر السهل فهي مهمة صعبة يلزمها من الأخلاق الفاضلة كالحلم والرفق مثل ما يلزمها من العلم، لأن من نقصت أخلاقه كان في الدعوة كالجندي المبتور الأعضاء في ساحة القتال، فعن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن” (رواه الترمذي وقال : حديث حسن).

وينبغي في الأخير أن نحذر الأخ الداعية من المنزلق الخطير الذي قد يسقط فيه بتهاونه وتقصيره في الجانب الروحي بازدياد نشاطه في الحركة الدعوية فيتحتم عليه أن يربط سعيه الدؤوب في الدعوة بسعيه الجوهري في التقرب إلى مولاه لأن الإكثار من الاستغفار وذكر الله وقراءة القرآن وقيام الليل، وسائر القربات هو الزاد الحقيقي الذي لا غنى عنه لمن أراد أن يبارك الله في دعوته ويكلل مسعاه بالنجاح.

* التدرج في الدعوة والصبر عليه

لا يخفى على الأخ الداعية تأثير الفتنة على الناس لذا ينصح بالصبر على من يدعوهم ويتدرج في نقلهم من عالم الغفلة إلى عالم الإيمان متتبعا خطواته باسطا عليه من محبته وصحبته، معايشا لهمومه وآلامه.

4- ما يستنبط من الحديث :

يستنبط من قوله صلى الله عليه وسلم : “ثم ادعهم إلى الإسلام” ما رواه أنس قال “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار بعدما يصبح، فنزلنا خيبر ليلا” ( فتح الباري 8/256) ففهم منه: ترك الإغارة على من سمع منهم الأذان، وهو دال على جواز قتال من بلغته الدعوة بغير دعوة فيجمع بينه وبين حديث سهل بن سعد بأن الدعوة مستحبة لا شرط، وفيه الأخذ بالأحوط في أمر الدعاء، لأنه كف عنهم في تلك الحالة .

ويستنبط من قوله : “ادعهم إلى الإسلام” ما رواه أبو هريرة عند مسلم فقال يا رسول الله علام أقاتل الناس ؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستدل بقوله ” ادعهم” على أن الدعوة شرط في جواز القتال، والخلاف مشهور، فقيل : يشترط مطلقا وهو عند مالك : سواء بلغتهم الدعوة أم لم تبلغهم. قال : إلا أن يعجلوا المسلمين، وأما من بلغته فتجوز الإغارة عليهم بغير دعاء.

ويستنبط من قوله صلى الله عليه وسلم” فوالله لأن يهدى بك رجل خير لك من حمر النعم” يؤخذ منه تألف الكافر حتى يسلم أولى من المبادرة إلى قتله.

5- الخلاصة :

الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة هو الغاية التي من أجلها بعث الله رسله للخلق : “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا” وجند الله لا بد أن تطابق أعمالهم وإيمانهم الوصف الذي وصف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في هذا البلاغ الإلهي : “يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا”.

فالشهادة : الحضور المسؤول وسط الأمة تغلغلا وصبرا وإلحاحا، سواء قبل القومة الإسلامية وقيام الدولة الإسلامية وبعد قيامها فتلعب دور المصلح والمقوم عوضا عن الدروشة أو الزهادة لله أو الحوقلة التي سادت قرونا طويلة حتى وقع بالأمة ما وقع.

والبشارة والنذارة : الترغيب والترهيب، تعاون بين الدعوة وهي بشارة. ووجه باش ودعوة إلى الخير وأمر بالمعروف، وبين الدولة ولها الحق وعليها الواجب أن نقبض على المنكر من عنقه إن هو لم ينته بوازع القرآن.

الدعوة إلى الله بإذنه : بالنسبة لرسل الله عليهم الصلاة والسلام هي : بعثة ووحي، وبالنسبة للعلماء هو الإلهام والتوفيق، وقلما يتساءل الدعاة عن أسباب فشلهم خارجا عن دائرة الأسباب.