لنبدأ بما راج من أن الشيخ عبد السلام ياسين ما زال محاصرا. ما حقيقة الوضع؟

هذه الحقيقة يمكن التأكد منها بسهولة، فيكفي أن تذهب إلى بيت الأستاذ عبد السلام ياسين لترى بعينيك أن البوليس يحيط بالبيت من كل جانب، ويحصي الداخل والخارج، كما يتعقبونه أينما ذهب، حتى وإن كان لعيادة طبيب أسنان أو غيره. كل ذلك يتم بشكل علني وممجوج.

لكنه يستطيع الخروج ويتلقى الزيارات ويعقد الاجتماعات؟

نعم، هذا صحيح، فهو يستطيع الخروج متى أراد، ويستقبل الزائرين، ويحضر بعض اللقاءات. ولكن كل حركاته مراقبة، وقوات الأمن تقف أمام منزله بالليل والنهار. ولا شك أن هذا عدوان صارخ على كرامة الإنسان وحريته في الحركة والتنقل. ربما لو كان غير الأستاذ عبد السلام ياسين يعاني من هذه المضايقات، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولهبت كل المنظمات الحقوقية للتنديد بهذه الممارسة اللاقانونية واللاأخلاقية أيضا.

ربما يقولون إنهم يوفرون له الحماية.

هذا هراء، وكلام فارغ كان يردده من قبل الوزير المخلوع إدريس البصري، الذي كان يقول كلما سئل عن حصار الأستاذ عبد السلام إنما يتعلق الأمر بحمايته. أي حماية هذه التي تحصي عليك الشادة والفادة، وتتعقب حركاتك وسكناتك، وتراقب مكالماتك وزوارك؟! إنه كلام سخيف لا يمكن أن يصدقه حتى بسطاء الناس فضلا عن عقلائهم.

وما حقيقة ما راج حول تدهور الوضع الصحي للأستاذ عبد السلام ياسين؟

هذا مثال آخر يعبر عن الفراغ السياسي الموجود حاليا، وبالتالي يتم اللجوء إلى ترويج الإشاعات لعلها تملأ بعض الفراغ وتصرف بعض الناس عن التفكير في المآسي الحقيقية التي يعيشها البلد. إن الأستاذ عبد السلام إنسان كغيره من الناس يعتريه ما يعتريهم من حالات المرض والعافية. لكن فساد النيات وما يعتمل في بعض الصدور من أحقاد تدفع إلى تضخيم كل ما يصيب الأستاذ المرشد حتى ولو كانت نزلة برد.

هل يشرف الأستاذ ياسين حاليا على تدبير شؤون الجماعة كلها وفق ما يعطيه المنهاج النبوي من صلاحيات واسعة؟

أتساءل كيف يمكن الجمع بين أمرين متناقضين تماما: وهو كون الأستاذ عبد السلام ياسين في حالة صحية متدهورة جدا، كما يزعمون، وكونه يدبر كل صغيرة وكبيرة في الجماعة. ألا ترى معي أن هذه الدعايات الفارغة، كما هي عادتها دائما، لا تستند إلى منطق، وإنما تطلق كيفما اتفق.

ولكن المنهاج الذي تعتمده الجماعة يشير صراحة إلى صلاحياته الواسعة.

ما ورد في المنهاج النبوي في الفصل الذي يتعلق بالتنظيم بعضه لم ينفذ قط، وبعضه الآخر نفذ لفترة ثم توقف العمل به. ولذلك فإن الحكم على الجماعة وأدائها وكيفية تصريف أمورها من خلال الفصل التنظيمي المنشور في المنهاج النبوي سيكون بعيدا عن الواقع كل البعد.

إذا كان قد تم تجاوز كثير من مقتضيات المنهاج في الجانب التنظيمي، فلماذا لا تكشفون لنا عن حقيقة تنظيمكم؟

بالفعل نحن نفكر في إصدار طبعة جديدة للمنهاج من أجل التنبيه على التغييرات والتعديلات التي حصلت خلال مسيرة الجماعة.

ما حقيقة ما يقال من أن أعضاء مجلس الإرشاد كلهم معينون من طرف الشيخ؟

هذا كلام غير صحيح. أعضاء مجلس الإرشاد كلهم منتخبون، ومحاضر الاجتماعات التي تم فيها ذلك مازالت موجودة ومحفوظة للتاريخ.

هناك الآن أسئلة لدى الرأي العام حول مسألة خلافة الشيخ ياسين، فكما تعلمون أن الأعمار بيد الله، والشيخ يبلغ من العمر 77 عاما، فهل ناقشتم في الجماعة هذه المسألة أم أنكم ستحتكمون إلى ما هو وارد في المنهاج النبوي؟

هذا الأمر محسوم لدينا ونحن لا نطرح هذه القضية التي أثارتها بعض وسائل الإعلام وتحاول أن تصنع منها مشكلة، أما بالنسبة لنا داخل الجماعة فالأمر غير مطروح. فالجماعة تتوفر على أناس راشدين وعقلاء من مختلف الشرائح الاجتماعية ولهم مستوى من النضج يجعلهم واعين بهذه القضية وأمثالها. فالكل يعلم أن الموت حق ولابد أن يلبي النداء كل واحد منا اليوم أو غدا. والعمل الذي أسسه الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله لا يريد له أن ينتهي بموته، إنما يريد أن يستمر ويمتد ليتواصل الخير والعطاء ويتعاظم الأجر والثواب بإذن الله. وبهذا الوعي وهذه النية يشتغل أعضاء العدل والإحسان، نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.

إذن هذا أمر محسوم داخليا؟

نعم هذا أمر محسوم.

قبل قليل قلتم إن كثيرا من بنود المنهاج النبوي التنظيمية قد تجاوزتها الجماعة، هل يشمل ذلك البند الذي يحدد طريقة اختيار المرشد حيث هناك إشارة واضحة إلى أن أمر الخلافة سيؤول إلى العضو الأكبر سنا؟

قلت لك إن كثيرا من الأشياء التنظيمية قد تم تجاوزها ومن ضمنها طريقة اختيار من يخلف المرشد.

وما هي الصيغة البديلة التي أقررتموها لاختيار الخليفة المحتمل؟

هناك مجلس “شورى إرشاد”، وستكون هناك انتخابات لتحسم في الأمر.

من المعروف أن الشيخ ياسين له مكانة فريدة، ومؤلفاته في السياسة والدين والمرأة والاقتصاد .. تشكل مرجعية الجماعة، فهل تتوفرون داخل الجماعة على شخصية كاريزمية مثله؟

أود أن أوضح أن مثل هؤلاء الشخصيات يشكلون قلة داخل أي مجتمع. ويكون ظهورهم في مفاصل تاريخية مهمة وفي منعطفات تاريخية كبرى سواء في التاريخ الإسلامي أو غير الإسلامي، ولكن هذا لا يعني أن الحياة تنقطع عندما يلتحقون بربهم. لقد كان يقال في زمن الثورة الإيرانية مثل هذا الكلام وأنه بعد وفاة الخميني ستقع أمور لدرجة أن ابن الشاه كان يهيء للعودة إلى السلطة، لكن سرعان ما أدرك أنه يتعلق بالأحلام ليس إلا.

هل ستشكل خلافة الشيخ منعطفا كبيرا في تاريخ الجماعة؟

المنعطف كان في تأسيس الجماعة، أما في الاستمرار فالجماعة والحمد لله أخذت طريقها وستستمر في التوسع أكثر مما نتصور إن شاء الله.

لكن المؤكد أن المرشد الجديد لن يكون في مكانة الشيخ عبد السلام ياسين؟

لا شك أن الأستاذ عبد السلام ياسين آية من آيات الله عز وجل في هذا الزمان. ولكن خالق عبد السلام والناس أجمعين وكل شيء أخبرنا بأنه ما ينسخ من آية يأت بخير منها أو مثلها، وبأنه على كل شيء قدير. لذلك نرجو ممن يشفق على مستقبل الجماعة أن يطمئن وأنه لن يكون بإذن الله إلا ما يسره أو يغيضه، فلكل ما نوى.

أنتم شخصيا، من ترشحون لخلافة الشيخ؟

هذا موضوع سابق لأوانه.

هل ستؤدي خلافة الشيخ ياسين إلى ظهور مفكرين جدد للجماعة، خاصة أن الشيخ يبدو المنظر الوحيد داخل التنظيم، وهل يشكل لكم هذا الأمر بعض الإحراج؟

بالعكس، هذا ليس مشكلا، وهناك العديد من مؤلفات أعضاء آخرين في الجماعة، وكون الشيخ ياسين هو المؤسس وهو واضع الخط التربوي والسياسي للجماعة فهذا طبيعي، لأن من عادة القادة أنهم يعبرون عن تطلعات مجتمعاتهم وهموم أفرادها. أما أن يكون هناك أثر بعد رحيله فهذا أمر عادي، فحتى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد تأثر كثير من الصحابة ونزلت الآية تقول “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”. والأستاذ عبد السلام ياسين هو عبد من عباد الله يسره الله عز وجل لفترة معينة ليؤدي مهمة معينة، وعندما ستنتهي هذه الوظيفة سيلتحق بربه وسيخلفه من يتمم المشوار، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

هل هناك أفق قريب لأن تتحول الدائرة السياسية للجماعة إلى حزب سياسي؟

هذا مرتبط بالظروف وبالتطورات التي يعرفها الحقل السياسي المغربي، فإذا توفرت الظروف يمكن أن تتحول إلى حزب سياسي.

معلوم أن الأستاذ عبد السلام ياسين قد تعرض للاعتقال دون محاكمة وللإقامة الجبرية لمدة عشر سنوات دون حكم قضائي .. لكن الملاحظ أن الجماعة لم تتقدم بأي طلب للتعويض أمام هيئة الإنصاف والمصالحة. لماذا؟

فكرة المصالحة فكرة نبيلة وقع السطو عليها من قبل المخزن، وتم إفراغها من محتواها لتتحول إلى دعاية رخيصة غرضها الأساس ترويج الأوهام والتستر على الواقع البئيس والمتردي الذي يعيشه البلد. وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فمن الطبيعي أن لا تشارك الجماعة في عملية زائفة شكلا ومضمونا، وفضلا عن ذلك فنحن نريد الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، وليس من البشر. ربما كان بالإمكان أن نفكر في طلب التعويض بدرهم رمزي لو كانت العملية بريئة وتمت في سياق سياسي جاد. وفي جميع الأحوال فإن آخر ما يمكن أن يفكر فيه المرء هو أن يتقدم إنسان مثل الأستاذ عبد السلام ياسين ليطلب التعويض عما لحقه طوال العقود الماضية. الرجل إنما يحتسب ذلك كله لله عز وجل، ويكل أمره إليه، وكفى بالله وكيلا.

كيف تقيمون عهد الملك محمد السادس؟ وهل سجلتم أي تطور مقارنة مع عهد والده الراحل الحسن الثاني؟

لا شك أن وجوها كثيرة تغيرت، ولكن النظام استمر كما كان، إن لم يكن قد تراجع في أكثر من مجال. والظاهر أن الجيوب، المناهضة للتغيير مازالت متحكمة، ومن ثم بقيت دار لقمان على حالها رغم النذور المتكررة والأصوات الداعية إلى القطع مع ماضي الجور والفساد وفتح صفحة جديدة. ولحد الآن لا نرى في تقديرنا أن هناك إرادة سياسية حقيقية للتغيير. لكن الذي ينبغي التأكيد عليه في هذا الصدد هو أن حالة الاختناق التي يعيشها المغرب لا يمكن أن تستمر طويلا، فهذا شيء تأباه شرعة الله وسننه الكونية .. والسؤال المطروح اليوم على المسؤولين في هذا البلد والطبقة السياسية عموما هو كيف يريدون أن يكون هذا التغيير؟ هل يريدون أن يكون هادئا وسلميا وفي مصلحة الجميع أم يريدون الإبقاء على حالة الاختناق حتى تنفجر الأوضاع وتأتي لا سمح الله على الأخضر واليابس.

هناك من يعتقد أن أحداث 16 ماي قد عرقلت مسيرة الملك نحو الإصلاح؟

الإصلاح، يا سيدي العزيز، لا يمكن أن تعرقله أعمال طائشة معزولة. الإصلاح لا يمكن أن يوقفه شيء إذا كان وراءه تصميم وعزم ونية لله خالصة. وقديما قالوا إذا صح العزم وضح السبيل ومن سار على الدرب وصل.

هل تعتقدون أن محاكمات 16 ماي كانت عادلة؟

الحقوقيون أولى مني بالحديث عن هذا الموضوع، والذي سجلته مختلف المنظمات الحقوقية أنه كانت هناك تجاوزات كثيرة من البداية إلى النهاية، مما يتنافى والمحاكمة العادلة. ولذلك فإني لا أستبعد أن يكون هناك أناس لا علاقة لهم بأحداث البيضاء الدامية لا من قريب ولا من بعيد ومع ذلك فقد ألقي عليهم القبض وأدينوا بأحكام جائرة.

كيف تنظرون إلى توجه المغرب لنسج علاقات مع أمريكا وإدارة ظهره للحلفاء التقليديين كفرنسا؟

العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية ليست جديدة، وإنما هي موجودة منذ أمد بعيد. فإذا كان الأمر كما تقول يتعلق بتطوير هذه العلاقة بحيث تلغي أو تهمش ما هو كائن مع الحلفاء القدامى فهذا لا علم لنا به. فأنت تعلم أن هذه القضية، وغيرها كثير، مما لا سبيل للاطلاع عليه ومعرفة خباياه، فالمسؤولون يعتبرون ذلك شأنهم الخاص وليس للمواطنين أن يتدخلوا فيه، ولذلك فنحن لا نستطيع أن نقيم أمرا لا نحيط بتفاصيله، والقاعدة تقول الحكم على الشيء فرع من تصوره.

هل لديكم موقف مسبق من عقد اتفاقيات مع الولايات المتحدة، فمجمل الحركات الإسلامية تصفها بأنها معادية للعرب والمسلمين مع ما تفعله في العراق وفلسطين؟

أخيرا كتبت مقالا بالإنجليزية نشر في موقع الجماعة حول الولاية الثانية للرئيس بوش ومستقبل الولايات المتحدة. وقد قلت إن هذه الولاية قد تكون حاسمة في تاريخ الولايات المتحدة. ولذا، فإن على الإدارة الأمريكية أن تعيد النظر في سياساتها ولاسيما المرتبطة بدعم الأنظمة المستبدة ودعوتها إلى ضرورة السعي، إلى بناء علاقات دولية عادلة تراعي مصالح الشعوب كلها وليس مصلحتها وحدها.

(…) لكن هل لديكم موقف مبدئي برفض أي تعامل مع أمريكا بسبب سياستها تجاه العرب والمسلمين؟

بالنسبة إلي لو التقيت أي مسؤول أمريكي لعبرت له عن موقفي هذا بصراحة، لكن عقد الاتفاقيات، شأن آخر لا يقرر فيه الأفراد ولا التيارات السياسية حتى وإن كانت قوية. إنما تقرره دولة مسؤولة وحكومة تمثل الشعب، تدافع عن مصالح البلد، وتتجاوب مع تطلعات الأمة. أما الكلام خارج هذه الشروط فهو سهل، ويمكن لكل أن يقول ما يشاء.