قال لي، يستثيرني للتشهير برجل أحسب أنه من العلماء العاملين والصالحين الذين وضع الله لهم القبول في الأرض: ألا ترى؟ إنه يروي بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

قلت: في إحياء علوم الدين أحاديث موضوعة وضعيفة، فهل في ذلك ما يبعث الريبة في فضل الإمام الغزالي وعلوّ مكانته وجلالة قدره، والنفع العظيم الذي حققه لأجيال المسلمين بفضل كتابه هذا.. وهل في ذلك ما يدعو إلى تصنيفه لها في قائمة من قال رسول الله عنهم: ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) والتشهير به بين النار على هذا الأساس؟

قال: وربما نسب الحديث إلى البخاري ومسلم، وهو ليس فيهما ولا في أحدهما؟

قلت: وهل أنت مبّرأ من هذا الوهم؟ دعك من هذا الشيخ الذي تسألني عنه. أنني تعرضت أكثر من مرة لهذا الوهم، نسبت الحديث إلى البخاري، ثم تبين أنه في ابن ماجة وأبي داود.. وقد وفقني الله من بعدُ، فصححت الخطأ الذي وقعت فيه. ولكني لم أكذب – بحمد الله تعالى – من جراء هذا الوهم على رسول الله قط… وهذا بالضبط هو ما قد تعرض له هذا الشيخ.

قال: وكثيراً ما يتحدث عن الهواتف التي يزعم أن في الصالحين من يتلقاها عن الله باسم الدين.

قلت: الحديث التاريخي عن تلقي بعض الصالحين لهواتف طرقت أسماعهم، واقع وموجود في بطون كتب التاريخ وكتب المناقب والتراجم، على اختلافها، بوسعك أن تطلع على الكثير منها في كتاب ((حلية الأولياء)) و((صفة الصفوة)) و((الرسالة القشيرية)) وتاريخ ابن عساكر. ولاشك أن تجاهل ورودها في هذه الكتب وأمثالها مكابرة في إنكار واقع معروف. وإني لأذكر الآن بعضاً من هذه الأخبار التي رويت عن كثير من الصالحين المشهود لهم بالصلاح والتقوى. من ذلك ما رواه ابن عساكر في تاريخه، في ترجمة عبد الله بن المبارك. قال يروي عنه: ((كنت يوماً في بستان وأنا شاب مع جماعة من أترابي، فأكلنا وشربنا، وكنت مولعاً بالعزف على العود، فقمت في الليل واستهواني الحال، وأخذت العود لأعزف عليه. فسمعت هاتفاً ينبثق من العود قائلاً: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 57/16] فضربت العود بالعود وكسرته.. إلخ.

إذن فورود الأخبار عن هذه الهواتف حقيقة تاريخية لا وجه لإنكارها. ولا ضير في روايتها، فإن وافقت الشرع فبها ونعمت، وإن خالفته وجب استنكارها والتحذير من الاعتماد عليها والأخذ بها.

ثم قلت له: فهل رأيت فيما يرويه الشيخ من أخبار الهواتف إقراراً منه على ما قد يخالف منها كتاب الله وسنة نبيه؟

قال: وإنه يقول بشدّ الرحال لزيارة القبور.

قلت: وهذا ما يقوله أيضاً أئمة المذاهب الأربعة وسائر أهل السنة والجماعة، إنهم جميعاً يقولون بمشروعية شدّ الرحال لزيارة الصالحين أحياء وأمواتاً، وفي مقدمتهم زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بآدابها المعروفة.

لعلك ممن يخطئ في فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) فتتوهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن شد الرحال إلى هدف ما أياً كان، إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، ويترتب على هذا الوهم حرمة شد الرحال لزيارة الأرحام والصالحين وللتجارة وطلب العلم والجهاد في سبيل الله.

إن الاستثناء هنا مفرغ أي حذف المستثنى منه، وفي هذه الحال يجب تقدير المستثنى منه من جنس المستثنى، كما هو معلوم لسائر طلاب اللغة العربية، فتقدير الحديث ((لا تشدّ الرحال إلى المساجد إلا إلى ثلاثة منها)) والمعنى أن سائر المساجد في الفضل سواء إلا هذه المساجد، فلا وجه لتفضيل بعضها على بعض في زيارة أو اعتكاف.

قال: وإنه يقول بمشروعية تعظيم القبور والسجود عليها.

قلت له: هل سمعته يقول هذا، أو قرأت ذلك في شيء مما كتبه بخطّ يده؟ قال: لا. قلت: فعلى أيّ شيء تعتمد في نقلك لهذه الرواية عنه؟ قال: على كلام بعض الناس عنه.

قلت: ولكني سمعت مثل ما قد سمعت، فاتجهت إليه بالسؤال عن ذلك قبل أن أتسرع بالحكم عليه والتشهير به، فتبرأ إلى الله من هذا العمل وممن تُقِرًّ به، وأكد كفر من يفعله مختاراً.

قال: وإنه يدعي أن رسول الله حيّ في قبره موصول الخير والفائدة إلى أمته.

قلت له: وأنت ألا تعتقد أن رسول الله يتمتع بحياة برزخية متميزة؟ وهل سلام المصلّي عليه في الصلاة قائلاً: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، إلا دليل بدهي على أنه يتمتع بهذه الحياة المتميزة؟ وإذا كان موته صلى الله عليه وسلم يعني أنه لا يتمتع بشيء من هذه الحياة، إذن فليس خطابنا بالتسليم له في الصلاة إلا العبث بذاته.

ولما انتهت أسئلة الرجل واستوفز ليمضي، قلت له: ولكنك لم تسألني عن أخطر داء عضال يفتك في كيان هذه الأمة.

قال: فما هو؟

قلت: هو ذاك الذي ذكره ابن عطاء الله في واحدة من حكمه، إذ قال: ((تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال)).

إنه داء العصبية للمذهب وللذات، يقود صاحبه إلى امتطاء الدين سعياً إلى نصرة ذاته، ويحمل صاحبه في سبيل ذلك على استصغار واحتقار الخير العظيم الذي يرضي الله وينفع به الأمة، ويسخّر له من شاء من عباده، وعلى استعظام التوافه والهنات الاجتهادية التي قد يتعرض لها كل من كان دون مرتبة الرسل والأنبياء.

وإنما العاصم من هذا الداء حصن الإخلاص لله وحده.. ومن تلمس مكمن الشهوات والأهواء في نفسه وتأمل في كيفية قيادتها لأعماله وتصرفاته، أيقن أن هذا هو الحق الذي لا مرية فيه.