الذين حضروا في قلب العاصمة الرباط في بحر الأسبوع المنصرم أجمعوا على أن أعنف تدخل لقوات الأمن ضد المعطلين سجل ذلك اليوم الأسود. كانت المعطلات مربوطات بالسلاسل من أرجلهن بالمعطلين، وكانت التعليمات، حسب ما فهمنا من طريقة التدخل، هي أنه حتى لو غرس المعطلون أرجلهم في الإسمنت، فيجب أن ينتزعوا ويرموا بعيدا عن واجهة العاصمة.

???

منذ سنوات، تحولت حركة المعطلين إلى قضية أمنية، ومع تطور أفكار المعطلين في ابتداع أشكال جديدة من الاحتجاج، تطورت جرأة المسؤولين الأمنيين في الرفع من سقف العنف، وقد أصبح الأمر في الكثير من الأحيان وقاحة وراءها ساديون يتلذذون بالعنف الزائد عن لزوم تفريق ضحايا السياسات الفاسدة لحكومات متواطئة منذ عقود.

???

ضربوا الدكاترة والمجازين، المكفوفين والمعاقين، ضربوا المحتجين وغير المحتجين ممن تصادف أن كانوا في المكان غير المناسب والوقت غير المناسب، ربوا الصحافيين، كسروا العظام وجرحوا وداسوا الرؤوس، وهم اليوم على استعداد ليكرروا هذا بافتخار مقزز.

???

قد نناقش مسألة التوظيف في القطاع العام، وإكراهات الدولة التواقة إلى التنمية مع تضخم ميزانية التسيير ضمن الميزانية العامة، وقد نتفهم الطرح الاقتصادي للمبررين الجدد لسياسة قديمة ولكن ما لا نفهمه ولن نتفهمه هو لماذا هذا العنف؟ ومن المسؤول عنه؟

???

ما ضر الحكومة إذا احتج الجائعون أمام البرلمان، أو اعتصموا أو صرخوا أو ساروا أو تظاهروا سلميا؟ هل يعتبر قمع المحتجين سياسة رسمية للحكومة؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا لم يكن لهذه الحكومة التي لا تمل من تكرار أن لها شرعية تدشين الانتقال الديمقراطي الشجاعة لتعلن ذلك في برنامجها وتتحمل مسؤوليته مع كل مجزرة في الرباط؟

???

لماذا تملص الوزراء المتعاقبون منذ 1998 من المسؤولية لدرجة أن الحكومة مرة كونت لجنة وزارية للتحقيق في عنف حيواني ووجه به محتجون ولم نسمع عن نتائج أعمال هذه اللجنة أي كلمة إلى الآن؟ هل علينا في كل مرة أن نكتفي بالأسف الذي يعبر عنه ناطق باسم الحكومة كلما وصلت العصا إلى العظم؟

???

إن قضية المعطلين في المغرب ليست قضية أمنية، ومن سوء الحظ أنها كذلك بالنسبة للحكومة التي تتحمل وحدها تصرفات جميع الإدارات التي تعمل تحت إمرتها، ولا أعرف كيف يمكن لوزير “تقدمي” أن يذهب إلى لقاء ترف ثقافي ويلوك فيه بضع جمل مزركشة في ذات الوقت التي تكون أفئدة آلاف الأمهات معلقة بين السماء والأرض وهن يسمعن أخبار تعنيف بناتهن وأبنائهن.

???

لقد تعجب السيد الوزير الأول إدريس جطو من كوننا البلد الوحيد في العالم الذي يقصد فيه المتخرجون من الجامعة مباشرة صفوف المحتجين والمعتصمين بدل أن تكون وجهتهم البحث عن الشغل، والسيد جطو وضع نفسه بهذا في موضع وزير أول سيرلانكي يقوم بزيارة رسمية إلى المغرب ويتفاجأ بظاهرة غريبة ومبهرة، والواقع أن جطو هو الذي أوكلنا إليه  نظريا- مسؤولية حل قضايانا الشائكة وعلى رأسها قضية التشغيل وكان يجب أن يشكل هذا الملف هاجسه اليومي وأن يكون متفهما لضحايا السياسات الفاسدة المتراكمين قبل جلوسه على أريكة الوزارة الأولى وأن يخجل من الضحايا الذين أنتجتهم سياسة حكومته التي تهتم بالإسمنت والإسفلت والفنادق والطرقات أكثر من اهتمامها بالإنسان.

???

إن أول ما يمكن أن يصف به بعضهم مثل هذا الخطاب هو أنه شعبوي، والأصل في ما نخطه اليوم هو ما سبق أن رسخته أهم مكونات الحكومة الحالية التي سَوَّقت للغلابى مأساتهم وجعلت من المعطلين أحد أعمدة سياستها وهي في المعارضة ووعدتنا بالشغل والمستوصفات في المناطق التي ما زال يموت الناس فيها بالأنفلونزا والمدرسة والماء والخير الوفير. لم تكن مشكلتنا قبل 98 إلا في تزوير الانتخابات، وبعدها وُعِدنا بالجنة فإذا بالوعود عبارة عن شعار ضخم هو هراوة لكل غاضب.

???

لن تنجح الوقاحة بالعنف في انقراض المعطلين، إنهم يتكاثرون كلما استمر الفساد والريع الاقتصادي والتدبير الدكاني للدولة وتأجيل الحلول الجذرية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكلما استمرت سياسة الارتجال التي تعطي للبعض وعودا بالتشغيل وتصرح في الغد أن الدولة لم تعد مشغلا وتسلم للبعض الآخر رسائل ملكية للتشغيل وتتحول هذه الرسائل المختومة بالطابع الشريف إلى محتجة أيضا.

???

إن هذا الارتجال خطر علينا جميعا، فالرجاء من الذين كانوا يرون المستحيل ممكنا بفضل الإبداع البشري للحلول وأصبحوا يرون المستحيل مستحيلا أن يتوبوا إلى المغاربة، فنحن لا نستحق الزرواطة لأن تهمتنا أننا متعلمون جائعون.