بسم الله الرحمن الرحيم. (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا. أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين). أسألك بلا إله إلا أنت رب السماوات السبع ورب العرش الكريم. وأسألك بلا إله إلا أنت رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن إنك على كل شيء قدير.

جاع ذئب الحرص على المال فافترس ذمة المومن ونشر الفقر في حظيرة الآمنين المستضعفين. وجاع ذئب حب الرئاسة فتظالم الناسُ وتحاكموا إلى الطاغوت. الظلم كفر والبؤس كاد أن يكون كفرا. واجتماعهما التاريخي وتحالفهما في مُرَكَّب الاستكبار الطبقي ظلمات بعضها فوق بعض. ولا يكون الزهد في مفهومه الفردي السلبي الكفِّي القناعي الأخلاقي كفُؤاً لقتال الاستكبار وجلاء ظلماته.

زهد المومن الذي يكف يده عن الحرام والشبهات ويتقلل من المباحات، وورع المومن الذي يغُضّ طرفه عن المحارم ويحتاط لدينه في دقائق الأمور أخلاقُ المومن الضعيف إن بقي هذا الزاهد الورِع بمعزل عما تفعله الذئاب الجائعة وتتآمر فيه وتتعاون عليه.

ويكون زهد الزاهد وورع الورع الذي يكبَح نفسه ويملكها ويُصعِّد نزواتها إيمانا قويا وقاعدة صلبة للجهاد إن تَمَتَّنَتْ روابطُ القوة الزهدية في أخلاقية جماعية حتى صارت معروفا يغير منكرا، ودعوة تُسند دولة، ودولة تقوِّض دعائم الباطل وتحق حق العدل والإحسان.

ومن قواعد امتلاك النفس وقهر الغرائز والعزوف القلبي عن الدنيا ينطلق طالب الحق وسط جند الله وحزبه من الجهاد الإيجابي لامتلاك وسائل الدنيا، ووسائل القوة في الدنيا، ووسائل الكفاية في الدنيا، والعزة، والمَنَعة، والثروة، والسلاح، والاقتصاد المزدهر، والتكنولوجيا الصناعية، والزراعة المغذية، والسبق في المنافسة لدى الأسواق العالمية.

لم يكن زهد الصحابة عمادُ الدعوة النبوية والخلافة الأولى زهدَ دروشة وهروب. كان زُهدُهم عملا فعالا، كان جهادا متواصلا يبذلون النفس والنفيس في سبيل الله. عاشوا زهدهم يوم أسلموا لله عز وجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبروا معه لأذى قريش الشديد. عاشوه يوم هاجروا معه مخلفين وراءهم الأهل والولد والدار والمال، مخلفين العشيرة، وكانت العشيرةُ في المجتمع الجاهلي هي الأمن وهي الشرفُ وهي الحسب وهي ضمان الحياة. زهدوا في الدنيا كلها وهاجروا إلى الله ورسوله، مع الله ورسوله، )إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا(. (سورة التوبة، الآية: 40) عاشه الأنصار يوم آووا إخوانهم )ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة(. (سورة الحشر، الآية: 9) عاشوا زهدهم في الحياة الدنيا في بدر وأحد وفتح مكة وغزوة العسرة وسائر المشاهد الشريفة. عاشوه من بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر الصديق حين قاتلوا أهل الردة على الزكاة وهي الحد الأدنى الواجب من البذل. عاشوه في خلافة عمر في القادسية واليرموك وسائر المواقف العفيفة المنيفة.

زهاد في الدنيا جميعا،بالجملة والتفصيل، مجاهدون وقّافون عند أمر الله تعالى ونهيه ووعده ونصيحته إذ يقول: )ما عندكم ينفد، وما عند الله باق(. (سورة النحل، الآية: 96) وإذ يقول: )بل توثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى(. (سورة الأعلى، الآية: 17) وإذ يضرب الأمثال الكثيرة للدنيا وزوالها، ويصف الآخرة ونعيمها، وينادي عباده للتقرب إليه وإيثاره وإيثار رسوله على أنفسهم. وإن أخلاقية القرآن التي رُبوا عليها كلُّها تزهيد في الدنيا وتحبيب لما عند الله ثم تحبيب لله ولحب الله ولقرب الله ولذكر الله. ولَذكر الله أكبر.

وأستغفر الله، ما عندي من الاستهانة بزهاد الأمة الذين جاءوا من بعد عهد الخلافة الأولى شيء، وما وصفت زهد القاعدين عن الجهاد بأنه إيمان ضعيف إلا مقارنة بالنموذج الكامل النبوي الصحابي الذي ينبغي أن يكون نُصب أعيننا، قريبا منا، لا تحجبنا عنه زهادة الهاربين بدينهم المتخفّين به. نريده لمستقبل الخلافة الثانية إن شاء الله زهداً ساكناً في الأعماق لا شقشقة طافحة على الأوراق تمجد “الدراسة الواعية للكون الكبير”.

وما كان زهاد المسلمين الصادقون والصوفية الكرام أصحاب كلام وخصام. خاصموا الدنيا وعزفت نفوسهم عنها، أمسكَ الزهادَ شوقُهم إلى ما عند الله، وأمسكَ الصوفيةَ السالكين شوقُهم إلى الله عن التهافت على الدنيا، وضبَطَهم ذكرُ الله وصحبةُ أهل الله عن التهالك فيها، وأرسى قواعدَهم رسوخُ الإيمان بالغيب عن التطاوح في حَمأة الصراع الذئبي على المال والحسب. كانوا ورعين زاهدين، ازدهرت مواجيدهم الزهدية الورعية في باقات من طيِّب الكلام ومُخْلَصه وصائبه، ما أحرانا أن نتأمله تفصيلا لنتجاوزه من بعدُ جُملة مرتفعين إلى القمة النبوية القرآنية الصحابية.

وما يعقلها إلا العالمون، وما يستهين بمقامات الرجال إلا القلوب المتمزِّجة والنيات المتعوِّجة. وما يستطيع اللحاق بالرعيل الأول إلا من كان له بصحبة العارفين بالله شمل ملموم، وعن غير ذكر الله فمٌ مكْموم، وقلب مهموم، وهوىً في غير الله ورسوله مهزوم.

قال الإمام الجنيد: سمعت سريّاً يقول: “إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده، لأنه لم يرضها لهم”.

وقال الجنيد رضي الله عنه: “الزهد خلوُّ القلب عما ليس في اليد”. وقال عبد الله بن المبارك المحدث المجاهد مؤلف كتاب “الزهد”: “الزهد هو الثقة بالله مع حب الفقر”. ولنفهم كلمة شيخ مشايخ الحديث عبد الله بن المبارك هذه ينبغي أن نعلم أنه رضي الله عنه كان يتجر ويجمع المال الغزير، فيحج عاما ويحج معه طائفة من الفقراء على نفقته، ويغزو عاما.

سأل رُويم الصوفي شيخه الجنيد عن الزهد فقال: “الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب”.

وعن الورع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: “يا أبا هريرة! كن ورعاً تكن أعبد الناس. وكن قَنِعاً تكن أشكر الناس. وأحبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مومنا. وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما. وأقِلَّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب”. رواه ابن ماجة عن أبي هريرة بإسناد حسن.

قال الأستاذ القشيري: “الورع ترك الشبهات”. وقال يحيى بن معاذ: “الورع على وجهين. ورع الظاهر وهو أن لا تتحرك إلا لله تعالى، وورع الباطن وهو أن لا يدخل قلبك سواه تعالى”. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: “جُلساء الله تعالى غداً أهل الورع والزهد”.

كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أزهد الناس. قال: “الزهد ثلاثة أوجه: الأول ترك الحرام وهو زهد العوام. والثاني ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص. والثالث ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين”.

كان إمام المحدثين أحمد بن حنبل رضي الله عنه مثالا حيا لزهد العارفين، انطوى في زهده العالي زهد العوام والخواص، واشتهر بالزهد حتى أصبح يُقصَد للفتوى في السلوك الزهدي العرفاني كما يقصد للفتوى في الفقه والحديث. سُئل مرة عن مسألة في الورع فقال: “أستغفر الله! لا يحل لي أن أتكلم في الورع وأنا آكل من غلة بغداد. لو كان بِشر صلح أن يجيبك عنه، فإنه كان لا ياكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد. مثل بِشر يصلح أن يتكلم في الورع”.

رحم الله أحمد! زاد على العلم والتقوى والزهد والورع التواضع الجم. كان بشر الحافي صوفيا زاهدا يقول: “ما من أحد خالط لحمَه ودمَه ومُشاشَه (أي مخ عظامه) حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى النار”. كان حب بشر لله ورسوله هذا الحب العميق المحيط الحاكم صارِفَه عن الالتفات إلى الدنيا، وازِعه عن الشبهات. وكان سواد العراق، وهو أرضها الفلاحية، لم يقسمها عمر أمير المومنين كما يقسم الفيء، فَبَقِيَتْ ملكا عاما للمسلمين يتورع أمثال بشر عن أكل طعامه لشبهة الحقوق العامة التي اغتالها الملوك الأمويون ثم العباسيون.

جاءت أخت بشر الورعة إلى الإمام أحمد تستفتيه، قالت: إنا نغزل على سطوح بيوتنا، فتمر بنا مشاعل الظاهرية، ويقع الشعاع علينا. أفيجوز لنا الغزل في شعاعها. فقال أحمد: من أنت عافاك الله تعالى؟ فقالت: أخت بشر. فبكى أحمد وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها. رحمهم الله، كان شعاع الظلمة المغتصبين الساطين أذىً يتجنبونه بعد أن عزَّ وجود حكامٍ مثل عمر بن عبد العزيز الذي كان يُطفئ شمعة الإمارة حين يكلمه الوارد عليه في شأن خاص، وقبض على مشامِه لما جاءه مسك من الغنائم مخافة أن ينتفع بريحه من دون المسلمين.

قال الإمام الشيخ عبد القادر رحمه الله ورضي عنه: “يا غلام هذا الزهد ليس هو صنعة تتعلمها. ليس هو شيئا تأخذه بيدك وترميه. بل هو خَطَوات أولها النظر في وجه الدنيا، فتراها كما هي على صورتها عند من تقدم من الأنبياء والرسل وعند الأولياء والأبدال الذين لم يَخْلُ منهم زمان. إنما تصح رؤيتك لها باتباع من تقدم في الأقوال والأفعال. إذا تبعتهم رأيت ما رأوا. وإذا كنت على أثر القوم قولا وفعلا، خلوة وجَلوَة، علما وعملا، صورة ومعنى، تصوم كصيامهم، وتصلي كصلاتهم، وتأخذ كأخذهم، وتترك كتركهم، فحينئذ يعطيك الله نوراً ترى به نفسك وغيرك، يبيِّن لك عيوبك وعيوب الخلق، فتزهد في نَفْسِك وفي الخلق أجمع. فإذا صح لك ذلك جاءت أنوار القرب إلى قلبك، صِرْتَ مومنا موقنا عارفا عالما. فترى الأشياء على صوَرها ومعانيها. ترى الدنيا كما رآها من تقدم من الزاهدين المعرضين. تراها في صورة عجوز شوهاءَ قبيحة المنظر. فهي عند هؤلاء القوم على هذه الصفة، وعند الملوك كالعروس المَجْلِيَّة في أحسن صورة. هي عند القوم حقيرة ذليلة، يُحرقون شعرها ويَخرقون ثيابها، ويخمِشون وجهها ويأخذون أقسامهم في صحبة الآخرة. يا غلام! إذا صح لك الزهد في الدنيا فازهد في اختيارك وفي الخلقِ” (الفتح الرباني ص 136).

وقال زاهد في الدنيا، ثاوٍ فيها ببَدنه، راحل عنها بقلبه:

أيهــا المعـجـب فَخْـــرا *** بمقـــاصيــر الـبيـــوت

إنمــا الدنـيـــا محـــل *** لـقيـــام وقــنـــــوت

وغـــدا تـنـــزل لحــداً *** ضيقــا بعــــد التخــوت

بيـــن أقـــوام سكـــوت *** نـاطقــات في الصمـــوت

فـارْض في الدنـيا بثــــوب *** ومــن العـيــش بقـــوت

واتخــذ بيتـــا ضعيـفـــا *** مثــل بيــتِ العنكبـــوتِ

ثـم قـل: يـا نـفـس هـــذا *** بيـت مـثــواكِ فمــــوتي

وقال بشر الحافي إمام الورعين:

قَطْـع الليالي مع الأيام في خَلَـق *** والنـوم تحت رُواق الهم والقَلــق

أحرى وأجدَرُ بي من أن يُقال غـدا *** إني التمست الغِنى من كف مُختلِق

قالوا: رضيت بذا؟ قلت القنوع غِنىً *** ليس الغنى كثرة الأموال والوَرِقِ

رضيت بالله في عُسري وفي يُسُري *** فلسـت أسلك إلا واضح الـطرق

وقال رفيع الهمة، عاف الدنيا واستقذرها واستبشعها وخرق ثوبها وخمش وجهها:

إذا لـم أتـرك المـاء اتـقـــاء *** تركـت لكـثـرة الشركـاء فيـه

إذا وقع الذبـاب على طعــــام *** رفعــت يـدي ونفسي تشتهيــه

وتجـتنـبُ الأسـودُ وُرودَ مــاء *** إذا كـان الـكلاب وَلَـغْنَ فيــه

وقلت:

عِــشْ للأغـاني والغَـــزلْ *** عَبـْـداً لِلَـهــوكَ لَـــمْ تــزلْ

عَيـشٌ خـفـيـــضٌ ناعـمٌ *** ومنـــوَّعــــات للمَـــــلَلْ

ما أنـتَ مــن صِنـــف الر *** جـالِ تمـــوتُ في ظـلِّ الأسَـلْ