تقديم:

تركز وسائل الإعلام المتابعة لزيارة بوش إلى أوربا على هدفها المركزي، وهو التصالح والبحث عن رأب الصدع الذي خلفه الخلاف حول الحرب على العراق، مع الإشارة إلى الملف المعروض اليوم على العلاقات الدولية المتعلق بجبهة سوريا إيران من حيث هي هدف سياسي وعسكري بعد العراق ولو على المدى المتوسط.

وقد ألجمت أمريكا بغطرستها العالمية كثيرا من الأفواه وزادت من حجم الآهات الإنسانية في بلاد المسلمين وغيرها، حتى صار الإنسان اليوم يفكر في الاستسلام الكلي، إن لم يفعل ذلك، بين يدي القيم التي تبشر بها أمريكا وتفرضها بالعنف إن اقتضى الحال. فهل هذه الغطرسة أبدية بين يدي أنظمة سياسية آيلة إلى التآكل والزوال؟ وهل هناك من سبيل إلى مقاومة هذه الغطرسة؟

لن نخوض في معالجة الموضوع بناء على التحاليل السياسية الصحفية التي تملأ اللحظة الإعلامية، وإن كنا لا نغمطها حقها ، لكن نخوض في عمق السلوكات محاولين استشراف مستقبل عريض بين يدي قضايا شائكة تشغل بال إنسان اليوم.

1- هل أمريكا تسير نحو الانهيار؟

علم التاريخ الباحثين والمعتبرين، أن أية قوة تعتمد وسيلة الدولة أداة هيمنة وظلم، بالمعنى الشامل للظلم؛ ظلم الإنسان، وظلم في الكون حيث تحرف الأشياء والأمور عن مواضعها الفطرية والطبيعية، لاشك أن بعد ذروة تلك القوة تبدأ في دورة الضعف الذي يفضي إلى الانهيار. وقد تكون عوامل خارجية وراء تسريع وثيرته، و من المحتمل أن تتوفر العناصر الداخلية على مستوى من المقاومة لا يمنع من الانهيار الشامل.

إن هذه القاعدة مطردة بحكم الملاحظة واستقراء تاريخ الدول والأمم والحضارات التي كتب لها أن تكون في لحظة ما سيد الوقت؛ كدولة الإغريق، وإمبراطورية الرومان، ودولة الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرها من الدول التي تعاقبت على بلاد المسلمين، وإمبراطورية الإنجليز التي لم تكن تغرب عنها الشمس.

ومن ثم فإن السؤال عن إمكانية حدوث هذا لحضارة الغرب اليوم من عدمه هو تشكيك في هذه القاعدة التي أخذت صفتي الاطراد والعموم.

وهناك قاعدة تاريخية محَكَّمة أخرى، ربما لم تحظ بكثير من البحث والتدقيق، هي أن أية حضارة، مهما كان حجم قوتها المادية والبشرية، بمجرد أن تدخل في مواجهة مباشرة مع حركة دعوة الأنبياء تكون قد اختارت الدخول في العد العكسي لنهايتها. ولعل نموذج الحضارة الفرعونية أكبر مثال على ذلك.

لقد كانت في ذروة قوتها وعنفوانها وعطائها الحضاري، لكن لما لم تستجب لما كان ينقصها لتصبح داخلة في الاعتبار الوجودي المصيري فيكتب لها الامتداد في مستقبل الإنسانية وجودا إذ أعرضت عن الرسالة النبوية وتشددت في محاربتها، فكان ذلك بداية الانهيار حيث كان العامل الرئيس في نهايتها إلى الأبد لتصبح مجرد حدث تاريخي يتفرج عليه من جاء بعده من الناس.

ومن الاستفادات الفرعية لبعث موسى عليه السلام إلى فرعون، ومن ثم إلى كل الحضارة الفرعونية، أن الأصل ليس هو هدم الحضارات الجاهلة، بل إن الأصل هو العمل على مدها بالروح الوجودية الحقيقية مع العمل على تطوير الجوانب الإيجابية المادية والدنيوية فيها، وهذا هو المنسجم مع الحكمة من البعثة النبوية؛ ومنها حكمة (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)، كما أنه منسجم مع حكمة امتداد التواصل الإنساني عبر أجيال البشرية. لكن إذا اختارت قيادة تلك الحضارة مواجهة حركة الدعوة، فإن البقاء للأصلح والمنسجم مع فطرة الناس. وفي هذه اللحظة بالذات يحصل التمايز، وينبغي أن يحصل، إذ تحرص الدعوة على الامتداد البشري والحفاظ الكامل على أصل وجودها وإقامة الحجة البالغة على الخصم والاستعداد للحظة النصر وبداية مرحلة التمكين باستعمال كل الوسائل المشروعة في الدفاع عن قضيتها وعن وجود كيانها، في حين تزداد شراسة الخصم وعنفه، وساعتها يعلن عن بداية نهايته أو انهياره، لأنه اختار مواجهة عمق التحول الذي أرادته البشرية ساعتئذ، فضلا عن انه مواجهة لإرادة رب العباد العالم سبحانه بمصالحهم في الدنيا والأخرى. وهواختيار يفضي إلى الهامشية التاريخية ويفتح الباب لظهور المشروع الدعوي وتمكنه إن وفر لنفسه شروط التمكن كما هي مبينة في سنن الأنبياء عليهم السلام، وفي سنن التاريخ الكبرى وقواعده الموضحة في القرآن الكريم الذي جسدته السنة النبوية على أرض الواقع.

إن عمى الاستكبار يحصل، وبالضبط، في هذه اللحظة فيتلقى الهزيمة الأبدية، وفي المقابل تظهر قوة بصيرة حركة الدعوة وعمق نظرها… وهنا يطرح السؤال الكبير على الحركة الإسلامية اليوم في قدرتها على عرض مشروعها بقيادة العارفين به كامل المعرفة التي تمكنهم من إدراك أصوله وأهدافه ومقاصده وغاياته. وفي المشروع الإسلامي الدعوي يكون أهل الله أهل الإحسان العارفون بالله هم أولى بالقيادة والتوجيه،لتكون الحركة الواقعية منسجمة تماما مع روح المشروع فيكون التمكين على هدى من الله.

إن هذه القاعدة إذا أضيفت إلى سابقتها يحصل اليقين بأن حضارة الغرب اختارت بداية انهيارها، خاصة أنها سمحت لأمريكا والصهيونية العالمية بأن تتصدر قيادتها مع بريطانيا اليوم، التي فعلت ما فعلت بالأمس في المسلمين أيام احتلالها أرضا من بلاد الشام وتثبيتها لدولة ما يسمى بإسرائيل في قلب الوجود الجغرافي للخريطة العربية والإسلامية. وبهذا يمكن تفسير موقف فرنسا وألمانيا في كثير من القضايا التي تتعلق بزعامة وقيادة حضارة الغرب. فبسماح هذا الأخير لأمريكا بأن تتصدر قيادة حضارته، في لحظة تاريخية مهمة من حياة البشرية، يكون قد ارتكب خطأ جسيما في حق حضارته وفي حق مستقبل الإنسانية. ذلك أن أمريكا وما يسمى بإسرائيل إنما هي تجمعات بشرية طارئة على التاريخ كرست وجودها على أشلاء أمم أصيلة، ومن ثم ليس لها أي عمق تاريخي يخولها صناعة حضارة ذات أبعاد إنسانية، بل إن وضعا كهذا لن يفرز لدى قياداتها إلا نزعات تبحث عن موطن قدم وهيمنة كما هو الواقع. فهي تجمعات سرقت من حضارة الغرب أشياء فقط فاستغلت لحظة وضع إنساني مضطرب خولها التفوق العلومي والتكنولوجي ومن ثمة الهيمنة العسكرية والاقتصادية المبنية على الاحتكار والعنف الشامل على الإنسان والكون.

وبناء عليه، فإن الاتحاد الأوربي مطالب اليوم قبل غد بأن يقف المواقف التي تجنب حضارته سرعة نهايتها، لأن منطق الهيمنة الأمريكية الصهيونية المستند على قوة حضارة الغرب لن يفرز إلا اضطرابا شديدا ذا أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية دولية، ستؤلب العالم على حضارة لم يعرف معها إلا العنف، حتى وإن رفعت شعارات الحرية وحقوق الإنسان رسالة عالمية. أليس الأوربيون اليوم وحتى الأمريكان يتظاهرون ضد بوش وسياسات إدارته.

إن فرنسا وحلفائها، وكل طرف غربي يؤمن بقيم الحداثة الغربية الأصلية، وإن تعارضت جوهريا مع قيم حضارات أخرى، مطالبون بأن يسعوا إلى رد الاعتبار لعلاقة قيم الغرب مع نفسه ومع من حوله من العالم تفاديا للحظة تاريخية إنسانية عصيبة تمس أول ما تمس وجود هذه الحضارة في مكانها الجغرافي الأصلي وفي كل قيمها. ولعل هذا هو نداء كثير من المفكرين والباحثين الناقدين لمفهوم الحداثة، كما اصبح واقعا، ودعوتهم إلى الرجوع إلى القيم الحداثية التي أسست لعصر النهضة، لكنها حرفت بفعل السياسيين الوصوليين والعسكريين المتسترين في جبة الديموقراطي هنا أو هناك.

لكن يبدو أن ما فعلته أمريكا والصهيونية في العالم مع اضطرار كثير من دول الغرب إلى التحالف مع أمريكا بسبب مصالح اقتصادية وسياسية ضيقة يعقد عملية اتخاذ الاتحاد الأوربي مكان القيادة والريادة إلا إذا كانت بعض الدول مستعدة لأداء فاتورة اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة، وهو ما أصبح من قبيل المستحيل في ظل الظروف الدولية اليوم. وقد لوحظ أن خطاب بوش في زياراته الأوربية الأخيرة يجد موقعا متقدما أمام خطابات الساسة الأورببين.

نعم، إن في هذا شيء من التعميم، لكنه غير مخل بمعنى القواعد المشار إليها. ولذلك فالفترة الزمنية التي سيستغرقها الانهيار قد تكون غير معلومة، خاصة في عالمنا المعاصر الذي تميز بقدرة تدخل العوامل الخارجية في المسارات الداخلية بحيث تستطيع أحداث من حجم معين أن تؤثر تأثيرا بليغا في حركة الدول والمجتمعات سواء في الاتجاه السلبي أو الإيجابي. كما أن إمكانية الطي المفاجئ غير مستبعدة.

ولنضرب مثالا على ذلك؛ فأحداث 11 شتنبر التي هزت أمريكا، استطاع الإعلام، من خلال السلوكات السياسية والفكرية لكثير من الساسة والباحثين، أن يجعل منها في وعي المراقب والإنسان العادي عاملا غير وجهة العالم، في حين أن ما يحدث في بلاد أخرى، خاصة بلاد المسلمين، من أحداث تمس جوهر حقوق الإنسان لا يشكل إلا شيئا عاديا مألوفا لا يستطيع أن يكون عامل تحول في النظر للواقع ولطبيعة الصراع والتدافع الدائر اليوم وفي المستقبل. بل يمكن ادعاء العكس؛ فما يجري في بلاد المسلمين من ظلم فاحش مفضوح في تآمر مباشر أو عبر الصمت من جهة الحكام، وأمام بشاعة الجرائم البشرية والمادية مع وضوح في الخطاب الغربي السياسي والثقافي والفكري الغالب أن الإسلام هو موضوع الصراع والتدافع، سيدفع بشكل كبير إلى تحولات جذرية في تصورات عموم الناس فضلا عن النخبة المثقفة والعاملة التي تصالحت مع الواقع زمنا طويلا. ولعل المواطن الساخنة في بلاد المسلمين أكبر دليل على ذلك؛ كفلسطين والعراق وافغانستان وكشمير والشيشان والهرسك وغيرها من المواطن. لكن يبدو أنه تحول على المدى الطويل وهو ما ينسجم تماما مع الحركات التغييرية ذات العمق التاريخي.

والشاهد عندنا هنا أن لحظة الانهيار قد تكون مفاجئة كما كان الحال لإمبراطورية الاتحاد السوفيتي التي بنت جوهر وجودها على العنف على الإنسان، كما قد تستغرق وقتا معينا ، و لابد من التذكير أن الانهيار لايعني الفناء أي النهاية التي تعني توقف التأثير في الحركة الواقعية.

وتبقى الميزة الأساسية لقرب الانهيار شيئين إما مجتمعين أو منفصلين:

1- سيادة الترف على أعلى درجاته في مؤسسات الدولة والمجتمع وما يصحبه من ظلم فاحش للإنسان والكون.

2- هيمنة العنف على ممارسة الدولة سواء في علاقاتها الداخلية أو الخارجية. والعنف هنا يأخذ معنيين مجتمعين كذلك أو متفرقين:

أ- العنف على الإنسان بالمعنى المادي الذي يعذب وينكل ويشرد ويفقر ويجوع، فلا يحصل الاستقرار المادي والاجتماعي لهذا الإنسان بين يدي دولة عنيفة. ولاشك أن هذا النمط من العنف مع مرور الزمن يتسرب إلى مؤسسات المجتمع وإلى نفسيات الأفراد. نموذج الاتحاد السوفياتي الذي كان من وراء زواله اعتماده العنف المباشر ضد الإنسانية. وما يفعله الكيان الصهيوني في فلسطين وما تفعله ربيبته أمريكا في العراق وغيره لن يولد إلا أجيالا لاتقبل سحق الذات حتى وإن خربت الأرض عن آخرها.

ب- العنف بالمعنى المعنوي، وهو جهل بحقيقة الإنسان وبحقيقة تكريمه فلا يجد في سلوكات الدولة وما تنتجه من أعمال مجتمعية وسياسية إلا ما يثير فيه الغرائز السلبية والعدوانية التي تصنع بسيادتها على نمط حياة الفرد عنفا وتشوها في وجوده، وهو ما يترتب عنه أمراض نفسية واجتماعية مخلة كليا بحركة المجتمع، ومن ثم بحركة مؤسساته السياسية والاجتماعية. فهو اضطراب يؤدي إلى خسارة عظمى لكن مع ذلك يكتشف الإنسان أن منطق الدولة المهيمن هو عامل من العوامل الرئيسية التي يجب تغييرها وتبديلها. وهنا يبرز دور الحركات التغييرية التي تعانق القيم المثلى والأهداف السامية التي تكرم الإنسان والكون فيلتف حولها الناس وتقود عملية التغيير الجذري الذي يمس جوهر الوجود الإنساني ومنه ينطلق وعليه يبني.

وإذا نظرنا إلى هذا كله وجدناه بالحرف تقريبا هو السائد في نمط حضارة الغرب اليوم بقيادة أمريكا والصهيونية المتنفذة عالميا وفي علاقتها مع الأمم والشعوب وباقي حركات التغيير التي تعارضها.

ومعناه أن لحظة ذروة تضرر الإنسان والكون من سيطرة هذا النوع من الحضارة صارت هي الواقع الكلي حيث لا تسمع إلا السوء أينما وليت وجهك. ومعناه أن عملية العد العكسي قد قطعت أشواطا في مسار حركة الحضارة الغربية بقيادة أمريكا والصهيونية العالمية.

إنها آلام جسيمة تشكل امتدادا طبيعيا لآلام الحربين العالمتين ولآلام استعمار القرن العشرين ولآلام قنبلة هيروشيما ونكزاكي. لكن ما يميز هذه الآلام اليوم هو تغطيتها لكل أنحاء العالم ولكل نواحي الحياة، حصّل منها العالم الإسلامي أكبر حصة.

فهما شيئان يشكلان قمة المد لتبدأ مرحلة الانهيار؛ ذروة التفوق والظلم وذروة الضعف والتضرر من جهة الطرف الآخر، لنخلص أن بداية انهيار أمريكا قد بدأت لما استعدت العالم وتمادت في الاعتداء وهي متمادية.

إن صخرة الإسلام التي كسرت شوكة إمبراطورية الاتحاد السوفياتي هي الصخرة التي ستتكسر عليها شوكة أمريكا والصهيوينة المتنفذة. لكن سؤال المرحلة: هل للحركات الإسلامية اليوم القدرة على صناعة البديل التاريخي والحضاري المصيري؟ سؤال كبير، لكن من أدرك سنن الله في كونه وفي صناعة دعوته يدرك أن التمكين لاشك حاصل نظرا لحاجة الإنسانية إلى القيم الإسلامية، ومنها حاجة الإنسان إلى أن يعرف ربه بين يدي حضارة ما ورثته إلا العنف الشامل والظلم الكامل. وحاجته إلى الأمن والاستقرار، ولذلك لا نستغرب إذاحرص الإعلام الغربي على بيان أن الإسلام هو عامل عدم الاستقرار في عالم اليوم.

2- نهاية الأنظمة العربية

من المعلوم أن الأنظمة العربية السائدة اليوم لم تبني وجودها على عمق جماهيري، بل جلها، إن لم نقل كلها، بنت وجودها على أساس العلاقة مع الدول الكبرى، وراهنت على واقع الحرب الباردة، ولذلك نجد أن أغلب الدول مدينة في وجودها وبقائها على العلاقة مع المخابرات الخارجية التي تؤسس تلك العلاقة بناء على المصالح القريبة والاستراتيجية للدولة الأم. ولذلك فإن الأنظمة العربية رهنت قوة وجودها بتلك المصالح وبتقلبات التعاطي معها، في سياق دولي مبني على قوانين تعطي الشرعية من خلال واقع أفرزته الحرب العالمية حيث كان العالم العربي والإسلامي هو أكبر ضحية لمقتضيات القانون الدولي، ولازال إلى اليوم، إذ تمت الصياغة في غياب هذا العالم وفي غياب أي تصور للعلاقات الدولية ينسجم مع طبيعة نظرة شعوبه للعلاقات بين الأمم والدول والشعوب.

وقد لوحظ أن جل الأنظمة والتنظيمات التي ارتبطت بما كان يسمى بالمعسكر الشرقي وجدت نفسها في حرج شديد لما برزت أمريكا كقائدة للعالم وقادت حروب سميت بالوقائية ضد أشخاص ومنظمات ودول. نعم، ليس موضوعنا في هذه المناسبة هو كيف اختارت بعض الدولة والأنظمة الخروج من الحرج، ولكن الذي يهم الآن هو هل هذا الخضوع للمنطق الأمريكي في الهيمنة عمليا وليس نظريا فقط سيحمي هذه الأنظمة من الزوال بين يدي هذه التحولات الجوهرية التي تحدث الآن في عمق حركات الشعوب والأمم؟ وهل الارتباط بأمريكا من قبل واليوم وبعد اليوم سيؤدي إلى حماية الأنظمة الموالية لأمريكا من النهاية التي صارت إليها كثير من الأنظمة العربية وغير العربية في إفريقيا وآسيا أوربا الشرقية وأمريكا الجنوبية؟

لاشك أن هذا السؤال هو ما يشغل تلك الأنظمة، ولاشك أن سعة الهوة بينها وبين شعوبها يزيد من حرجها، بل إنها فعلت في حق شعبوها من الجرائم الإنسانية والاقتصادية والسياسية وغيرها ما لايمكن أن تنساه الذاكرة الجماعية على الرغم من محاولات المسخ والمسح.

ويلاحظ أن أمريكا تتلاعب بالعلاقات مع بعض أنظمتنا، ولنستحضر هنا المملكة العربية السعودية في مسألة ما يسمى بالإرهاب والإصلاح السياسي، والمملكة المغربية خاصة في قضية الصحراء، وكذا السودان قبل إقصاء الترابي وبعده في قضية دارفور.

ولذلك فإن ارتباط أي نظام بأمريكا وتماديه في خدمتها لن يدخله إلا في صراع مباشر مع الشعوب، ويضعه في نفق الاختناق الذي يفضي إلى الموت، فهل تعتبر تلك الأنظمة بما حصل لشاه إيران ولتشوسيسكو رمانيا ولكثير من حكامنا الذين خذلتهم أمريكا المبنية سياساتها الخارجية على المصالح ولاشيء غير المصالح التي تخدم استراتيجية الهيمنة؟

وهل الشعوب العربية والإسلامية تستطيع اليوم أن تكتشف أن الخيار الوحيد والطريق الأخير، هو الالتفاف حول القيادات الصادقة للحركة الإسلامية لتخرج بها من النفق المظلم، الذي أدت إليه سياسات أنظمة ما بعد الاستقلال التي اغتصبت حق الأمة الشرعي والتاريخي في تحقيق استقلالها بعد تضحيات جسام وركبته لأجل المجد والترف، هو ما بقي لها لنيل حريتها الكاملة واستقلالها الشامل؟

ذلك هو الجواب العملي لحركة الدعوة في هذا الزمان، وهو ما يدفع دفعا العلماء لينزلوا إلى واقع الناس عوض أن يهرولوا إلى فرص تتيحها تلك الأنظمة في إطار إعادة توازناتها السياسية والمجتمعية.

وصدق الله العظيم إذ يقول سبحانه: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) صدق الله العظيم.