“إلى الذين يوثرون المبدأ على الشخص والوحي على التاريخ”

بهذه العبارة قدم الكاتب الموريتاني محمد بن المختار الشنقيطي إهداءه لكتابه الجديد “الخلافات السياسية بين الصحابة: رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ”. الذي صدر في طبعته الأولى عن مركز الراية للتنمية الفكرية في دمشق وجدة، وقدم له الأستاذ راشد الغنوشي بعبارة “كتاب جدير أن يقرأ وتعاد قراءته” وقال عنه “لقد كان من بين الكتابات القليلة التي وجدت في قراءتها متعة ظلت تشدني إلى استئناف ومتابعة القراءة، كلما قطعتني مشاغل الحياة عنها، بدأت القراءة قياما بواجب الأخوة، استجابة لطلب كريم من الأستاذ المؤلف، إذ اختصني بشرف تقديم مؤلفه إلى القراء، ولكني ما إن مضيت في القراءة بضع صفحات  مستصحبا نية القيام بالواجب- حتى تحولت القراءة مقصدا بذاتها، أو قل لما تسكبه في النفس من لذة روحية كل فقرة ترتشفها من هذا المعين المعرفي الصافي، وأنت تتابع نظمه الدقيق للقواعد الاثنتين والعشرين التي استخلصها منهاجا في التعامل مع مرحلة التأسيس لحضارة الإسلام منذ يوم السقيفة”.

أما مؤلف الكتاب فقد استهل تقديمه بما يفيد الهدف من إصداره “هذه رسالة خفيفة الوزن، كثيفة المادة، تستهدف تجديد القول في دراسة الخلافات السياسية بين الصحابة رضي الله عنهم، والخروج من دائرة المناظرة والجدل في قضايا المفاضلة بين الصحابة وشرعية خلافة الخلفاء الراشدين -وهي قضايا نظرية استنزفت العقل المسلم في غير طائل- إلى دائرة التأصيل والتحليل والاعتبار” موضحا أن الهم الذي تحكم في الكتاب هو “الفصل بين الشخص والمبدأ، بين الوحي والتاريخ” وداعيا إلى “إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بمنهج جديد، يمنح قدسية المبادئ رجحانا على مكانة الأشخاص، مع الاعتراف بفضل السابقين ومكانتهم في حدود ما تسمح به المبادئ التي استمدوا منها ذلك الفضل وتلك المكانة” ورافضا أن يصنف كتابه في دائرة سرد الوقائع أو الخوض في تفاصيلها، ولكنه “جملة قواعد منهجية مقترحة للتعاطي مع تلك الخلافات، بما يعين على استخلاص العبرة منها لمستقبل أمة الإسلام وآتي أيامها. وليس فيها من تفاصيل تلك الأحداث إلا ما كان ضربا لمثل، أو دعما لتحليل” داعيا إلى مزيد من التدقيق في هذا المجال “ولعل هذه القواعد تكون دليلا لمن هم أحسن تأهيلا وأوسع معرفة بدقائق التاريخ الإسلامي، ليدلوا بدلوهم في إعادة قراءة ذلك التاريخ”.

يشدد الكاتب على أن رسالته هاته تنتمي إلى الفقه السياسي أكثر مما تنتمي إلى علم التاريخ معتبرا إياها “بمثابة المقدمة المنهجية لكتابي “السنة النبوية” و”التربية السياسية” اللذين نستعين الله في إتمامهما، ونستجديه قبولهما”، وينبه إلى أمر هام لازم نشأة الفقه السياسي الإسلامي “لقد نشأ الفقه السياسي الإسلامي متكيفا مع واقع القهر والاستبداد الذي خلفته حرب “صفين” ولم يقتصر هذا التكيف على تفسير التاريخ السياسي الإسلامي، بل تجاوزها إلى النظرية السياسية الإسلامية”، ولذلك تراه يؤكد على عسر المهمة اليوم” ولابد لدارس الفقه السياسي والتاريخ الإسلامي من الانتباه لهذه الظاهرة، والاجتهاد في البحث والتنقيب لبناء صورة دقيقة لما حدث في صدر الإسلام من فتن وخلافات سياسية لا تزال تلقي بظلالها على الأمة حتى اليوم. فالبحث في هذا المجال أقرب إلى علماء الآثار الذين يدرسون أطلالا دراسة عبثت بها أيدي الزمان”. ومما يزيد من عسر المهمة الخلط الضمني بين الوحي والتاريخ في المرجعية، وهو أمر سائد في الفكر الإسلام اليوم، جراء نقص في الوعي بالتاريخ لا يميز بين صورته وعبرته، وتقصير في دراسة حياة السلف دراسة استقصائية تلم بكل جوانبها المضيئة والقاتمة، ولا تقف عند سرد المناقب فقط”.

أما من حيث منهجية التناول فقد أكد الكاتب على “حرصنا في هذه الدراسة على تبني فكرة الإمكان التاريخي، وهي فكرة تنطلق من أن الصيرورة التاريخية  بما هي فعل بشري وإرادي- حبلى بالاحتمالات دائما. وما يتحقق في واقع الحياة ليس هو كل الممكن، بل هو جانب من إمكانات شتى، رجحت ظروف الفعل البشري ظهوره “محذرا من مزلق الجبرية الأموية والكربلائية الشيعية” لكن “الجبرية الأموية” و”الكربلائية الشيعية” لا تزالان سائدتين في دراسة تاريخ صدر الإسلام، وهما وجهان لفلسفة واحدة، تنطلق من أن ما كان هو حدود الإمكان، وألا مجال للنقد والمراجعة. وبسيادة هذين المنهجين ضيع الفكر الإسلامي فكرة الإمكان التاريخي، وعطل العقل المسلم نفسه في دراسة تاريخه”، ومحذرا كذلك من مزلق الانفعال “إن الانفعال السائد في الدفاع عن السلف قد أهدر قدسية المبادئ حرصا على مكانة الأشخاص، واستمال ردا للغلو بغلو، مع تعميم وتهويل يساوي بين عثمان وكاتبه مروان، وبين عمار وقاتله أبي الغادية ليستبين أن “ثقافتنا التاريخية جزء من محنتنا الراهنة” وأن المجتمع الإسلامي الأول “انتصر على الردة الاعتقادية التي ثارت في أطرافه، لكنه انهزم أمام الردة السياسية التي نبعت من قلبه … تلك الردة السياسية المتمثلة في تحويل الخلافة إلى ملك” ولا يفتأ يؤكد على الحرج المصاحب للخوض في هذا الموضوع “لقد كان التحرج من الخوض في الخلافات السياسية بين الصحابة واضحا وشائعا لدى علماء الأمة وصلحائها، لكن ذلك لم يمنعهم من الخوض فيه لغاية التعليم والتأصيل والاعتبار (…) ومهما يعترض معترض أو يجادل مجادل بأن الكتابة في موضوع الخلافات السياسية بين الصحابة نكءٌ لجراح الماضي السحيق، وجدل نظري في غير طائل، وفتح لباب التطاول على الأكابر .. فإن الأمة لن تخرج من أزمتها التاريخية إلا إذا أدركت كيف دخلت إليها”. مشيرا إلى أن “لا أحد يطرب بالحديث عن الاقتتال الذي نشب بين الرعيل الأول من المسلمين، ولا أحد يستمتع بنكء جراح الأمة، لكن الطبيب قد يوصي بالدواء المر، ويستخدم مبضعه وهو كاره … وتلك أحيانا هي الطريقة الوحيدة لاستئصال الداء”.

يؤكد الكاتب أن “الوعي التاريخي جزء أساسي من ثقافة أية أمة حريصة على بناء مستقبلها ضمن قيمها الخاصة”، والوعي بهذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المسلمين يزيد الأمر أهمية لأن فيه حدث أكبر انحراف حيث تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض عض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه. ومن هنا تأتي أهمية هذه الرسالة التي نتمنى أن يكون هذا التقديم تشويقا لقراءتها والتعمق في مضامينها لأنه يهدم رؤية خاطئة سائدة لما جرى، ويعتمد في ذلك فقه ابن تيمية رحمه الله، ويدفع أصحاب هذه القراءة وكذا القارئ إلى مراجعة منطلقاتهم وآليات تحليلهم.

كتاب مفيد يصلح أن يكون مصدرا ودليلا، كتب بلغة سليمة، وأسلوب مشوق، وطريقة مركزة، ومنهجية منطقية، وأدب عال مع الصحابة ومن سبقنا بإيمان.