في برنامج المسلمون الفاتحين، كما عرضه الناطق باسمهم في بساط رستم، إخراج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام. كانت هناك خطة واضحة، كان هناك منهاج مبسط، لكنه كان واضحا وعمليا، وقابلا للتنفيذ، ومنفذا بالفعل، لعل القدرة الفعلية على إنجازه كانت من أهم عوامل وضوحه. ولاشك أن مصدره السماوي، وأثر الوحي الطري في قلوب تلك الأجيال وعقولها، والتربية النبوية، والدولة الخلافية، والقيادة الفذة على يد أمثال خالد وأبي عبيدة رضي الله عنهما كانت الأسس المتينة لتلك القدرة.

كانت واضحة أمامهم الطريق، كان المسؤول العربي المؤمن المجاهد، يتقدم على الصراط المستقيم واثقا بالله عز وجل وبما هو عليه من جهاد ما دام مستمسكا بالوحي،”فاستمسك بالذي أوحى إليك، إنك على صراط مستقيم.” هذا الصراط المستقيم كان عين المنهاج، مرتبا كما ورد ترتيب العقبة المنهوج عليها: فك رقبة، إطعام يتيم ومسكين، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالرحمة. وربعي وإخوانه كانوا هم الجماعة المؤمنة المتواصية، متشبعين بان الله تعالى ابتعثهم ليفكوا رقاب العباد ويحلوا سيادة الله في الأرض وفي الشعوب محل سيادة المستعبدين للخلق، ويحلوا عدل الإسلام محل جور الأديان.

ثم ما لبثت تلك الطريق أن تعتمت، أول ما تعتم منها الحكم، ومن فساد الحكم إلى طاعة الحاكم طاعة العمياء، ومن ذلك إلى خضوع الرقاب لغير الله، ومن ذلك إلى فشو الجور ونشوء الطبقية مع يقظة عبية الجاهلية، ومن ذلك إلى التفتت التاريخي للمجتمع الإسلامي. في هذه الأربعة سطور طويت أربعة عشر قرنا من تاريخنا، فها نحن لا وضوح لدينا لذلك المنهاج ولصيغته البرنامجية كما أعلن عنها الجندي المجاهد ربعي رحمه الله.

ما عتم الطريق؟ ما نكر ذكرها في آذاننا؟ ما غير معالمها حتى صرنا تزيغ منا العيون إلى الآفاق الإيديولوجية لترى برقا يؤذن بغيت الحرية والعدل؟ نستأنس بتلك الشعارات الهطالة المدوية: ” قومية، وحدة، اشتراكية “.

ونزداد إليها إصغاء وتحديقا كلما توغل في جسمنا فعل الحكم الطاغوتي الطبقي الظالم؟

لا تهدأ الفطرة الإنسانية المجبولة على حب الحرية والعدل أو تجد طريقا إليهم، على الوضوح إن كان، وعلى الطريق المعتمة إن لزم. الفقر يطلب الغنى كما تطلب العبودية الحرية.

الحاجة الفطرية تدفع إلى ما يحقق الكرامة الإنسانية.

فإن وقف حاجز يمنع المجتمع عن أهداف العدل والحرية، فخرق ذلك الحاجز محتم حتمية الثورة بالنسبة لمجتمع المسلمين في بداية هذا القرن الخامس عشر المبارك إن شاء الله تعالى.

في جانب النداء الاشتراكي تتعمق الاشتراكية بعد فشل التجربة الناصرية وتتجدر في الأصول الماركسية، وفي الشعارات الماركسية، لتحظى بصفة العلمية، وتأخذ الماركسية مصالحتها التكتيكية مع القومية، وتقترح من بروج عزلتها الإيديولوجية، من الواقع البورجوازية الصغيرة حسب تعبيرهم، الوضوح الماركسي، والطريق الماركسية.

في جانب النداء الإسلامي هبة إيمانية، صحوة في القلوب، تحتاج إلى صحوة فكرية عملية تواكبها وتعززها وتفتح لها الآفاق السياسية. تحتاج إلى عرض لبرنامج إسلامي في التحرير والعدل.

الأرض السياسية التي يقف عليها الاشتراكيون أرض صلبة، قاعدتهم العاطفية التي يتضمنها نداء العدل تتجاوب مع الفطرة البشرية.

فمهما رفعنا نداء الإسلام دون أن نبين البرنامج العدلي أو أجلنا إعلانه، فالفطرة المظلومة المتمثلة في سواد الأمة وجماهيرها المحقرة المفقرة ستظل حائرة، لا هي تثق بالصارخين من عزلتهم على الامبريالية والبورجوازية لعدائهم السافر للإسلام، ولا هي تثق بالإسلاميين لسكوتهم المطبق عن القضية الاجتماعية.

وان إمامة هذه الجماهير تؤول، لا قدر الله، لمنافقين ثوريين يأخذون من الإسلام شعار الإيمان، ومن الماركسية شعار الثورية و العدل، ولعلهم يكونون أذكى من الصنف الماركسي القديم الذي يتلوى في مقولات الايديلوجية الماركسية التي لا يهضمها الشعب المسلم ولو جاءت مبسطة سوقية.

لابد من مخرج لمآزق الأمة، لابد من حل لمشاكل الظلم الطبقي، والتبعية للدول المستكبرة، والتخلف الاقتصادي، وهضم كرامة الإنسان، أما على الطريق المستقيم، وأما على الطريق المعتم، عندما تشتد الأزمة بالأمة، وعندما تتجمع طاقات السخط، ويقف المجتمع على الهاوية، تكون الدولة والغلبة والفرصة لمن يتقدم بجرأة ووضوح، وقدرة على التنفيذ، ببرنامج العدل في مقدمات بنوده. في الإنسان شرارة وامضة تتألق إذا ذكر العدل، وقد يقتحم الإنسان كل الظلمات على ضوء هذا الألق وحده، يعوض به كل هدي وكل نور.

يقول جان جوريس الاشتراكي الفرنسي الشهير: ” حتى لو أطفأ الاشتراكيون للحظة كل نجوم السماء سأمشي معهم على الطريق المعتمة التي تؤدي إلى العدل، تلك الشرارة الالهية التي ستكفي لأشغال كل الشموس في كل أعالي الفضاء”.

لا يتكلم الماركسيون هذه اللغة المجنحة، لكن الشاعرية المرهفة والحس الإنساني الذي نطق عنه الاشتراكي الحالم جوريس يعبران عن الفطرة البشرية، عن التوقان الجبلي للعدل، وهما مخزن الطاقة الثورية التي يتقن الماركسيون تفجيرها من خلال العرض الايديولوجي ” العلمي ” الموضوعي.

جوريس يشير من بعيد إلى الطلاق العلماني الذي تمخض عنه تاريخ أوربا بعبارة “إطفاء نجوم السماء” ويشير إلى تعويض الدين السماوي المفقود بالدين الأرضي العدلي بعبارة « إشعال الشموس في أعالي الفضاء”.

بالشعر أو بدون الشعر لا يتعايش العدل الماركسي أبدا مع الدين. فان عجز الإسلاميون، لا قدر الله، عن عرض برنامج العدل الإسلامي وتنفيذه، فيوشك أن يشعل غيرهم فوانيس النفاق كما فعل “مجاهدو خلق” في إيران وكما تخطط ايديولوجية “جغرافية الكلام” ليصلوا إلى مقادة الحكم باسم العدل فيطفئوا نجوم الهداية وشموس الصراط المستقيم باسم العلمانية الثورية والعلمية.

في المسألة الاجتماعية تكمن أسباب الزيغ والانحراف، في وجود الفقر في جانب والغنى في جانب، في تركب الظلم السياسي على التفاوت الطبقي وتولد هذا من ذاك وفي المسألة الاجتماعية تكمن الغيوم المظلمة التي تلبد سماء النفوس والعقول، فتتعتم الطريق وتتقتم.

دعنا من الفلسفة المادية الجدلية، ومن التحليل التاريخي الماركسي إلى حين. ولنضع بين يدي حديثنا عن الماركسية ومع الماركسين معلمة من معالم الهدي النبوي لنشرة منها على أرض المعركة بين الحق والباطل، هذه الأرض السياسية النفسية الفكرية الضاربة في أعماق الفطرة الإنسانية، المتجلية في الغضب على الظلم،ذلك الغضب الذي يزيغ القلوب ويقلب موازين العقول، كما يزيغها الاستكبار الطبقي أصل البلاء.

يقول أبو الدرداء صاحب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجة عنه رضي الله عنه بسند حسن: “خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لتصبن عليكم الدنيا صبا، حتى لا يزيغ قلب أحدكم ازاغة الاهيه! وايم الله! لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء “. فقال ابو الدرداء: ” صدق والله رسول الله صلى الله عليه وسلم، تركتنا والله على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء. “

إنها معضلة ثلاثية الحد قوية التحدي أمام الأمة الإسلامية، اختيار حاسم وملح، اختيار بين إسلام صوري أمريكي يغطي بجلبابه الطبقية الشنيعة والتبعية واستقرار اليهود في القدس وأمنهم، وبين عدالة اشتراكية ماركسية روسية تعادي الإسلام وتغطي تبعية مثل تلك، وطبقية لا تخجل أمام تلك، وامنا لا يقل لإسرائيل ولمصالح الروس عن ذاك. والخيار الثالث الصعب هو خيار المحجة البيضاء التي تركهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترف بوضوحها أبو الدرداء، واعتز باتباعها عمر، وعرض برنامجها، بوضوح ساذج من الصنعة الفلسفية ناصع، ربعي بن عامر رضي الله عنهم أجمعين.