صدر هذه الأيام كتاب جديد للباحث الدكتور محمد شقير بعنوان: “الفكر السياسي المغربي المعاصر”، ليتوج به باقي كتبه؛ “القرار السياسي بالمغرب”، “التنظيمات السياسية بالمغرب” و”تطور الدولة بالمغرب”…

صدر الكتاب عن “إفريقيا الشرق”، في ثلاث مائة وأربع وتسعين صفحة، من الحجم المتوسط، وشمل، بالإضافة إلى المدخل، ثلاثة أقسام.

لماذا تسليط الضوء على هذا الكتاب؟

كتاب يستحق تسليط الضوء عليه ليس فقط لأن كاتبه من الباحثين المجدين في العلوم السياسية، وليس فقط بسبب ثراء مضامينه ووضوح منهجه، وليس فقط بتقديمه لنصوص ثمينة تلخص أهم الأفكار السياسية لرواد الفكر السياسي المغربي المعاصر.

كل ما تقدم مزايا مشهود بها للكاتب في كتابه الأخير وفي غيره من كتبه، لكن مزية المزايا في هذا المولود الفكري الجديد، هي المساهمة في فك حصار يضرب على فكر الأستاذ ياسين.

فرغم أهمية المشروع الفكري الذي بذل الأستاذ عبد السلام ياسين جهدا استغرق سنوات لترصيصه، وتنظيمه، وتوضيحه، وتفصيله، واستشراف آفاق تنزيله، فإنه يحاصر أحيانا بدوافع سياسية محضة، وأحيانا أخرى بمبررات غياب الأكاديمية والمنهج العلمي .. وهي مبررات واهية بشهادة بعض الأكاديميين والعلميين أنفسهم كما سنرى..

قليلون هم الذين تنتصر موضوعيتهم على الحسابات السياسية، أو بالأحرى السياسوية الضيقة، ويغلب إنصافهم وعدلهم كل هواجس التخويف والتصنيف.

منذ سنوات كتب محمد ضريف  ويكتب- بموضوعية عن الأستاذ ياسين، وعن جماعة العدل والإحسان، وقد عرضه ذلك لردود فعل من جهات مختلفة. وها هو صاحبه محمد شقير، الذي نهل معه من نفس العلوم (العلوم السياسية)، وكتب معه في نفس المجلة (المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي)، ينسج على نفس المنوال؛ بالاطلاع المباشر على فكر الأستاذ ياسين دون وسائط، بعيدا عن الأحكام المسبقة . إنها لنعم الرفقة هذه التي تسري عبر مسالكها شيم الإنصاف والعدل، ومكارم إنزال الناس منازلهم، أو على الأقل محاولة ذلك، دون تفريط أو إفراط.

لا يعني هذا موافقة محمد شقير وكذا محمد ضريف في كل ما يذهبان إليه. بكل تأكيد هناك ملاحظات عديدة، واختلافات تكاد تكون جوهرية أحيانا. ولكن يشفع لصاحبينا بذل الجهد، واستفراغ الوسع، وتحري الكنه، ونشدان الحقيقة، بعيدا كل البعد عن تحريف المحرفين وتأويل المغرضين.

يقول شقير في الصفحة 213: “سيكون من الصعب جدا، إقناع العديد من الباحثين والمختصين في علم السياسة بإدماج كتابات عبد السلام ياسين الغزيرة ضمن الفكر السياسي المغربي المعاصر. إذ سيجادل بعضهم بأن “الطابع التصوفي” لهذه الكتابات والمتسم باستخدام مجموعة من المصطلحات المنتقاة من القاموس الصوفي، أو تبني مكونات الخطاب الأصولي، وحتى استعمال بعض المفاهيم والصيغ الأخلاقية، يجعل هذه الكتابات بمنأى عن مواصفات النص السياسي الأصيل. فالخلط في كتابات عبد السلام ياسين بين ما هو أخلاقي وصوفي وبين ما هو سياسي؛ واللجوء إلى أساليب تجمع بين التعابير الأدبية والاستعارات الصوفية يمكن أن تشكل تبريرا لاعتبارها نصوصا غير سياسية وبالتالي إقصائها عن مجال الفكر السياسي المغربي الحديث.

غير أن المتمعن جيدا في نصوص عبد السلام ياسين سيجد أنها، رغم تفردها بأسلوبها الصوفي الذي تطغى عليه المباشرية والخطابية واختلاف تعابيرها وصيغها التي قد تصل في بعض الأحيان إلى حد الاستغلاق؛ فإنها تبقى مع ذلك نصوصا سياسية مكتملة نتيجة لعدة اعتبارات من أهمها:

– تمحور هذه النصوص حول مشروع سياسي متكامل يطمح إلى تغيير الأوضاع السائدة على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.

– تضمن هذه النصوص لأفكار سياسية حول النظام السياسي المغربي القائم سواء من خلال طبيعة السلطة أو مشروعيتها؛ وكذا حول طبيعة النخبة السياسية المغربية من حيث خطابها وسلوكها وثقافتها السياسية.

– مناقشة هذه النصوص لمفاهيم سياسية مثل الديمقراطية، والشرعية واللائكية وحقوق الإنسان إلى غير ذلك من المفاهيم المتداولة ضمن المنظومة السياسية المغربية المعاصرة.”

ويقول أيضا وهذه المرة في ظهر الكتاب:

“إذا كان كل من هؤلاء المفكرين والمنظرين السياسيين( يقصد علال الفاسي ومحمد حسن الوزاني و عبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة) قد ساهموا بشكل كبير في وضع اللبنات الأساسية للفكر السياسي المغربي المعاصر، فإن تطويره رهين بظهور منظرين آخرين يمكنهم متابعة هذا المشوار، الشيء الذي ما زلنا نفتقده على الساحة السياسية، فإذا استثنينا كتابات عبد السلام ياسين، يلاحظ أن هناك جدبا فكريا ينعكس من خلال غياب مشاريع سياسية، وانعدام أي نقاش سياسي، وتشابه في البرامج الحزبية في الوقت الذي يواجه فيه المغرب إشكالية الحداثة السياسية بكل ضغوطاتها الداخلية وتلاوينها الجهوية والدولية!!”.

لمحة عن مضامين الكتاب:

في الواقع يصعب عرض مضامين الكتاب في مقال أو مقالين؛ نظرا لغزارته بالنصوص الهامة، التي ينبغي الوقوف عندها للتدقيق في ما حوته من أفكار.

ولكن حسبي في هذه السطور أن أقدم لمحة عامة عن الكتاب، مبينا لمحاوره ومستشهدا ببعض فقراته.

ينقسم الكتاب، كما سبقت الإشارة، إلى مدخل وثلاثة أقسام. يتناول المدخل (من ص 5 إلى ص67) تبلور الفكر السياسي المغربي المعاصر، وذلك من خلال التطرق إلى تطور هذا الفكر، وإلى خصائصه ومضمونه. ففيما يتعلق بالتطور ميز الباحث بين الخطاب السياسي، ويقصد بذلك ما تضمنته كتابات المفكرين المغاربة من فقهاء وأدباء ومتصوفة ومؤرخين، وبين الفكر السياسي، حيث شكلت بداية القرن العشرين مرحلة مخاض ليتحول الخطاب السياسي إلى تصورات فكرية حول الشأن السياسي.

ويقسم الخطاب السياسي إلى خطاب سلطاني (خطاب الفقهاء الموجه إلى السلاطين) وخطاب صوفي (خطاب الزوايا) وخطاب إخباري (الخطاب الذي يشكل أداة دعائية للسلطة). أما الفكر السياسي فقد تبلور بفعل النهضة الفكرية (الصحف، البعثات الطلابية …) ،وإدخال المؤسسات الغربية (الحريات العامة، المؤسسات الانتخابية)، وعصرنة الدولة.

والفكر السياسي المغربي المعاصر في نظر شقير تحكمه ثلاث خصائص؛أولها أنه فكر عملي، بمعنى أن رواد الفكر السياسي المغربي المعاصر، والذين يحددهم في: علال الفاسي، ومحمد حسن الوزاني، وعبد الله إبراهيم، والمهدي بن بركة، وعبد السلام ياسين كانت لهم تجارب وممارسة داخل الحقل السياسي المغربي.

أما الخاصية الثانية فهي أنه فكر جدلي، ومبعث تلك الجدلية حسب الباحث أربعة أمور هي:

– استناده إلى مرجعيتين فكريتين مختلفتين؛ مرجعية إسلامية ومرجعية غربية.

– انغماره في الممارسة السياسية.

– اقتباسه من عدة منظومات سياسية.

– تصادم البنية المخزنية مع البنية العصرية داخل الدولة المغربية المعاصرة.

والخاصية الثالثة فهي السجالية، في هذا الصدد يقول الباحث في الصفحة 42:

“إن انفراد المفكر السياسي المغربي بالزعامة داخل التنظيم السياسي الذي ينتمي إليه لا ترجع فقط إلى خصائص شخصيته، وشرعيته النضالية، بل أيضا للإمكانيات العلمية والفكرية التي يتوفر عليها.

وهكذا نجد أن علال الفاسي ومحمد حسن الوزاني وعبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة وعبد السلام ياسين لم يكونوا فقط زعماء سياسيين بنضاليتهم ومواقفهم السياسية والتنظيمية بل بما كانوا يبلورونه من أفكار وأدبيات عادة ما كانت تشكل الدعائم الإيديولوجية والفكرية للتنظيمات التي شكلوها أو كانوا ينتمون إليها.

وبالتالي، فإن هذه الزعامة تطلبت من هؤلاء الرواد، الدخول في سجالات سياسية لتأكيد صحة أفكارهم والدفاع عنها”.

ويتجلى مضمون الفكر السياسي المغربي المعاصر  حسب شقير دائما- في إرساء الملكية الدستورية، إرساء المجتمع المدني، إرساء الظاهرة الحزبية، مميزات النقابة، ومميزات الحزب السياسي.

يحمل القسم الأول من الكتاب عنوان: “إصلاح نظام الحكم بالمغرب”، وينقسم إلى محور أول بعنوان: “الحكم بين التعددية والتقييد” (المنظور السياسي لمحمد حسن الوزاني)، ومحور ثاني بعنوان: “الحكم بين الإصلاح والحرية” (المنظور السياسي لعلال الفاسي). وقد كان هذا القسم كما هو حال باقي أقسام الكتاب غزيرا بالنصوص التي تبرز إشكالية نظام الحكم بالمغرب في نظر هذين المفكرين.

فالفكر السياسي “الوزاني” يتحدد في ثلاثة عناصر وهي:

أولا: مصدر الحكم؛ حيث عمل الوزاني من خلال كتاباته على دحض نظرية الحق الإلهي، كما عمل على إبراز الركائز الأساسية للحكم الإسلامي، والتي هي: – الأمة مصدر السلطة – السلطة مقيدة برعاية مصالح الأمة  الشورى – مسؤولية السلطة الحاكمة – حرية الرأي.

ثانيا: فساد الحكم، وأسباب ذلك: – الدستور الممنوح – الديمقراطية المزيفة.

أما مظاهر هذا الفساد  حسب الوزاني دائما- فإنها تتجلى في: – سوء التسيير – انتشار الرشوة – التبذير.

ثالثا: إصلاح الحكم؛ وذلك عن طريق قيادة الملك والنخبة السياسية لانقلاب من أعلى في اتجاه تحقيق العدل والمساواة، وإقرار تعددية حزبية حقيقية.

وفيما يتعلق بالإنتاج الفكري الغزير والمتعدد لعلال الفاسي، فقد تمحور الجانب السياسي منه في ثلاثة مرتكزات أساسية وهي:

أولا: إقرار ملكية دستورية؛ من خلال وضع الدستور، ومنحه المكانة اللائقة. وإناطة الوزراء بمسؤولية واضحة؛ لأن غياب ذلك يؤدي إلى مسؤولية مباشرة للملك أمام الشعب. وفي الأخير ترسيخ مشاركة شعبية واسعة.

ثانيا: إقرار نظام للحريات العامة؛ حيث شدد علال الفاسي على حرية الفكر وحرية الوطن وحرية الفرد، وينقسم هذا المستوى الأخير إلى حرية شخصية وسياسية واقتصادية.

ثالثا: إقرار تعادلية اجتماعية؛ عن طريق تقنين الملكية الفردية وخلق مجتمع متضامن.

وإذا كان كل من محمد حسن الوزاني وعلال الفاسي رحمهما الله، هما رائدا الفكر السياسي المغربي المعاصر المتعلق بإشكالية إصلاح نظام الحكم، فإن عبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة هما رائدا هذا الفكر فيما يتعلق بإشكالية تحديث نظام الحكم (موضوع القسم الثاني).

يرى عبد الله إبراهيم أن المكونات التقليدية للحكم بالمغرب هي التي شكلت أحد الأسباب الكامنة وراء وضعيته المتخلفة، ويحدد هذه المكونات في المرجعية “اللاهوتية” والأساس الفردي للحكم.

وتتركز الوسائل المنتهجة  حسب عبد الله إبراهيم- لتكريس فردانية الحكم فيما يلي:

“1. الدين كسلاح اجتماعي في خدمة الأغراض السياسية.

2. القوة الصارمة الآخذة على العموم بالظنة.

3. إثارة النزاعات بين القبائل أحيانا لإضعافها وصرف أفرادها عن الاشتغال بأمور السلطة المركزية.

4. القضاء على الشخصيات القومية في الشعب كيفما كان نوع نشاطها أو تسخيرها تسخيرا أعمى للحكم”. (ص 146)

ويسرد شقير بعض النصوص المستقاة من كتابات عبد الله إبراهيم، التي تبين بوضوح أزمة الحكم التاريخية بالمغرب، والتي تتمثل أساسا في تلك التعثرات السياسية والاقتصادية المتوالية، وتلك الإخفاقات الداخلية والخارجية المتكررة.

ويقترح عبد الله إبراهيم للخروج من هذه الوضعية تغيير علاقات الإنتاج السائدة، وتعويض الفلاحين وإشراكهم في إدارة شؤونهم المحلية.

ومن الأمور التي اهتم بها عبد الله إبراهيم، بالإضافة إلى تخلف بنية الحكم، وتعثراته التاريخية، أمر المشاركة الشعبية في الحكم. يقول في هذا الصدد: “الشعب الذي لا يعرف بوضوح ماذا يريد، ولا يمكن لإرادة أفراده أن تتجمع وتتكتل مطلقا، في إرادة واحدة، لا يمكنه أن يحقق ما قد يريد، هو مجرد مجموعة من البشر بدائية، مهما كان مستوى البعض فيها ماديا أو ثقافيا، شاكة، متناقضة، شقية، منهارة، تستطيع أية قوة منظمة من الداخل أو الخارج، أن تفعل بها ما تريد، وتتصرف في مصيرها كيفما تريد.” (ص 163)

ويقول أيضا: “إن الجماهير المنظمة الواعية، هي وحدها الجماهير القادرة على التغيير. تمضي السنون وتتعاقب الأحداث على المغرب، وهذه الحقيقة قائمة الذات كالصخر. لا تزيدها الأحداث والسنون إلا ثباتا على ثبات. وعندما تكون الجماهير الشعبية في حالة عدم تعبئة، لا نظاميا ولا نفسيا، فلا يمكنها أن تكون، تاريخيا، قوة للتغيير” (ص 165)

ويؤكد الباحث ذلك بقوله: “فكرة العدد، وعدالة القضية، والأوضاع المزرية للجماهير لا يمكن أن تحقق أية نتيجة بدون تنظيم سياسي محكم ومتين. لذا أكد عبد الله إبراهيم على ضرورة أن يتميز الحزب الجماهيري بالتنظيم الهيكلي المحكم والابتعاد عن التلقائية الجماهيرية”. (ص165)

وفيما يرتبط بالمهدي بن بركة، فإن شقير افتتح الحديث عنه بهذه العبارات:”من الصعب جدا تصنيف المهدي بنبركة كمفكر سياسي فقط، إذ أن “حيويته” التنظيمية وزخم حياته السياسية، وطبيعة شخصيته المندفعة باستمرار لا تسمح بتصنيفه ضمن “خانة المثقفين والمفكرين السياسيين” وما يصاحب ذلك من التأمل النظري والصياغات الفكرية …

كما أن حياته السياسية المضطربة، التي طبعها، الاعتقال، والنفي، والملاحقة، ثم الاغتيال، لم تترك المجال لهذه الشخصية لتبلور أفكارها السياسية في مناخ يوفر شروط التأمل والتمحيص والتفكير العميق، التي يحتاجها كل مفكر أو منظر في بلورة أفكاره وتصوراته السياسية.” (ص 183)

لكن رغم كل هذه الخصائص فإن بن بركة  حسب الباحث- يعتبر “مفكرا سياسيا طبع الحياة السياسية المغربية المعاصرة”. وتتمحور أهم أفكاره حول تجديد بنية الحكم المتخلفة، وذلك من خلال تحديث المجتمع والسلطة والحزب.

تحديث المجتمع عن طريق محاربة الأمية وتطوير الاقتصاد، من خلال تحقيق تنمية اقتصادية (عصرنة النظم الفلاحية، تطبيق الإصلاح الزراعي) وتوزيع عادل للثروة الوطنية.

أما تحديث السلطة فلا بد له من دمقرطة الحياة السياسية وتقعيد المشاركة الشعبية. في حين يكون تحديث الحزب بتقوية التنظيم الحزبي وهيكلته وفق خاصيتين تنظيميتين وهما: الوضوح الإيديولوجي والديمقراطية المركزية.

خصص الباحث القسم الثالث  وهو أطول من القسمين السابقين مجتمعين- للحديث عن المشروع السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين، و تناول هذا المشروع من خلال ثلاثة أبعاد أساسية: تلوث الحياة السياسية  تأصيل البنية السياسية  بناء الدولة الإسلامية.

ففيما يرتبط بتلوث الحياة السياسية وقف شقير عند وصف الفتنة، الذي يصف به الأستاذ ياسين المجتمع، يقول الباحث: “بخلاف كتابات أبي الأعلى المودودي وكتابات غيره من المفكرين الإسلاميين التي تستند على مفهوم “جاهلية المجتمع الإسلامي” و”تكفيره”، يرى عبد السلام ياسين أن المجتمع المغربي ليس مجتمعا “جاهليا أو كافرا” بل هو مجتمع مفتون. لأن وجود نخبة سياسية فاسدة وقيام حكم قهري لا يبرر بالضرورة نعت كل المجتمع بالكفر والجاهلية.” (ص216)

وبعد أن شدد شقير على أن لمفهوم الفتنة أبعادا سياسية وليس فقط دينية استنتج من خلال كتابات الأستاذ ياسين أن أبرز عوامل تكريس الفتنة تكمن في اللاييكية والتغريب والعقلانية، وقدم العديد من النصوص التي تؤكد -في رأيه- ذلك. فبخصوص هذا العامل الأخير؛ أي العقلانية فقد أورد نصا طويلا من كتاب “حوار بين الماضي والمستقبل” جاء فيه:

“العقلانية التي نرفضها هي التي تصفح عن خبثها وغبائها وتخلفها عندما ترفض كل مصدر للمعرفة غير العقل العالمي الضروري المزود بمسبقاته الفلسفية كما رسمها كانت والفلاسفة من قبله.” (ص 237)

وبعد المجتمع المفتون هناك النخبة المترفة بصفتها عامل من عوامل تلوث الحياة السياسية. والترف نوعان؛ فكري ومادي. يقول الباحث:”يرى ياسين بأن النخبة السياسية المغربية الحالية تدخل ضمن “الفئة المترفة” نتيجة لتأثرها بقيم التغريب وتشبعها بقيم الإلحاد؛ بخلاف النخبة السياسية المغربية السابقة التي حافظت على “قيمها الإسلامية” ودافعت عن فطرتها السياسية ضد مختلف التأثيرات التغريبية والإلحادية مستشهدا في هذا السياق بشخصيات سياسية كأمثال عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي ومحمد حسن الوزاني.” (ص 238)

ويقول أيضا:”يرى الشيخ ياسين أنه إلى جانب الترف الفكري الذي استشرى؛ هناك الترف المادي الذي ينغمس فيه أعضاء هذه النخبة. ويرجع أصل هذا الترف المادي إلى استغلال هؤلاء “لريع الاستقلال” فانقضوا على كل المكاسب السياسية واستولوا على الجزء الأكبر من الثروة الوطنية واحتكروا كل المناصب السياسية والإدارية وهيمنوا على كل دواليب الاقتصاد المغربي.” (ص 243)

أما العامل الثالث في تلوث الحياة السياسية فهو الحكم الجبري: و”عرف الشيخ ياسين الحكم الجبري أو الحكم العاض بأنه النظام التسلطي غير الشوري مستندا في ذلك إلى التسمية الواردة على لسان النبي محمد (أقول صلى الله عليه وسلم) بهذا الشأن.

وقد اعتبر أن هذا النظام هو السبب الأساسي في كل الانحطاط الذي عرفه المجتمع الإسلامي عبر تاريخه؛ فهو الذي هيأ للتخلف الفكري والديني والاجتماعي والسياسي.” (ص 246)

وعن تأصيل البنية السياسية يقول شقير: “يرى عبد السلام ياسين أن البنية السياسية بالمغرب لا تتميز بتلوث مناخها والعلاقات التي تسود الفاعلين فيها؛ بل تتميز قبل كل شيء بهجانتها وعدم انسجامها الشيء الذي يتطلب إعادة تأصيل أسسها ومكوناتها من خلال إضفاء الروح الإسلامية عليها. ويقوم هذا التأصيل السياسي في نظره على ثلاث أسس رئيسية: تخليق الديمقراطية  تربية النخبة السياسية  إلغاء الحكم الجبري.” (ص 251)

ليورد بعد ذلك نصوصا طويلة من كتابي “العدل، الإسلاميون والحكم” و”الشورى والديمقراطية” للأستاذ عبد السلام ياسين تتحدث عن الديمقراطية، عن تخليقها ومساقها ومكوناتها؛ وعن المأخذ الجوهري عليها (الفلسفة العلمانية) … وتتحدث أيضا عن أمر الشورى وسياقه…

وكان نفس الأمر بخصوص تربية النخبة السياسية، بحيث تضمن هذا الفصل نصوصا طويلة عن التربية وشروطها ووسائلها، وعن خصال الإيمان وشعبه، وعن الجهاد وأبوابه. يقول الباحث في هذا الصدد:

“يعتبر عبد السلام ياسين أن الجهاد هو أهم الخصال التي ينبغي أن تتوفر في أعضاء الجماعة. فالجهاد في نظره هو الغاية الأساسية من كل ما يتلقاه العضو من تكوين داخل الجماعة.

إذ أن كل الخصال التي سيكتسبها العضو تهدف في آخر المطاف لتقوية الجانب الجهادي وتمتينه لكي يستطيع أن يمارس مهمته في التغيير والقومة الإسلامية. لذا فقد استفاض عبد السلام ياسين في ذكر مزايا الجهاد ودوره المحوري في كل العملية التربوية والتنظيمية التي دعا إليها؛ مستشهدا بكل الأقوال والأحاديث المأثورة التي حثت على الجهاد في التاريخ السياسي الإسلامي”. (ص 308)

وعن إلغاء الحكم الجبري يقول شقير:”يعتبر عبد السلام ياسين أن الحكم الجبري هو من أهم أسباب انتشار الفتنة داخل المجتمع المغربي وسبب الانحلال السياسي الذي يتخبط فيه.

لذا فإن استبدال هذا الحكم يعتبر من ضمن أولويات المشروع السياسي “الياسيني” نظرا لأنه في نظره يفتقد لأية مشروعية سياسية؛ فهو قائم على الشوكة والتسلط، كما يعتبره استمرارا للحكم العاض الذي دشنه معاوية بن أبي سفيان بتوريث الملك لابنه يزيد وتكريسا لقرون من جور هذا النظام وجبروته”. (ص 324).

أما البعد الثالث في المشروع السياسي للأستاذ ياسين، والمتعلق ببناء الدولة الإسلامية، فقد تحدث عنه الباحث تحت عنوان: “إقامة الخلافة الإسلامية”. في هذا الصدد يقول شقير:”ينطلق عبد السلام من تصور دائري للتاريخ السياسي الإسلامي متبنيا في ذلك المنظور الخلدوني لتطور الدولة الإسلامية. فهو يرى أن هذه الدولة قد بدأت بالخلافة وستعود بخلافة ثانية بعد أن تجتاز مرحلتي الحكم العاض والحكم الجبري.” (ص351)

ويقول أيضا:”لكن في انتظار إقامة الخلافة الإسلامية الثانية من جديد؛ أكد عبد السلام ياسين على ضرورة بناء الدولة الإسلامية القطرية من خلال:

– تطبيق الشريعة الإسلامية

– إرساء قواعد النظام الاقتصادي الإسلامي.

– توحيد الأمة الإسلامية.” (ص 356)

وحسب الباحث دائما فإن تطبيق الشريعة في المشروع السياسي للأستاذ ياسين لن يتحقق تحقيقا فعليا وكليا إلا بتحقق ثلاث عناصر أساسية: تجاوز الواقع الفتنوي  الاجتهاد الجماعي- التدرج.

وفيما يرتبط بإرساء دعائم الاقتصاد الإسلامي، فإن ذلك يتطلب سياسة اقتصادية إسلامية تقوم على التخطيط والتقويم والعدل، وميزانية إسلامية…

ويتطلب توحيد الأمة الإسلامية  حسب الباحث- في نظر الأستاذ ياسين تحقيق ثلاثة شروط: تجاوز الحدود القطرية، التنسيق بين الحركات الإسلامية القطرية، التكامل الإسلامي.

ويختتم محمد شقير هذا القسم بقوله:” .. وإجمالا؛ فإن عبد السلام ياسين قد تميز عن كل من علال الفاسي ومحمد حسن الوزاني، وحتى بن بركة وعبد الله إبراهيم؛ بأن جعل من المقولات الإسلامية أرضية أساسية في طرح مشروعه السياسي الذي يقوم على استحالة الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي. فاللاييكية هي مقولة لا مشروعية لها ضمن المشروع “الياسيني”…” (ص 390)

ملاحظات أولية:

رغم أهمية كتاب “الفكر السياسي المغربي المعاصر” فإنه، وكسائر الأعمال البشرية، يمكن تسجيل بعض الملاحظات عليه. فهناك بعض الملاحظات الشكلية كنسبة كتاب “التناوب على الحصار” لعبد المعطي مجدوب، في حين أن الإسم الحقيقي لصاحبه هو “عبد العلي مجدوب”. وكعدم احترام العناوين المعلنة في التقديم للقسم الثالث؛ حيث أعلن الباحث أنه سيتم تناول المشروع السياسي للأستاذ ياسين من خلال ثلاثة أبعاد وهي: تلوث الحياة السياسية  تأصيل البنية السياسية  بناء الدولة الإسلامية، إلا أن الباحث في تناوله لهذه الأبعاد غير عنوان البعد الثالث ليصبح “إقامة الخلافة الإسلامية” الأمر الذي يمكن أن يحدث اضطرابا لدى القارئ، خاصة والأستاذ عبد السلام ياسين يميز في مشروعه تمييزا واضحا بين الخلافة على منهاج النبوة والدولة الإسلامية القطرية. ودون توسع في الملاحظات الشكلية أشير إلى بعض الملاحظات التي أعتقد أنها أساسية وهي:

1. في المدخل حدد شقير مضمون الفكر السياسي المغربي المعاصر في: – إرساء الملكية الدستورية  إرساء المجتمع المدني  إرساء الظاهرة الحزبية  مميزات النقابة  مميزات الحزب السياسي. وهذا التحديد يثير في اعتقادي لبسا من جهتين؛ فمن جهة كلمة “إرساء” قد توحي بأن كل رواد الفكر السياسي، بما فيهم الأستاذ ياسين، كان همهم ونقاشهم وإسهامهم الفكري حول إرساء الملكية الدستورية والمجتمع المدني … الأمر الذي ليس صحيحا بالمرة. ومن جهة أخرى فإن اعتبار الأستاذ ياسين من رواد الفكر السياسي المعاصر كان يقتضي عدم الاقتصار على تلك المضامين، التي  أو على الأقل بعضها- لا تشكل في حقيقة الأمر عند الأستاذ ياسين إلا عناصر في قراءة الواقع السياسي المغربي، أما الجانب الاقتراحي في فكره السياسي فإنه يتمثل في مفاهيم ومضامين أخرى كان من الأولى إدراجها نذكر منها مثلا: الشورى  جماعة المسلمين  الخلافة على منهاج النبوة  الميثاق الإسلامي  العمران الأخوي …

ولا يشفع  في اعتقادي- للباحث ذكر بعض هذه المضامين في القسم الثالث، لأن الأمر يرتبط بعنوان: “مضمون الفكر السياسي المغربي المعاصر”، ويتحدد في المدخل الذي يكتسي أهمية خاصة.

فكان من الأولى توسيع ما ورد تحت فصل “مضمون الفكر السياسي المغربي المعاصر” ليشمل المفاهيم الأساسية عند كل أولئك الرواد،أو يتم التخلي عن هذا المحور بالمرة،ليتم الرجوع إلى ماور د فيه عند الحديث عن كل مفكر من المفكرين السياسيين.

2. عنون شقير أقسام كتابه الثلاثة بـ”إصلاح نظام الحكم”، “تحديث نظام الحكم”و “تغيير نظام الحكم” دون أن يحدد المقصود بالإصلاح والتحديث والتغيير، مع ما يوجد من تقارب وتداخل بين هذه المصطلحات. ما الفرق بين التحديث والإصلاح؟ ألا يمكن أن يكون الإصلاح تحديثا؟ألا يمكن أن يكون التحديث تغييرا ؟ ثم أليس التغيير إصلاحا؟ خاصة عندما نستحضر الإصلاح بمعناه القرآني والنبوي، وكما تناوله الأستاذ ياسين في كتابه: “رجال القومة والإصلاح”…

فرغم أن النصوص السياسية الواردة تشير في بعض عباراتها، وأحيانا فيما بين سطورها، إلى ما يمكن أن يكون من فروق بين هذه المفاهيم، أعتقد أنه كان من الضروري تحديد المقصود منذ البداية تجنبا لكل التباس محتمل.

3. أعتقد أن محاولة إقحام كل المشروع التغييري للأستاذ ياسين في قالب سياسي دون استحضار إشكاليات كبرى في فكر ه ، كإشكالية الدعوة والدولة، كان له أثر سلبي واضح على بعض ما جاء في الكتاب.

إذ يبدو من بعض الفقرات أن السياسة هي الموجه لفكر الأستاذ المرشد، وأن كل ما قام به الرجل، ودعا إليه كان فقط لخدمة أهداف سياسية، بما في ذلك التربية. يقول شقير:”خصص عبد السلام ياسين للجانب التربوي حيزا مهما في مشروعه السياسي والنظري. فالتربية تشكل ركنا أساسيا في أفكاره السياسية؛ حيث ركز عليها في جل كتاباته” (ص288)

ويقول أيضا:”لذا فقد خصص عبد السلام ياسين “منهاجه النبوي” للتربية كوسيلة لتنشئة أعضاء جماعته الذين سيشكلون في نظره النخبة السياسية البديلة التي ستتكلف بمهمة تغيير نظام الحكم بالمغرب أو ما سماه “بالقومة الإسلامية”. (ص288)

والمطلع على فكر الأستاذ ياسين، والمعايش لمشروعه التغييري، يعلم أن ذلك غير صحيح. فالرجل قبل أن يكون مفكرا سياسيا، وقبل أن يكون سياسيا محنكا، فهو داعية إلى الله عز وجل، ومرشد ومربي. كل أقواله وأعماله للدلالة على الله، وفقط للدلالة على الله  ولا نزكي على الله أحدا-. فالعدل السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أورد بعض نصوصه محمد شقير في كتابه ليس إلا جزءا من المعادلة. والعدل لا قيمة له إذا لم يكن مطية لمعرفة الله وعبادته. الإحسان جوهر القضية عند الأستاذ ياسين، بل هو قضية القضايا.