ما هو تقييمكم للوضع السياسي والاجتماعي الراهن في بلادنا؟ وهل هناك بالفعل أزمة سياسية وما هي تجلياتها؟ وهل اتضحت سياسة الملك محمد السادس بعد مرور أزيد من أربع سنوات على اعتلائه العرش؟

إن الواقع المغربي يعرف إفلاسا على جميع المستويات بما فيها الاجتماعي والسياسي، بل الأزمة الآن بلغت مراحل الاختناق بعد عجز النظام عن تدبير كل الملفات، وهذا أمر متوقع لأن أزمة البلد هي أولا أزمة نظام قائم. فمسار الديمقراطية لم يسلك طريقه بعد، لا يزال الدستور ممنوحا وسلطات المخزن هي نفسها، ومؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية مؤسسات صورية لا تملك سلطة حقيقية. فما المتغير حتى يتغير الفساد السياسي والاجتماعي؟

على إثر النقاش الدائر في أعقاب الحسم في مشروع مدونة الأسرة اعتبرت الجماعة على لسان ندية ياسين، التي وقعت مقالا بالموقع الإلكتروني “الجزيرة نيت” بوصفها الناطقة باسم جماعة العدل والإحسان، أن التعديلات الجديدة ليست اجتهادا حقيقيا، وإنما هي قراءة أخرى في المذهب المالكي، كما أكدت أن من حق جماعة العدل والإحسان التحفظ على جدوى هذه التغييرات، وتعجبت من شبه الإجماع على المشروع والتصفيق له لمجرد أنه نابع من إرادة الملك، رغم عدم استجابته للمطالب الأصلية لتلك الأطراف … ما هو تقييمكم لمدونة الأسرة بعد مرور سنة على تطبيقها؟ وهل غيرتم موقفكم منها؟ وهل توقيعكم على المقال المذكور باسم الناطقة باسم جماعة العدل والإحسان يعكس الواقع فعلا أو هو مجرد “سهو” أم ماذا بالضبط؟

لابد في البداية من توضيح، الناطق الرسمي باسم الجماعة هو الأستاذ فتح الله أرسلان، وما تنشره الصحافة فلها أن تتحمل مسؤوليتها فيه. أما بخصوص السؤال، فإن موقفنا هو في نظام أصوله فاسدة وبذلك نعتبر أن أي مشروع لابد لتنزيله من شروط تضمن نجاحه، فلا بد إذن من قواعد ثلاثة ضرورية: الشورى بديلا عن احتكار السلطة، العدل بديلا عن احتكار الثروة والإحسان أي التربية الدينية الإيمانية الكفيلة بتغيير عقليات وذهنيات وتحرير إرادات، لكن بوجود الفقر والجهل والظلم وغياب إرادة حقيقية للتغيير ماذا عسانا أن نتوقع؟ في غياب مشروع مجتمعي متكامل يكون حضور المرأة فيه باعتبارها فاعلا أساسيا في عملية التغيير لا مجرد ورقة سياسية لتلميع صورة النظام داخليا وخارجيا ولمعلوماتك تخوفنا منه، ومع ذلك لا زلت أؤكد على أن ما توصلت إليه مدونة الأسرة إضافة إلى كونه لم يلامس العمق والشمولية في قضية المرأة، فهو يظل بعيدا عن الآفاق التي تفتحها الشريعة الإسلامية لكل من المرأة والرجل في مجال حقوقهما المتعددة.

ما هو موقفكم من مشروع قانون الأحزاب الذي صاغته وزارة الداخلية؟

أنا أستغرب لمثل هذه القوانين المتغيرة في بلدنا، فالقوانين المغربية كلها تحركها المقاربة الأمنية، والضغوطات الدولية والسعي إلى سد المنافذ أمام الحركة الإسلامية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فهذه القوانين ما هي إلا تحصيل حاصل، فما هي وظيفة الأحزاب ببلدنا؟ إنها تؤدي دورها بامتياز في مسرح المخزن شأنها شأن باقي المؤسسات، فأحزابنا المسكينة بهذا القانون أو بذاك لا تعكس تعددية حقيقية، فهي لا تملك مشاركة حقيقية في السلطة وحتى المعارضة فما هي إلا فصل من فصول المسرحية المخزنية، ما نحتاجه ليس قانونا جديدا، بل ميثاقا وعقدا اجتماعيا يصاغ على أساس شروط ديمقراطية حقيقية تؤسس لتعددية حقيقية تضمن حق التداول على السلطة بالاحتكام إلى صوت الشعب ورأيه.

صرح الشيخ عبد السلام ياسين زعيم جماعة العدل والإحسان مباشرة بعد رفع الحصار عنه جوابا عن سؤال، طرحته عليه جريدة “إلباييس” الإسبانية في سياق حوار أجرته معه بتاريخ 23 يوليوز 2002، حول إمكانية تكوين حزب سياسي، بأن السلطة السياسية قد عرضت على الجماعة سنة 1991 ذلك شريطة الاعتراف بإمارة المؤمنين لكنها رفضت، وعن سؤال حول إمكانية تقديم نفس العرض من طرف الحكم الجديد بأنه “لا شيء تغير في الموقف”، فهل سيظل للجماعة نفس الموقف إذا ما تم طرح الموضوع عليها من جديد؟

إن كان هناك من تميز بثبات مواقفه، فهو جماعة العدل والإحسان، فهذا طبعا سوف لا يتنافى مع إيماننا بالتطور ومواكبة المتغيرات دون الخروج عن مبادئنا الكبرى.

تبدو جماعة العدل والإحسان وفية لاستراتيجية الكمون والانتظار، هل يعني ذلك غيابا أو انسحابا من الساحة السياسية؟

أظن أن قانون مكافحة الإرهاب لا يزال ساري المفعول.

يقدر بعض المهتمين بالشؤون السياسية والحركة الإسلامية في المغرب أن جماعة العدل والإحسان تعد أكبر الجماعات الإسلامية السياسية في المغرب من حيث عدد أعضائها وقوة تنظيمها وسعة انتشارها، فضلا عن رصانة وموسوعية فكر مرشدها ومنظرها عبد السلام ياسين كما يظهر ذلك من خلال كتاباته التي تمتاز بعمقها وغورها، فهل جماعة العدل والإحسان تختزل في شخص مرشدها؟ وما هو ردكم على من يقول إن ثقافة الشيخ والمريد هي السائدة داخل الجماعة؟ وكيف سيتم تدبير غياب الشيخ ياسين، بعد عمر مديد إن شاء الله، علما بأنه متميز بحضوره؟

إن المنطق يقتضي بأن يكون الحكم على الجماعة من خلال الجماعة لا من خلال ما يروج عنها، لأن جماعة العدل والإحسان ليست جماعة خرساء، بل تنطق عنها كتاباتها وأدبياتها ومواقفها ويعبر عنها تصورها ومنهاجها الذي يقوم على أساس التربية الإيمانية والاهتمام بشؤون الأمة في العدل والحرية والمساواة، كل ذلك في إطار مبدإ الشورى، والمتتبع لتحليل الجماعة لواقع الأمة ورؤيتها لمشروع التغيير يدرك جيدا أن مكمن الداء في تصورنا هو غياب الأصل الأصيل والقطب الأعظم في الدين “الشورى” أي سيادة ثقافة الاستبداد. فهل يعقل أن نبني مواقفنا على أساس رفضنا للاستبداد ونشرع للعكس في تنظيمنا؟ يجب أن نميز: هناك محبة وتقدير ولكن هناك شورى، بل هناك تربية على الشورى بدءا من أول حلقة في تنظيمنا وهي الأسرة، وهذا ما يؤكده مرشدنا في “المنهاج النبوي” يقول “كل فرد يقترح على أسرته ومجلسه ما يراه صالحا من مبادرات”. المحبة بين الناظمتين هو التحدي الذي لا يستوعبه من يروج لمثل تلك الإشاعات.

في مقدمة “المنهج النبوي” يقول الشيخ ياسين أنه لا يرى مانعا من التحالف مع حاكم مثل “ضياء الحق” الرئيس السابق لباكستان إن أقام الصلاة وآتى الزكاة .. هل تشاطرون هذا الرأي أي نظرية العادل المستبد؟ وهل فكر جماعة العدل والإحسان يؤسس للاستبداد السياسي؟

موقفنا من الاستبداد ينطلق من تصورنا لنظام الحكم في الإسلام الذي يقوم على أساس الشورى واختيار الشعب عن طواعية ورضا لمن يحكمه، فهو إذن موقف استراتيجي، لأن الاستبداد لا يلد في غالبه إلا ظلما وقهرا، فإن كان الاستبداد الأموي قد أنجب حاكما عادلا هو سيدنا عمر بن عبد العزيز، فإن طاعون الظلم والحيف قد استؤنف من جديد بعد وفاته، لأن المشكل ليس في ارتباطه بأشخاص يعينهم بل بنظام حكم يعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه. وحيثما غابت آلية الشورى فلن تجد إلا قهرا وظلما، وقبل كل هذا فالشورى أمر ربنا وينبغي أن تطبق.

ما هو نوع النظام الذي تريده جماعة العدل والإحسان؟

هو نظام الشورى والعدل والإحسان، وهو النظام الذي يطمح كل إنسان يتوق إلى العدل والكرامة والحرية إلى تحقيقه. نظام يرتكز على تحقيق هدفين أساسيين: العدل، وهو العدل الذي تتوق إليه الإنسانية جمعاء، عدل في قسمة الأرزاق والثروات بدل تحكم فئات قليلة في أقوات الناس وأرزاقهم، ثم الإحسان، فأمن الحقوق التي ينبغي أن يضمنها هذا النظام للإنسان هو حقه في معرفة ربه ومصيره، ولا سبيل لتحقيق هذين الهدفين دون استقرار الحكم على الشورى أي دون أن يكون للشعب حقه في اختيار من يحكمه.

هناك من يقول إن جماعة العدل والإحسان هي القوة السياسية الوحيدة الموجودة في البلد، ألا يكون مثل هذا الخطاب من أهم معوقات الحوار مع أطراف أخرى؟

دعوتنا للحوار لم توصد أبوابها في كتاباتنا، في مواقفنا وتصريحاتنا، بل لا زلنا متشبثين بضرورة الحوار وأهميته إيمانا منا بأن الحوار مبدأ أصيل في ديننا وطريق لتخليص هذا البلد من أزماته المتعددة. فالواقع المتردي للمغرب يطلب تظافرا للجهود وتعاونا ونعتبر أن المدخل الحقيقي لتغيير واقعنا هو التأمين لميثاق وطني على شرط الدين والمروءة العالية. ومقدمة الميثاق حوار مفتوح مع كل من له رغبة حقيقية في انتشال بلده من وحل التخلف والفساد، ولكن فهل من مجيب؟ وبقدر ما تدعو الجماعة للحوار تنعت بأنها متمنعة ومعجبة بنفسها أو ليست هذه هي معوقات الحوار؟!

هناك من يتساءل هل باستطاعة أطر الجماعة أن يتسلحوا بالجرأة اللازمة لخوض معركة المراجعات الفكرية والسياسية؟

الاجتهاد والانفتاح هو من مبادئنا الكبرى، ولنا كل الاستعداد للانفتاح على العالم، لقد انفتحنا على تاريخ أمتنا واستقرأناه من أعلى، بعين فاحصة منتقدة، ومرشدنا لطالما انتقد عقلية التقليد وفكر الجمود والركون ودعا إلى ضرورة التجديد والاجتهاد، وبذلك فالانفتاح على مستجدات محلية أو حتى دولية لا يتعارض مع مبادئنا، لكننا نميز جيدا بين الثوابت والمتغيرات في منهاجنا.