لما نتكلم عن الحركات الإسلامية بالمغرب إنما نقصد تلك التنظيمات التي انبثقت عن تيار الصحوة الإسلامية في العقود الأخيرة والتي تنخرط في كيانات منظمة ترمي إلى تغيير الواقع سواء على مستوى البنية الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية وفق رؤية إسلامية تختلف صياغتها ومناهجها وأساليبها من تنظيم لآخر، وبذلك لا نعني بعض التيارات التي طفت على سطح الأحداث في الآونة الأخيرة لأنها غير واضحة المعالم ولا يستطيع المرء التمييز فيما يرتبط بها بين ما هو حقيقي وما هو من اختلاق الدعاية الإعلامية والأمنية أو السياسية الهادفة إلى اجتثاث كل المظاهر الإسلامية عبر توظيف كل المسوغات الممكنة لتنفيذ مشروعها. كما أننا أيضا لن نتناول “جماعة الدعوة والتبليغ” باعتبارها تدعو الأفراد إلى الالتزام بالأحكام الشرعية مع التركيز على الجانب التربوي والإصرار على عدم الخوض في كل ما له علاقة بالشأن العام. كما يتعذر علينا التطرق لبعض الجمعيات نظرا لطبيعتها الخاصة والمحدودة.

بناء على ما سبق، سوف نتناول بعض الأدبيات التي نحسبها “مرجعيات” تستند إليها الحركات الإسلامية المغربية في فعلها الدعوي والسياسي وغيره. نقصد هنا بالتحديد: جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح والحركة من أجل الأمة ثم جمعية البديل الحضاري، ونتمنى ألا يتسبب مقتضى الاختصار في الإخلال بمضامين تلك المرجعيات الفكرية. نكتفي هنا بعرض سريع بغض النظر عن توفر هذه التصورات على مواصفات البعد التجديدي وتماسك نسقها التحليلي في إطار نظرية شاملة كأداة لصياغة الموقف الذي تتطلبه كل مرحلة، كما نترك الحكم على مواطن الالتقاء والاختلاف للقارئ.

حركة التوحيد والإصلاح: “الميثاق”

يتوخى هذا “الميثاق” تحديد مرجعية حركة التوحيد والإصلاح وتوضيح مبادئها وأهدافها ومجالات عملها، ويعتبر الأساس الذي تبني عليه الوثائق التفصيلية الخاصة بالتصورات وبرامج العمل. وهو بذلك يبرز لأعضاء الحركة ما هم مجتمعون عليه ويبينه لمن يريد الانضمام إليهم، كما أنه بهذا المعنى يشكل مجموعة من الأصول والمبادئ الإسلامية الثابتة تنضاف إليها الاجتهادات التي انتهى إليها الاختيار داخل الحركة، وتشبه الحركة هذا الميثاق بالوثيقة الظرفية التي تعاقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة قدومه إلى المدينة (1).

يتكون كتاب “الميثاق” من 89 صفحة من الحجم المتوسط وينقسم بعد المدخل إلى ثلاثة أقسام:

1- المبادئ والمنطلقات:

تتوزع إلى إحدى عشر أصلا:

أولا: ابتغاء وجه الله والدار الآخرة: مسلك يميز الحركة عن بقية المشاريع الدنيوية التي يقتصر كفاحها ونضالها من أجل الحياة الدنيا فحسب، وبذلك تؤكد على عمل القلوب والنيات لإخلاص العمل ابتداء ودفع كل المحبطات من شرك ورياء وعجب وغرور وكبر وحب الجاه أو محمدة الناس والمن والأذى … إلخ.

ثانيا: متابعة السنة في الاعتقاد والقول والعمل: التركيز على شرط صحة العمل وإخلاصه ليكون مقبولا وكذا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره والاستعانة في فهم النصوص الشرعية بفهم علماء السلف الصالح خاصة منهم القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية.

ثالثا: الإسلام هو الهدى: ركن آخر تعتبره الحركة من منطلقاتها لبناء حضارة راشدة باعتبار الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا ونظاما هو الجدير بإنقاذ البشرية وإسعادها وفلاحها في الدنيا والآخرة. كما أن الله تعالى زين خاتمة الرسالات بكونها دينا شاملا وواقعيا صالحا لكل زمان ومكان.

رابعا: الدعوة إلى الله: ضرب من الجهاد في سبيل الله تتطلب التضحية بالمال والنفس والوقت، وهي فريضة على مجموع الأمة سواء كجماعات أو كمؤسسات.

خامسا: الأخوة والموالات: إضافة إلى آصرة الأخوة والمحبة الواجبة بين المسلمين فيما بينهم ترى الحركة أن دواعي حقوق الأخوة ومقتضياتها تتضاعف بعلاقة العمل المشترك للإسلام والتعاون على الدعوة إلى الله تنضاف إلى معاني المحبة والنصرة التي يقتضيها الولاء بين المؤمنين كأحد أهم أخلاق الإيمان.

سادسا: العمل الجماعي المنظم: إن العمل بطريقة جماعية منظمة ذات أجهزة وهياكل وبرامج وسيلة ضرورية واختيار مبدئي لأنه من سنن الله تعالى في الاجتماع الإنساني ويستمد أصالته من النصوص الشرعية التي تأمر بالتعاون على البر والتقوى وبإقامة الدين وعدم التفرق فيه وتبرز ضرورة وأهمية العمل بالمؤسسات لتغطية شتى المجالات من علمية وتربوية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية. كما أن دواعي هذا التنظيم وما ينتج عنه من تخطيط اقتداء بسنن الله الكونية وسننه الشرعية، تفرضه ضرورة التدافع الحضاري ومقابلة التكتلات المناوئة للإسلام والمحاربة له التي تتخذ بعدا جماعيا منظما.

سابعا: الحرية والشورى: الحرية حق فردي لا يمكن انتزاعه للأشخاص، بيد أن تحمل المسؤولية يقتضي من الوارد على التوحيد والإصلاح أن يصبح “ملزما بما التزم به مطالبا بالوفاء بمقتضيات التزامه” ويبقى العمل الشوري هو “أرقى ممارسة للحرية المسؤولة” (2) هذه الشورى التي تسع مختلف مجالات الحياة وتظهر أهميتها في الأمور الخاصة والعامة وتتمثل في جمع “العقول القادرة على الاجتهاد للنازلة المعروضة ولن تعدم الرأي الصواب باجتماعها وتداولها للرأي. وكما يحصل الاطمئنان للرأي الذي أسفر عنه التشاور سواء كان تصورا فكريا أو فتوى فقهية أو قرارا عمليا” (3)، وبذلك يطالب العضو داخل الحركة باحترام العهود التي التزم بها ورضي الطريقة المتبعة في إبرامها وإقرارها، ومن حق العضو على الحركة أن تضمن له التعبير عن رأيه، غير أنها تقف في وجهه إذا اشتط في استعمال هذا الحق على حساب الشورى والتزاماتها.

ثامنا: الطاعة والانضباط: تكمن أهمية الشورى في تنفيذ القرارات المتفق عليها ولذلك يقصد بالطاعة والانضباط “الالتزام بالقرارات التي تتخذها الحركة ومسؤولوها طاعة لله ولرسوله وخدمة لدينه ودعوته”(4).

تاسعا: التدرج: التدرج سنة كونية واجتماعية وتاريخية وشرعية، وتكمن أهمية هذا المنهج الرباني النبوي في أن “الاستعجال والقفز على طبائع الأشياء والتصرف تبعا للاستفزازات وردود الفعل يفضي عادة إلى مصائب وكوارث تعود أضرارها على الدعوة وترجع بها للوراء”.(5) إلا أن التدرج المنضبط بمصلحة الدعوة يخالف التباطؤ الناجم عن الخوف من الناس والحرص على الدنيا وكراهية التضحية في سبيل الله.

عاشرا: المخالطة الإيجابية: إن دعوة الناس تقتضي مخالطتهم وهذه المخالطة إما تكون بالمجالسة أو بالمعاملة مما يتطلب تصحيح النية ثم تصحيح الكيفية استرشادا بسيرة الأنبياء عليهم السلام. ومن القوة المطلوبة في المؤمن أن يخالط الناس على شرطه لا على شرطهم باتباع منهج وسط بين المخالطة المتسيبة والعزلة المطلقة.

إحدى عشر: التعاون على الخير مع الغير: الاستعداد للتعاون على الخير مع أي كان مبدأ راسخ “ما لم يقم مانع معتبر يجعل ذلك التعاون مرجوحا”(6). غير أن الجهات التي يتم التعاون معها أصناف ودرجات وأولويات تبدأ أولا بالدعاة خارج حركة التوحيد والإصلاح وتنتهي إلى غير المسلمين في الحدود المشروعة.

2- المقاصد والأهداف:

تتلخص هذه في إقامة الدين، لكنها بدورها تنشطر إلى عشرة مقاصد متدرجة من الخاص إلى العام:

أولا: إقامة الدين على مستوى الفرد: هذا واجب عيني وقاعدة لما بعدها من المستويات.

ثانيا: إقامة الدين على مستوى الأسرة: تكتسي الأسرة في الإسلام طابعا خاصا ومتميزا، و”إيمانا بهذه الأهمية البالغة للأسرة في حفظ الفرد والمجتمع وفي توفير الأمن والاستقرار والسكينة والمودة والرحمة، فإن حركة التوحيد والإصلاح تجعل من أهدافها الأساسية والمحورية الحفاظ على الأسرة ورسالتها وفق نظامها الإسلامي، والعمل على تحسين وتفعيل وظائفها الاجتماعية والتربوية والدعوية …”(7).

ثالثا: إقامة الدين على مستوى المجتمع: إن إقامة الدين على هذا المستوى تعني أن تنضبط كل مؤسسات المجتمع بتشريع الإسلام انطلاقا من الأفراد القائمين عليها ثم تتعدى إلى علائقهم ومعاملاتهم. وباختصار تنشد الحركة مجتمعا تصطبغ كل مظاهره بقيم الإسلام وأحكامه.

رابعا: إقامة الدين على مستوى الدولة: يقصد بها أن تكون “مجموع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والنظم الأساسية للمجتمع ومن أهمها في بلدنا (الدستور)، ويضاف إلى ذلك المؤسسات والإدارات التي تمارس من خلالها تلك السلطات أو تطبق تلك النظم .. صادرة عن الإسلام وملتزمة به، وأن تكون السياسات العامة للدولة متفقة مع مبادئ الإسلام ومقاصده”(8). فالدولة المسلمة “هي التي تكون الحاكمية العليا فيها لشرع الله، والأمة فيها هي مصدر السلطات، وهي دولة هداية لا دولة جباية، ودولة شورى لا دولة استبداد، تستفيد من تجارب الآخرين في مجال الأساليب وتتميز عنهم في الأهداف والمقاصد”.(9).

خامسا: إقامة الدين على مستوى الأمة: إن إيلاء إقامة الدين على مستوى المجتمع والوطن الأولوية لا يعني إلغاء الاهتمام بإقامته على مستوى الأمة وتقديم القدر المستطاع من المساعدة ولو كان رمزيا “فالمسألة مسألة مبدأ وتوجه قبل أن تكون مسألة قدرة وتأثير”(10). ولذلك تتبنى الحركة مبدأ التواصل والتشاور مع المسلمين عامة والعاملين لإقامة الدين خاصة أينما كانوا.

سادسا: دعم التوجه الوحدوي في الأمة الإسلامية: من بين أسباب تراجع المسلمين على جميع المستويات هي الفرقة التي أصابت كيانهم ومن ثم يعتبر “توحيد المسلمين والتقريب بينهم فريضة شرعية وضرورة واقعية”. (11) مما يتوجب دعم وتأييد كل توجه وحدوي في الأمة الإسلامية سواء على مستوى الجماعات أو الأقطار.

سابعا: الإسهام في تحسين أوضاع المسلمين: يمكن تحقيق التحسين المطلوب لأوضاع المسلمين المادية والمعنوية عبر مداخل أساسية أهمها تربية الناس على المبادرة والكسب وتربيتهم على الاقتصاد في الإنفاق والابتعاد عن المحرمات والعمل على رفع كل أشكال الظلم الاجتماعي ثم المطالبة بتوزيع الثروات توزيعا عادلا والعمل من أجل إقرار الحقوق والحريات العامة مع عناية خاصة بالمرأة.

ثامنا: مناصرة القضايا العادلة: “تلتزم الحركة بنصرة القضايا العادلة في كل أرجاء المعمور سواء ما تعلق منها بالمظلومين أو المستضعفين أو بعض المبادئ والقيم كقضايا العدل بين الشعوب ورفض استعمارها واستغلالها، وقضايا البيئة، وتجريد دول العالم كلها، قويها وضعيفها ودون تمييز، من أسلحة الدمار الشامل، والحفاظ على حسن الجوار بين الدول والأمم، وغيرها …”(12).

تاسعا: الإسهام في نشر الإسلام في العالم: تعتبر الحركة نشر الإسلام في العالم أحد أهدافها التي تربى عليها أفرادها، وتمضي دعوة غير المسلمين إلى الإسلام حسب المتاح بتواز مع دعوة المسلمين للتوبة والرجوع إلى دينهم مع اختلاف في الترتيب والأولوية حسب الظروف والبلدان ومصلحة الدعوة.

عاشرا: الإسهام في بناء حضارة راشدة: إن بناء الحضارة مثل البذرة الصغيرة التي تنمو وتكبر، ولذلك فالحركة الإسلامية نموذج مصغر للواقع الحضاري الراشد الذي تروم تشييده، وحركة التوحيد والإصلاح تدعو وتسعى مع غيرها من القوى الحية والفاعلة في الأمة إلى “بناء نموذج حضاري قوامه الانسجام بين العلم والإيمانن والتكامل بين التنمية والأخلاق، والتوازن في حفظ كيان الإنسان وتلبية احتياجاته، يستفيد من كل الإنجازات والتطورات الإيجابية الحديثة ويحافظ عليها ويتجاوز السلبيات والانحرافات التي بنيت عليها وبها الحضارة الغربية”(13).

3- مجالات العمل:

تتكامل مجالات العمل المتعددة والمتداخلة لتحقيق الأهداف والمقاصد السابقة، ويلخصها “الميثاق” في عشر مجالات:

أولا: مجال الدعوة الفردية: تحتل مكانة مهمة لتيسرها للجميع ووفرة وسائلها كما أنها أعمق وأسرع الوسائل الدعوية، ويمارسها الفرد من تلقاء ذاته أو بتكليف من الحركة.

ثانيا: مجال الدعوة العامة: هي مجموع الأعمال الدعوية المزاولة بشكل جماعي أو الموجهة لجمهور من الناس، وتتميز بكونها أوسع مدى، كما تعتمد بدورها على وسائل خاصة.

ثالثا: العمل الثقافي والفكري: تعتمده الحركة من بين مداخل الإصلاح ولا يقتصر فقط على الجوانب العلمية والفكرية وإنما يتسع ليشمل العمل الرياضي والفني والأدبي ومختلف الأنشطة التربوية للطفولة والشبيبة. وعلى العموم يؤدي هذا العمل وظيفتان، الأولى: تلقينية يتلقى فيها المستهدف العقائد والمبادئ والأفكار والنظم والقيم الإسلامية، والثانية: تحصينية ضد كل أشكال الغزو الفكري والسلوكي وتصحيحية تجاه الموروث السلبي من ثقافتنا المحلية.

رابعا: العمل العلمي التعليمي: يأتي على رأس اهتمام الحركة العلم بالدين وكل العلوم النافعة وترصد لذلك بعض الوسائل المتيسرة كتأسيس المدارس الإسلامية بمختلف المستويات وتأسيس الجمعيات العلمية المتخصصة والتعاون مع المعاهد على الصعيد الإسلامي والعالمي ثم التعاون مع الجهات الرسمية والشعبية لتفعيل المؤسسات العلمية والتعليمية القديمة والحديثة وإنشاء لجان لمتابعة التكوين والبحث العلمي المتخصص.

خامسا: المجال التربوي والتكويني: يرجع الفصل بين هذا المجال ووظيفة العلم والتعليم إلى سبب منهجي فقط، ولا يمكن التمييز بين وسائل التربية ووسائل التعليم في الواقع الدعوي، وتعتمد الحركة في هذا المجال “الحلقات التربوية العامة والمتخصصة، والدورات العامة والمتخصصة، والرحلات والمخيمات والاعتكاف بآدابه وأوقاته المقررة في السنة، والبرامج التربوية الجماعية بأنواعها، والبرامج الفردية والحصص الراتبة للصلاة والقرآن والذكر والمطالعة والصوم وغيرها من الأعمال الصالحة، ومطلق الترغيب والترهيب والحملات التي تعالج بعض الآفات التربوية وتقاوم الفتور في الطاعات أو التساهل في المخالفات، والبرامج التربوية الهادفة إلى تكوين المربين والرفع من الكفاءة المتوفرة للأطر التربوية”(14).

سادسا: المجال الاجتماعي والخيري: نظرا لمكانة هذا المجال شرعيا ولأهميته في واقع الناس، فإن الحركة تهتم به، ويشمل صورا كثيرة للإحسان وفعل الخير، وتعتمد لتحقيقه بعض الوسائل كإنشاء الجمعيات التي تؤطر هذا العمل بشكل قانوني، وتنظيم دورات تكوينية خاصة للعاملين في هذا الحقل، وتقوم بالتوعية بأهمية العمل الاجتماعي ومكانته في الإسلام بواسطة الكتابات والندوات والمحاضرات.

سابعا: المجال السياسي: يسع هذا المجال كل الأعمال الرامية إلى التزام المؤسسات السياسية والممارسات السياسية بالأفكار الإسلامية عن طريق إنجاز دراسات وأبحاث لتأصيل العمل السياسي وتوفير الآليات المشروعة لأداء العمل السياسي والتجديد بواسطة السلوك الراشد والنظيف في الممارسة السياسية.

ثامنا: المجال النقابي: تتبنى الحركة العمل النقابي كوسيلة للدفاع عن حقوق مختلف الشرائح المهنية وتتبع لتحقيق ذلك بعض الوسائل منها إجراء أبحاث ونشر دراسات تؤصل للعمل النقابي والعمل على اتخاذ إطار قانوني يتبنى التوجه الإسلامي في العمل النقابي.

تاسعا: المجال الإعلامي: يتعاظم دور الإعلام يوما عن يوم ويلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق الحركة الإسلامية لمواجهة الطوفان الإعلامي الجارف وإصلاح ما أفسده الإعلام الآخر.

عاشرا: المجال الاقتصادي: ترمي الحركة في اهتمامها بهذا المجال إلى العمل على إعادة الاعتبار إلى النظرة الإسلامية المتوازنة للمال في وجه انتشار العقلية المادية الاستهلاكية وهيمنتها إلى جانب المعاملات الربوية على الأنشطة الاقتصادية. وكذا العمل على إبراز صورة النظام الاقتصادي الإسلامي وبلورة اجتهادات إسلامية في الحقل الاقتصادي وأساليبه الحديثة ثم العمل على تجسيد قيم الإسلام وأحكامه في الممارسات الاقتصادية والمالية.

uجمعية البديل الحضاري: “البيان الحضاري”

يتألف هذا الكتاب من حوالي 80 صفحة من الحجم المتوسط ويتضمن تصديرين: الأول بعنوان بين يدي البديل الحضاري والثاني بعنوان بين يدي البيان الحضاري ثم مدخل وفقرتين: الأولى بعنوان لمحة من تاريخ الهزيمة الحضارية والثانية بعنوان ما العمل؟ ثم عناصر البيان التسعة عشر تنتهي بكلمة أخيرة بالإضافة إلى ملحقين: الأول خاص بالقانون الأساسي لجمعية البديل الحضاري والثاني خاص ببيان تأسيسها.

وفيما يلي عرض موجز لأهم مضامين “البيان الحضاري”:

(البديل الحضاري … إطار … وتحد … وأفق

إطار للتفكير ومعالجة قضايا الأمة ومن ثم فهو إطار متعدد الاهتمامات يهتم بالدعوة والهوية والسياسة والاقتصاد والتربية والأخلاق … إلى غير ذلك … مرجعيته هي الإسلام …

وهو تحد أيضا لمؤسسيه وأعضائه للمساهمة في صياغة البديل وتفعيله وتنزيله على أرض الواقع …

وأفق نستشرفه ونروم الوصول إليه بديلا للواقع المتخلف المنسلخ عن هويته وقيمه الحضارية …

“البديل الحضاري” مشروع بديل مجتمعي لواقع انسد أمامه الأفق وثبت فشل خياراته وسياسته المتغربة المنفصمة عن هوية الأمة وحضارتها.

“البديل الحضاري” اجتهاد في إطار دائرة الإسلام يسير على نهج أهل السنة والجماعة، لا يدعي تمثيل الإسلام … بل هو مجرد اجتهاد)(15).

تتلخص أهداف البديل الحضاري فيما يلي:

– المساهمة في عملية التنشئة الاجتماعية والحضارية للمجتمع المغربي.

– الاهتمام بمختلف القضايا التي تمس الشعب المغربي.

– مد جسور الحوار مع مختلف الفعاليات الوطنية قصد التفاهم والتعاون حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.

– المساهمة في حل المشاكل التي تعترض نمو المجتمع المغربي وتطوره.

– دعم الحوار الإنساني بين الشعوب والحضارات.

أما عناصر البيان فتختار منها هذه التلخيصات:

1) في المجال الدعوي: بالنظر إلى شتى مظاهر الانحراف التي تميز المجتمع الإسلامي وانتقاض عرى الإسلام، تبدو الحاجة ملحة لدعوة الأمة للرجوع إلى دينها دون إكراه، (والسعي الدؤوب لتجديد البناء العقدي السليم للأمة القائم على التوحيد المطلق للخالق عز وجل)(16) ويرمي البديل الحضاري من العمل الدعوي إلى هدفين:

– ترسيخ (الإيمان من جديد في عقلية الإنسان المغربي ونفسيته وشخصيته وتنقية هذه العقلية مما يشوبها من تراكمات الأجيال والتصورات البعيدة عن الإسلام)(17).

– العمل (على تحسيس الإنسان بأن الإسلام دين متكامل، فهو شعائر تعبدية وفي نفس الآن نظام للحكم ونموذج حضاري جامع ومتميز، هو دين ودولة، توحيد وعدل، مصحف وسيف، ولا تستقيم حياة المسلم بدون الإقرار والتسليم الكامل لشرع الله …)(18).

2) في مسألة الهوية الحضارية: إن الإسلام هو الإطار المرجعي الأمثل لكل المسلمين، والانتماء الكبير إلى العالم الإسلامي لا يلغي وجود بعض الخصوصيات التي لا تتناقض مع مبادئه وأسسه العقدية، كما أن المغاربة ينتمون أيضا إلى العروبة بالمفهوم النبوي الذي يقصر هذا الانتماء على مستوى النطق واللسان وليس على أساس العرق والدم الذي يصعب الجزم فيه بإطلاق النظر إلى التطورات والظروف التاريخية التي عاشها المغرب منذ الفتح الإسلامي، ومن ثم فإن البديل الحضاري يرفض (كل مفهوم ضيق يستند إلى العصبية الجاهلية التي تفرق بين أبناء الوطن الواحد على أساس عرقي متخيل أو قومي ضيق)(19) كما يدعو إلى التركيز على اللغة العربية كتحد حضاري في وجه الغزو الخارجي وكيد قوى الشر بالإضافة إلى التيار الفرنكفوني المتنفد في بلادنا كما لا يلغي الاهتمام باللهجات المغربية وتطويرها عوض تدريس لغات بائدة.

3) في المجال السياسي: نظرا لمكانة الجانب السياسي في المشروع الحضاري الإسلامي، ونظرا كذلك لحجم الانحراف السياسي بالمغرب الذي أفضى إلى إفراز (ملأ سياسي متغرب وغريب عن شعبه في ثقافته وخياراته وتوجهاته)(20)، فإن البديل الحضاري، وبحكم الالتزام بتعاليم الإسلام، يجد نفسه ملزما بالمطالبة بتوفير شروط الأمانة والقوة والصلاح فيمن يتولون المسؤولية وكذا معارضة المنكر السياسي وكل تنكر للأمانة وخيانتها دون لجوء إلى العنف، وإنما عن طريق العمل المدني والتدافع الحضاري. ولأداء هذه الرسالة يتشبث البديل الحضاري باختيار (الديمقراطية كآلية تسمح بالاختلاف والتعددية والتداول السلمي للسلطة من خلال الاحتكام إلى صناديق الاقتراع)(21) وهذا التبني للديمقراطية في الأداء السياسي بمثابة قناعة مبدئية استراتيجية، وليس … رؤية تكتيكية ضيقة يمليها اختلال موازين القوى لصالح الفئات المتتنفذة والمتحكمة في القرار السياسي)(22) ومن تم رفض العنف سواء كأداة للتغيير أو كأسلوب للرد، كما يعتبر البديل الحضاري أن الإصلاح الدستوري هو المدخل الحقيقي لحياة سياسية (سليمة، واضحة، ومسؤولة، تكون فيها الكلمة العليا للقانون والدستور المؤطرين بشريعة الله)(23) كما أن الوصول إلى دولة الإسلام (لابد أن يمر عبر دولة تحترم حقوق الإنسان واختياراته) ولذلك سيتركز اهتمام البديل الحضاري في (النضال من أجل دولة حقوق الإنسان، دولة الحرية والديمقراطية والعدالة)(24).

4) في المسألة النسائية: إن المخرج من كل الأزمات التي تعيشها المرأة رغم الشعارات البراقة المزعومة (لا يمكن أن يتم إلا في إطار الهوية الحضارية للأمة ولا يمكننا أن نتصور إمكانية تنزيل حل مستورد هجين يراد له أن يستنبت قسرا على أرضنا وضدا على خصوصياتنا وثقافتنا وعقيدتنا …)(24) كما أن هذا المخرج لا يتم إلا بتدرج وفي سياق حل عام يتناول جميع قضايا المجتمع وبمراعاة التوازن المطلوب بين الأدوار الطبيعية للمرأة وأدوارها الإنسانية.

9) في المجال التربوي والتعليمي: يتردى التعليم في بلادنا في عدة مشاكل ويتجه نحو انحدار مستمر ولا يرى البديل الحضاري (مخرجا من الأزمة والتخبط والارتباك الحاصل في هذا الميدان إلا أن يجلس المغاربة في إطار مجلس أعلى للتربية والتكوين تمثل فيه كل الفعاليات والحساسيات الوطنية ومكونات المجتمع المغربي السياسية والثقافية والاجتماعية والنقابية القطاعية منها والطلابية، وأولو الأمر في المجال التربوي من علماء التربية والمؤطرين إلخ من أجل تدارس المعضلة والالتزام بما سيسفر عنه المجلس بعيدا عن كل الضغوط وأهواء أصحاب القرار السياسي…)(26).

10) في المجال الثقافي: لقد غدت الثقافة في بلادنا لغة نخبوية تجريدية، تدور في فلك المركز الغربي وليس لها رابط بجمهور الشعب، ومعنى هذا أن الثقافة يتم إفراغها من كل مضمون حضاري يساعدها على النهوض الفكري والاجتماعي بل حتى الاقتصادي والتنموي (من هنا تأتي اليوم الضرورة الملحة لأن تسترد الثقافة المغربية حرارة الارتباط بالمجتمع من خلال تهذيب لغتها المتعالية، ومن خلال ربطها بالواقع الأهلي عوض اعتقالها ضمن أبراج مقروء جاهز ومصاغ سلفا) (27) وبإضافة التشويه العلماني لعلاقة ما هو إديولوجي وسياسي بما هو ثقافي، يصبح من واجب قوى البديل الحضاري أن تنخرط في معركة إنجاز بعض المهام الجسيمة.

11) في العلاقة مع الشعب: تتطلب مظاهر الخلل الحاصر في علاقة النخبة بالشعب التأسيس (لفعل سياسي واجتماعي وحضاري يتمرد على لعنة النخبوية والتعالي على الشعب لكي لا تبقى الجماهير العريضة مجرد موضوع للسياسة وموضوعا لاهتمامات النخبة، توظفها بطريقتها البرغماتية الشعاراتية والديماغوجية من أجل مصالحها الضيقة)(28).

12) في العلاقة مع الساحة الإسلامية: إن التعددية والتنوع الحاصلة في الساحة الإسلامية مصدر قوتها وقدرتها على الاستجابة لحاجيات مختلف الشرائح الاجتماعية، ولكن لضمان عدم تحول هذا المعطى الإيجابي إلأى علة، لابد من توفر الشروط الآتية:

– التواصل: من أجل تحجيم الخلافات وحصرها في حجمها الحقيقي.

– الميثاق الأخلاقي: يكون بمثابة مسطرة مرجعية للضوابط الأخلاقية التي ينبغي أن تسود بين فرقاء الساحة الإسلامية.

– التنسيق: يتجلى في التعاون في ميادين جزئية محددة بعيدة عن دائرة الاختلاف.

ونظرا للصعوبات الكثيرة التي يمكن أن تعترض الوحدة التنظيمية بين الحركات الإسلامية، فإن البديل الحضاري يتبنى في المرحلة الراهنة “وحدة المشروع عوض وحدة التنظيم”(29).

13) في العلاقة مع الأطراف الأخرى: من أجل حماية الشعب المغربي ضد كل المشاريع الاستعمارية والتخريبية، وبالنظر إلى الشروخ التي أصبح يعرفها المجتمع في أنسجته القيمية والثقافية والسياسية، ولأن الحوار مبدأ شرعي أصيل، أضحى التبني الاستراتيجي لأهمية هذا الحوار بين كل الأطراف مسألة مصيرية، وللبديل الحضاري إيمان راسخ بالحوار مع كل الأطراف والطروحات مهما اختلفت الاقتناعات، للبحث عن نقط الالتقاء مع الآخر من أجل التعاون حولها، بل وترجمة ذلك إلى مشاريع تنسيقية ميدانية في جميع المجالات المشتركة السياسية والنقابية والثقافية ولابد في خضم ذلك من التأسيس للحوار الفكري الذي (يعتبر مدخلا أساسيا وضروريا يحقق قدرا من التعارف ويحدد مجالات الاتفاق والاختلاف ويفتحنا على حوار سياسي على أرضية ميثاق يحدد قاعدة الإجماع وكيفية إدارة الاختلاف وإطار النضال المشترك)(30).

بالإضافة إلى عناصر البيان الأخرى:

المجال الاقتصادي، المجال الحقوقي، المسألة الاجتماعية، المسألة النقابية، المجال الإعلامي، المجال البيئي، موضوع الوحدة وقضايا التحرر، مسألة الأقليات، مؤسسات المجتمع المدني الأصيلة، العلاقة مع الغرب.

الحركة من أجل الأمة: “رسالة البصيرة”

يتكون كتاب “رسالة البصيرة  الجزء الأول” من 191 صفحة من الحجم المتوسط، ويحتوي على معالم وإضاءات أولية ثم خطة الكتاب بالإضافة إلى خمسة أبواب وخاتمة.

تضمن التقديم الذي ورد تحت عنوان: معالم وإضاءات أولية توضيحا لمعنى البصيرة والهدف من إصدار “رسالة البصيرة” الذي خلص إلى اعتبار هذه الرسالة المنهاج في العمل وحجة الحركة من أجل الأمة على خصومها وتبيانها لمن يرغب في الانفتاح على تجربتها وبينتها لمن تختلف معهم: “إنها الحاجات الأساسية الأربع لكل اجتهاد”(31) “فرسالة البصيرة” بمثابة رسالة توجيهية بالأساس(32) مفتوحة على الاجتهاد المستقبلي، تتوخى التأصيل والتجديد والترشيد.

1- في الأسس التاريخية لمشروع الحركة من أجل الأمة:

أولا: الجذور التاريخية لأزمة الأمة وميلاد الحركة الإسلامية المعاصرة التي تبتدئ بالسيرة النبوية كقاعدة لعدد من المبادئ والأسس التي استندت إليها الدعوة الإسلامية منذ انطلاقها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرورا بالخلافة الراشدة بوصفها مروعا تاريخيا وحضاريا شكل استمرارا لعهد النبوة وسمت فيه أحكام الشريعة كما تميز بسيادة الأمة وتجسيد مبادئ العدل والشورى وحقوق المواطنة وضمان حق المعارضة وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مرورا بالحقبة الأموية وبداية الانحراف السياسي بانتقال السلطة إلى الملك العضوض الذي أقصى الشورى واعتمد آلية القهر والغلبة واتخذ شكلا وراثيا مما انعكس على الدور الحقيقي للعلماء، واستمر هذا الانحراف السياسي رغم مظاهر التطور في الميادين الفكرية والعمرانية والاقتصادية وغيرها. وصولا إلى عصر الدولة القطرية التجزيئية بعد سقوط الدولة العثمانية إثر تراكم تاريخي للانحراف عن مسار الحكم الراشد (إذا كان ميلاد الدولة السلطانية يمثل تراجعا عن الدولة الراشدة بل وتنكرا نهائيا لدور الأمة وتاريخها وحضارتها وتراثها، وإذا كانت الدولة السلطانية دولة ضعيفة الشرعية، فالدولة القطرية التجزيئية المعاصرة فاقدة لها)(33).

بينما احتفظ المغرب الأقصى ببعض الخصوصيات التاريخية تعود إلى استقلاله السياسي المبكر لكنها ظلت موصولة بقضايا الأمة الإسلامية وهمومها، وأخيرا نشأت الحركة الإسلامية المعاصرة تتويجا لحركات الإصلاح والتصحيح التي لم تنقطع على امتداد التاريخ الإسلامي، وقد تأخر ظهورها في المغرب إلى عقد الستينات من القرن الماضي لكنه شكل (إجهاضا عمليا لمسلسل تصفية الإسلام أو استبعاده، فقد ضيق هوامش التوظيف المفرط للدين من قبل السلطة السائدة سواء تعلق الأمر بإضفاء الشرعية على أفعالها أو بضبط معادلة التوازن السياسي بالمغرب)(34).

ثانيا: عرض الخلاصات التاريخية الأساسية من أجل نهضة إسلامية شاملة وجديدة على المستوى العقدي والمنهاجي والمعرفي والسياسي ثم على مستوى منهاج الإصلاح والتغيير.

ثالثا: الحركة من أجل الأمة: مشروع تاريخي وأفق اجتهادي للمستقبل، تطرق لدواعي تأسيس “الحركة من أجل الأمة” منذ 31 أكتوبر 1998.

رابعا: “الحركة من أجل الأمة: على سبيل التعريف: محددات أولية في الهوية، تم اختزالها في كونها حركة إسلامية مجالها المغرب وعمقها الأمة مع اعتبار الهوية من أولويات الحركة وقاعدة لتوجيه عملها.

2- في الأصول العقدية لـ”الحركة من أجل الأمة”: بعد بسط الثوابت العقدية للحركة، وبدافع التحديد ثم اقتراح “مقاصد للعقيدة”، كاجتهاد قابل لتعميق النظر وصدرت الدعوة للاعتناء بهذا العلم على غرار مقاصد الشريعة التي اقتصر عليها اهتمام المسلمين من قبل، وجددت هذه المقاصد على الشكل الآتي:

– تحقيق الأمن والاطمئنان.

– التحرير الحق والكامل للإنسان.

– تحقيق الصلاح من خلال توحيد المصدر والمرجعية.

– توحيد العلم.

– تكريم العمل.

3- الحركة من أجل الأمة: في الأصول المنهاجية: تضمن منهاج الحركة من أجل الأمة في التلقي والتحصيل والفهم والنظر، ومنهاجها في التنزيل والعمل، ومنهاجها في العلاقة والموقف من المخالف وأخيرا منهاجها في الحكم على المصطلحات.

4- في نظرية العمل: رؤية “الحركة من أجل الأمة” في الإصلاح والتصحيح والتغيير:

بالإضافة إلى بعض المقدمات ثم عرض نظرية العمل: المستويات والمضامين والخيارات، وتوزعت إلى أربعة مستويات هي: مستوى نظرية البناء الذاتي ومستوى نظرية المخالطة ومستوى نظرية التحالف والتعاون ثم نظرية التدافع. كما تم عرض رؤية الحل الانتقالي على مستوى السلطة العلمية ودور العلماء ثم على مستوى سلطة المجتمع والأمة وأخيرا على مستوى السلطة السياسية والدولة وصولا إلى رؤية الحل التاريخي.

5- المعالم الرسالية والوظيفية لـ”الحركة من أجل الأمة”:

أولا: معالم الخط العلمي: نظرا لفضل العلم والتعلم والتعليم والمكانة التي تحظى بها شرعا فإن الحركة من أجل الأمة تعتبر الوظيفة العلمية أساس كل الوظائف الأخرى، ويقصد بها “معرفة حكم الله على المكلف في أمر دينه وعبادته ودعوته ومعاملاته وسياسته الشرعية ومعرفة ضوابطها وأصولها …”(35). ويمكن للعلم أن يفضي إلى:

– حقيقة الاعتصام بالكتاب والسنة قولا وعملا، إخلاصا واتباعا.

– اجتناب القول والعمل بغير علم.

-السعي إلى تحصيل العلم الواجب العيني الخاص والعام وعلم النوازل وعلم الكفايات، بحسب القدرة والاستطاعة.

– حسن التبليغ والبيان.

ثانيا: معالم الخط الدعوي: تعتبر الدعوة من القضايا المركزية والأساسية في اهتمامات الحركة إذ هي “سبيل لإعداد الشخصية الإسلامية وبعث الأمة الإسلامية على طريق بناء الخلافة الإسلامية الراشدة، فالقيام بواجب الدعوة والبلاغ سبيل إلى النجاة في الآخرة …”(36). وتحدد “رسالة البصير” معالم الدعوة عند الحركة من أجل الأمة في:

– الدعوة إلى التوحيد ومقتضياته.

– الدعوة إلى العلم والتفقه.

– الدعوة إلى التزكية والمجاهدة.

– الدعوة إلى مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال.

– الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

– الدعوة إلى المنهاج الاتباعي والاجتهادي والتجديدي والحد من عقلية التقليد.

– الدعوة إلى التعارف والحوار.

أما ضوابط المنهاج الدعوي فتم حصرها في بعض العناصر نوردها مجملة:

– العلم بما تتم الدعوة إليه والعمل بمقتضاه.

– اتباع السياسة الشرعية ورعاية مصالح الأمة واتخاذ الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي أحسن سبيلا وطريقا ومنهاجا.

– التدرج.

– التيسير.

– الانفتاح الدعوي على الكافة.

– الصبر على الأذى.

– الحرص على هداية المدعو والتزامه.

ثالثا: معالم الخط التربوي: ترمي التربية بمنظور الحركة من أجل الأمة إلى تجسيد العبادة التي تتمحور حولها كل أنشطة الإنسان، وفق رؤية شمولية تعنى بالأبعاد الثلاثة في الإنسان: القلب والعقل والجسد، وبشكل متوازن لا يغلب أحد هذه الأبعاد على الآخر، كما ترتبط التربية في هذا المنظور ارتباطا وثيقا بالعلم. وتنقسم أهداف التربية إلى عامة وأخرى إجرائية سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع والأمة. أما موقف الحركة من التصوف أو علم السلوك، فنرى أن الأصل فيه الاتباع، لكن بعض الانحرافات التي علقت بالفكر الصوفي تجعل إصلاحها حاليا ضرورة شرعية، إذ التصوف “سلوك محمود ومطلوب إصلاحا للقلوب وعلاجا للنفوس، في زمن طغت فيه الماديات وتنامت، لكن في إطار ضوابط الشرع ومقرراته، فالتصوف على المنهج السني معناه التزكية والمجاهدة ..”(37). ومراتب التربية التي تحرص عليها الحركة هي مرتبة الإسلام ومرتبة الإيمان ومرتبة الإحسان المستمدة من حديث جبريل …

رابعا: معالم الخط الثقافي: يعد “الفعل الثقافي والفكري النهضوي والتجديدي مطلبا مركزيا” في عمل الحركة من أجل الأمة و”وظيفة تاريخية”(38) من وظائفها، تفرضه دواعي ذاتية وأخرى موضوعية، ولضمان جدوى هذا الفعل الثقافي حددت له بعض المنطلقات والضوابط. أما المهام الثقافية للحركة فتلخص في:

– نشر ثقافة التوحيد.

– التجديد.

– التنمية الروحية وحماية الرصيد القيمي والأخلاقي التاريخي للأمة.

– مقاومة الاستبداد وتنمية ثقافة الشورى في التداول والعمل على بث الوعي الحقوقي وثقافة المواطنة.

– التحصين ومواجهة الاختراق وتركيز ثقافة المقاومة.

– نشر الثقافة الحوارية وأدب الاختلاف.

– تعميم ثقافة التنمية والنهضة.

– تركيز ثقافة ترويجية جادة.

– تطوير الاستعمال التداولي للمصطلحات الأصيلة.

خامسا: معالم الخط الاجتماعي: ينقسم إلى منطلقات ثم معالم توجيهية. فالمنطلقات تتأسس على قاعدتين: أولى شرعية لا تقتصر على تلبية الحاجات المادية للإنسان، بل تتعداها إلى قضايا أخرى كالتناصح وحقوق الجار وبر الوالدين، وأخرى واقعية تتحدى المؤشرات الاجتماعية السلبية في مجالات التنمية البشرية. ويمثل الصمود على جبهات الأسرة والتعليم والمسجد موجها مركزيا لسياسة الحركة من أجل الأمة ولخطها الاجتماعي. أما المعالم التوجيهية فتروم التركيز على جبهات إضافية تتمثل في:

– محاربة الأمية.

– تعميق قيم التكافل والتضامن وتنفيس كرب الناس.

– الاهتمام بالمرأة والطفل والأسرة.

– الاهتمام بواقع الناس في جميع مناسباتهم والعمل على استعادة الدور الحضاري للمسجد خاصة في الجانب الاجتماعي.

سادسا: معالم الخط الحقوقي: رغم المكانة المتميزة التي يتبوأها الإنسان في المشرع الإسلامي ومنها التأكيد على إنسانية الإنسان ثم كرامته وحريته، فإن الواقع الحقوقي بالمغرب يتميز بسيادة المرجعية الغربية ثم طغيان البعد السياسي على حساب بقية الأبعاد وكذا طغيان البعد الفردي مقابل حقوق الأمة والجماعة، وأخيرا طغيان البعد الشكلي والموسمي وغياب صفة الإلزامية، ومن ثم تتعدد مجالات العمل الحقوقي.

سابعا: معالم الخط النقابي: لما كان واجب القيام بالقسط يعتبر من الأهداف المركزية في الإسلام “كان الدفاع عن المطالب المادية والمعنوية لعموم الناس كما الكفاح لتحسين شروطهم المعيشية العامة بما يتناسب وتكريم الله للإنسان … من الأمور المطلوبة والواجبة شرعا وعقلا”(39). غير أن “أرشد مقاربة للعمل النقابي هي المقاربة التعاقدية”(40)، فيما تحتاج السياسات النقابية السائدة إلى مراجعة جذرية إن على مستوى علاقة الحزبي بالنقابي أو على مستوى التمثيلية في المؤسسات النقابية.

ثامنا: معالم الخط السياسي: بعد إدراج أربع مقدمات أساسية حول الحكم التكليفي للسياسة الذي جعلته الحركة من أجل الأمة في مرتبة الوجوب والضرورة، وحول علاقة الدين بالسياسة وهي علاقة راسخة تقضي بتلازمهما، ثم حول مفهوم السياسة الشرعية بوصفها تضم كل الأفعال التي تتوخى الصلاح وتبتعد عن الفساد وإن لم يكن لها أصل في الشرع ويكفي موافقة روح الشريعة واعتماد قواعدها الكلية. وأخيرا حول الشرعية في الإسلام من حيث مفهومها الذي يشمل شرعية التنصيب وشرعية السياسات، وطبيعتها التي تقبل الزيادة والنقصان. ثم عرض البناء العام للخط السياسي للحركة الذي يتألف من العناصر الآتية:

– وجوب السياسة من حيث الحكم التكليفي الشرعي.

– التمييز بين شرعيتين: شرعية التنصيب وتستند إلى اختيار الأمة وشرعية السياسات وترتكز على سيادة الشريعة، وأرقى مستويات الشرعية لما تلتقي الشرعيتان.

– السياسة الشرعية نوعان: ما وافق الشرع وما نطق به الشرع.

– قابلية الشرعية للزيادة والنقصان مما تسلتهم منه الحركة منظور المرحلية والتدرج وتستدل به على مشروعية الإصلاح السياسي والدستوري على قاعدة موجهين أساسيين: الإقرار بالفعل لا بالحق، وقاعدة التقريب والتغليب.

– اتجاه التطور السياسي السليم الذي يميز بين ثلاثة أنظمة للحكم: طبيعي ينبني على قانون القوة وآلية القهر، والثاني: حكم مدني يرتكز على القانون وآلية العقل، والثالث: الحكم الراشد المستلهم من الخلافة الراشدة وهو أرقى مراتب الحكم.

وتستند الحركة إلى هذه العناصر الخمسة في التأصيل لمطلب النظام النيابي “البرلماني” والتداول الفعلي للسلطة باعتباره يسير في اتجاه النظام الراشد.

تاسعا: معالم الخط البيئي: من مقتضيات عمارة الإنسان للأرض واستخلافه فيها فقه السنن الكونية والقدرية التي تدعو إلى تبني الفهم التسخيري في علاقة الإنسان بالطبيعة والكون، وترتبط حماية البيئة بشكل وثيق بالتنمية المستدامة، كما ترتبط بضرورة تطوير التعليم والتربية والتكوين شكلا ومضمونا بما يتفق والقيم الإسلامية، فيما تعاني البيئة في المغرب من تدهور على عدة مستويات، يكلف خزينة الدولة شطرا من الناتج الوطني الخام وبالمقابل يتسم العمل البيئي بالضعف. أما وسائل الكفاح البيئي فتقوم على تفعيل الآلية الثقافية، بتعميم ثقافة حماية البيئة وتعميق الوعي البيئي لدى المواطنين ثم الآلية الجمعوية وأخيرا الآلية السياسية عبر تفعيل الوظيفة البيئية للدولة وإدراج مادة حماية البيئة في المقررات التعليمية وتطوير القوانين الخاصة بحماية البيئة.

جماعة العدل والإحسان: “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”

يتألف هذا الكتاب من حوالي 470 صفحة من الحجم الكبير، ويمثل الخلاصة الفكرية لتجربة الأستاذ عبد السلام ياسين ورؤيته التجديدية في سياق نظرية شاملة ومتكاملة للتغيير، يصوغ هذا الكتاب مفاتيحها وتستكمل الكتب الأخرى بيانها وتفصيلها.

إن “المنهاج” كلمة قرآنية نبوية بمعنى السنة النبوية، يتميز عن كلمة “المنهجية العلمية” بأنه يتجاوز موضوعها ونتائجها المقتصرة على الكون المرئي المحسوس إلى العناية بالإنسان ومصيره في الدنيا والآخرة، فتكون نتائجه ذات بعد إنساني. فهو مسلك يصل العبد بمولاه عز وجل كما هو أداة تربط الوحي بالواقع.

إن المنهاج باختصار طريق على معارج الكتاب والسنة، يسمو به العبد في علاقته بخالقه وتسمو به الأمة من كبوتها وتخلفها الحضاري والعسكري والاقتصادي إلى مرتبة الوراثة. فتكون الحاجة إذن ملحة إلى اكتشاف المنهاج النبوي للسلوك نحو الغاية الإحسانية الفردية والغاية الاستخلافية للأمة. اقتحام فردي وسط جماعة المؤمنين بأهداف مزدوجة: إحسانية تبتغي الخلاص الفردي والادخار الشخصي ليوم المعاد طلبا لوجه الله تعالى، ثم أهداف ومقاصد استخلافية تبتغي المساهمة في الجهاد لتمكين الأمة من الخلافة وأداء الرسالة المنوطة بها في دعوة العالمين للإسلام.

نشير هنا إلى أن “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا” للأستاذ عبد السلام ياسين اجتهاد بشري محدود بالزمان والمكان، لا يدعي العصمة، وإنما يلتمس منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال كتاب الله تعالى وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه الكرام، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين نفسه: (المنهاج النبوي وحركيته كما نعرضهما اجتهاد لا ندعي أننا له أهل إلا بما أهلنا الله ولي المتقين له العزة وله الحمد) (41) ويضيف في مكان آخر (.. فقه المنهاج  وهو ثمرة اجتهاد لهذا المكان وهذا الزمان- …)(42):

هذه الإشارة تدفعنا إلى الإجابة عن سؤال جوهري، اختلفت حوله آراء الكثير من العاملين في الحقل الاجتماعي عموما، وفي ميدان الدعوة الإسلامية بشكل خاص، هذا السؤال هو: هل يسبق العلم العمل؟ أم العكس؟ هل الفكر والتنظير يشكلان القاعدة التي تنبني عليها الممارسة؟ أم أن الممارسة هي التي تنتج الفكر بعد محك التجربة؟

لاشك أن الجواب على هذا السؤال حاسم في تحديد مواقف جماعة العدل والإحسان ومسار مشروعها التغييري. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مبرزا أي العنصرين يسبق الآخر (لابد من فكر يسبق الممارسة … وهذا الفكر المنهاجي يتضمن مبدأ العلم والتعلم ومعناه تخطيط الفكر المسبق للممارسة وتطعيم الممارسة للفكر)(43). وتكمن أهمية هذه الأسقية رغم علاقة التلازم في كون المنهاج أداة للتحليل والاستنباط تعمل على توحيد التصور ووسيلة للسلوك تجلي الطريق من بدايتها إلى مؤداها، فالفقه المنهاجي المطلوب هو “البيان العلمي الذي يكون حافزا مجليا لرؤية الأهداف والغايات ولوعي الموقف وسلوك المنهاج المنقذ برغبة الطلب”(44).

إن أهم مواصفات المنهاج النبوي تتلخص في الوضوح والشمولية والأصالة والإجرائية والمستقبلية.

إن المنهاج النبوي يلخص الطريق في اقتحام العقبة ويحدد موضوع التغيير بأنه الإنسان، هو جوهر ما في الإنسان: باطنه، النفس البشرية ودواخلها. ويعتبر الفاعل التاريخي هو ذلك المستضعف الوارث، حامل لواء الجهاد والتمكين الذي جاهد نفسه لتخليصها من شوائب الشح والبخل وصبرها وسط جماعة المؤمنين جهادا وتواصيا بالحق والصبر والمرحمة.

وتصور لنا سورة البلد طبيعة هذا الطريق عبارة عن نجد، والنجد هو الطريق الصاعد، يندبنا الشارع إلى اقتحامه بصيغة “فلا اقتحم العقبة”.

تصور نفس السورة البلد طبيعة الاقتحام وتلخص مادته وعوائقه. تبتدئ بالحديث عن الكبد وهو الشقاء والتعب، فأين يكمن؟

توضح الآيات أن الكبد في أن يكون الإنسان أسيرا لـ:

الاستكبار: هو الذي يعوق عن سماع النداء الإلهي بالاقتحام “أيحسب أن لن يقدر عليه أحد” وينجم عنه الرق المتمثل في العبودية لغير الله عز وجل والتي تصد الإنسان عن الانقياد للخالق وتسلبه حريته في الخضوع لبارئه، لذلك تستحث آية الاقتحام على فك الرقاب.

الترف: يتجلى في الانغماس في الدنيا وملذاتها وما ملكت اليد من متاع، انشغالا بالفاني الزائل عن الخالد الباقي “يقول أهلكت مالا لبدا”. ويقابله في الطرف الآخر وكنتيجة له: العوز والخصاص المدقع، المقعد عن فعل الخير، الملهي عن استماع النداء الإلهي، لذلك يدعو الاقتحام إلى “إطعام في يوم ذي مسغبة …”.

الغفلة عن الله: زيغ عن الطريق ومقابلة النعم بالحجود بالإعراض عن ذكر الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور “أيحسب أن لم يره أحد؟”. هذه الغفلة تؤدي إلى الانفراد والابتعاد عن حضن جماعة المؤمنين ودائرة المسلمين، إذ العزلة اقتراب من الشيطان ووقوع في حبائله، لذلك يستحث نداء الاقتحام بالكينونة مع المؤمنين “ثم كان من الذين آمنوا…”.

إنها باختصار الأبعاد الشمولية في الحياة التي تسع المجال النفسي والاقتصادي ثم السياسي الاجتماعي والتي تلخص النداء الإلهي “فلا اقتحم العقبة” الذي يتطلب استجابة فورية، لكن المسلمين، سواء كانوا أفرادا أو جماعة، تعوقهم عن تلبية النداء موانع وجب اقتحامها:

عوائق ذات جذور نفسية: تتمثل في الأنانيات المقعدة: الأنانية المستعلية أو المتمتعة، انشغال بالنفس والمال والجاه والشهوات وملذات الدنيا عن السلوك إلى الله تعالى.

عوائق ذات جذور عقلية، تتجلى في الذهنيات التي تراكمت بفعل عوامل تاريخية وأخرى واقعية منها:

الذهنية الرعوية والذهنية اللفظية التقليدية والذهنية السطحية التبسيطية والذهنية الذرية التجزيئية.

عوائق ذات جذور اجتماعية وسياسية: تكمن في عادات جارفة ورضى بليد بالواقع، ارتهان بالمألوف وتقيد غير مبرر بأغلاله.

أما تفصيل كنه اقتحام العقبة المجملة في آيات فك الرقبة وإطعام الطعام والكينونة مع المؤمنين، فيتمثل في شعب الإيمان التي اجتهد الأستاذ عبد السلام ياسين في تصنيفها توخيا أن تكون أداة لبناء الشخصية الإسلامية القدوة واستخراجا لحوافزها الجهادية والتنظيمية الكفيلة بتخليص الأمة من واقع التبعية والتخلف والانحدار لتسمو بها إلى سابق عزها، كل ذلك في إطار نسق يرتب الأولويات ويحدد المنطلقات والأهداف ثم يصنف الوسائل، متجاوزا البعد الفردي الذي حصرها فيه من اجتهد من علماء السلف الصالح رحمهم الله في تصنيفها كالبيهقي والحليمي. وقد أورد الأستاذ عبد السلام ياسين هذه الشعب منتظمة ضمن عشر مجموعات تشكل كل واحدة منها خصلة لتقارب موضوعها ومقاصدها التربوية والجهادية. ونشير هنا إلى أن مفهوم كل خصلة يستعرضها المنهاج تكتسي أبعادا تربوية وأخرى تنظيمية، فهي ذات بعد تربوي من حيث تعلقها بالفرد وبمصيره الأخروي واندراجها في زاده الإيماني والإحساني وهي ذات بعد تنظيمي وزحفي لأنها تتجاوز الحدود الفردية لتصبح ميزة للجماعة المجاهدة وطابعا للدولة الإسلامية المنشودة ورباطا لأمة تتطلع للقوة والخلاص والفلاح. وفيما يلي عرض جد مقتضب لهذه الخصال:

الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة

(الخطوة الأولى على طريق التربية والتنظيم، على طريق المنهاج المؤدي إلى الله عز وجل بالنسبة للمؤمن، وإلى الخلافة بالنسبة للأمة وإلى سيادة الحضارة الإسلامية بالنسبة للعالم هي الصحبة والجماعة، هي لقاء رجل يربيك وجماعة مؤمنة تؤويك وتحضنك، حتى يسري بصحبة المربي والجماعة، إلى قلبك وسلوكك أول سلك من نور الإيمان وأول نفحة من عبيره وأول فيض من مائه)(45).

الخصلة الثانية: الذكر

(الخطوة الثانية: الإقبال على ذكر الله ترديدا للكلمة الطيبة وصلاة وعبادة، ومتى أصبح ذكر الله ودعاؤه والإقبال عليه في كل زمان للفرد المؤمن والجماعة الإيمانية المجاهدة هو الشغل الأول للقلب واللسان والجسم والفكر، فقد بدأ تحول الفرد والجماعة من الغفلة عن الله لذكره، من تحكيم الطاغوت لنصرة شرعه)(46).

الخصلة الثالثة: الصدق

ثالث خطوة في السلوك إلى الله تعالى هي (التصديق بالله وغيبه، البرهنة بالاستقامة في القول والفعل على استعداد للجهاد)(47).

هذه الخصال الثلاث الأولى مجتمعة هي التي تؤلف الشروط الضرورية للتربية، للانتقال من حال الغفلة إلى حال الذكر ومن واقع العزلة والفردانية إلى حضن الجماعة ومرتع الإيمان، وهجر النفاق بشعبه وإخلاص الوجهة إلى الله تعالى بصدق يمحو رانَ الشك والارتياب عن التائب ليقبل على الله مجاهدا في سبيله بثبات ويقين، غير مبال بكيد الكائدين ونصب المعتدين، مدليا بعربون صدقه في سلوكه وأخلاقه وممارساته.

الخصلة الرابعة: البذل

بعد صحبة ولي مرشد وسط جماعة المؤمنين الذاكرين المجاهدين، وبعد الاختبار المعنوي للصدق من خلال الخصال الثلاث الأولى، تكون خصلة البذل هي أول اختبار مادي لهذا الصدق، يكشف عن استعداد جندي الصف إلى العطاء والإنفاق في سبيل الله: إنفاق الوقت، إنفاق المال في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، إنه الجهاد بالمال.

البذل تربية يتضمن معاني الفتوة من سخاء وفداء وحمل لأعباء الدعوة والجهاد وخدمة الجماعة والأمة من غير من ولا أذى. أما البذل تنظيما فيتضمن معاني حفظ مال الآمة وثرواتها من نهب المستكبرين وحكام الجبر ومن يدور في فلكهم من بطانة السوء، ومحاربة الفئات الانتهازية والطفيلية التي تستهلك ولا نتج. وتحتاج الأمة في مرحلة الدعوة والدولة معا إلى عمل تطوعي وإنفاق إرادي زائد على النفقات والزكاوات الشرعية سدا للنقص الكبير الذي تعاني منه في شتى المجالات.

الخصلة الخامسة: العلم

العلم المطلوب شرعا وهو على ثلاث مراتب:

علم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهو شرط ضروري لمعرفة أوامر الله ونواهيه وسائر الأحكام الشرعية، وهذا العلم لا يعذر أيا كان من تحصيل الحد الأدنى الذي تلزم معرفته بالضرورة منه.

العلوم الكونية التي تنصرف إلى كشف أسرار المادة التي تعتبر في حق الأمة جهادا حقيقيا ومصيريا ينبغي خوضه لاسترجاع الريادة في هذا الميدان ومنافسة الغزاة الذين يستعملونها وسيلة لإخضاع المسلمين واستغلال خيراتهم.

فقه الواقع الذي تنمو فيه الدعوة وفهم الآليات التي توجه حركته والإحاطة بكل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها المؤثرة في صناعة الأحداث.

إن السلوك إلى الله على بصيرة يتطلب الفقه في الدين وهو فرض عين، وندب فئة لتحصيل العلوم المادية والكونية ولغات العدة فرض كفاية، ثم لا بد من مراعاة الظرف الزماني والمكاني الذي يحيط بالمشروع التغييري.

الخصلة السادسة: العمل

العلم يقتضي العمل ويحدد وجهته، لذلك خطأ في العلم تترتب عنه نتائج وخيمة على مستوى العمل مما يحتم على المنهاج أن يكون واضحا ومحكما وقابلا للتنفيذ. لابد من عمل صالح يزكي الإيمان الفردي ويجسد العلم الشرعي الكامن في الأذهان، خلقا وقولا حسنا وبرا ينفع الناس وقوة في الإنجاز وحمل الأعباء ورص صفوف بناء تنظيمي فاعل ومؤثر لحمته الحب في الله وعروته الوثقى الشورى والنصيحة وقاعدته المتينة الطاعة في المعروف.

باختصار، فالمنهاج النبوي يريد للعمل أن يتحلى بالوضوح والإحسان والمسؤولية.

الخصلة السابعة: السمت الحسن

هذه السمة تميز المؤمن عن الجاهلي مظهرا، بشرا وسلوكا. إنه زيال ومفارقة عادات الفتنة والجاهلية ورواسبهما. تحول في المظهر من حيث اللباس ولغة الخطاب وجميع أعمال الجوارح واقتفاء لأثر الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله يرافقه تحول في باطن الإنسان. ولابد من طرد النموذج الجاهلي الذي غرسه الاستعمار في ديار المسلمين وتطهير سلوكهم من مسخه وآثاره الدوابية.

الخصلة الثامنة: التؤدة

(التؤدة لغة الرزانة، والتريث، وما في معناهما من أخلاق الحلم والصبر والتحمل، والأناة، وضبط النفس، وطول النفس، وأهلية تحمل المسؤوليات، والاستمرار في الجهاد)(48).

إن التؤدة تربية تتضمن معاني ضبط سلوك الوارد وشرة المندفع وتوجيه نشوة الحركي الذي يهدر جهده في حماس رخيص ما يلبث أن يخبو. أما التؤدة تنظيما فمن شأنها أن تقي الجماعة مزلق التضخم العددي على حساب النوعية كما تتضمن معاني التدرج وضبط النفس عند المشورة وامتحان الصبر والثبات في الميدان تحملا ومدافعة وإنجاز المهام ومتابعة القرارات والأعمال.

الخصلة التاسعة: الاقتصاد

(الاقتصاد توسط محمود بين طرفي الإفراط والتفريط)(49).

هذه الخصلة تلفت نظر المؤمن والجماعة المؤمنة إلى أنهم ركب قاصد إلى غاية، ولابد من الوصول إليها عبر أقرب السبل دون تردد ودون أن تتحول فضائل الحلم والتريث في التؤدة إلى عوامل جمود وتبرير للقعود.

إن المقاصد الجهادية لا يمكن تحققها بالتثاقل المقعد أو بالخفة والطيش، وإنما بالسير الحثيث القاصد نحو الغايات المرسومة وبالوسائل المحددة.

والاقتصاد تنظيما إعداد لأسباب القوة، إذ القوة المادية مطلب لا غنى عنه لخوض غمار الجهاد، فالتناقض بين شرائح واسعة تعيش في الفقر المدقع وملأ طفيلي يتمرغ في البذخ والترف أحد سمات اقتصاد الحكم الجبري، والتوسط بين هذين الطرفين هو السبيل القاصد اقتحاما للفوارق الفاحشة نحو عدالة الاقتصاد الإسلامي المرتقب وقوته، اقتحام يخول كل ذي حق حقه وينشر الرخاء في جو الأخوة والإيمان، فالفقر مثبط لعزائم الأفراد والضعف المادي والتخلف الحضاري مثبط لعزيمة الأمة.

الخصلة العاشرة: الجهاد

ثمرة التخلق بشعب الإيمان أن تؤدي إلى خصلة الجهاد (غاية التربية أن نهيء الجندي المجاهد في سبيل الله. وغاية التنظيم أن يعبأ جند الله ليكون قوة مجاهدة. وغاية التربية والتنظيم نصر دين الله)(50).

التدرج في مراقي الخصال العشر برحلة تبدأ من الصحبة والجماعة مرورا بالذكر والصدق والعلم والعمل والسمت الحسن والتؤدة ثم الاقتصاد وصولا إلى ذرى الجهاد، وبقدر إحكام خطى السير على درب الخصال الأولى يكون الحظ من الجهاد وافرا، فمن صحت بدايته أشرقت نهايته.

وللجهاد واجهتان متلازمتان:

أولا: الاشتغال بالله تعالى ومرضاته والشوق إلى لقائه بمجاهدة النفس الأمارة بالسوء وحملها على الخضوع لحكم الله تعالى والانقياد لشرعه القويم والإقلاع عن صغائر الملهيات فضلا عن الذنوب والمعاصي.

ثانيا: الاشتغال الذؤوب بتنسيق الجهود وجمعها وتعبئتها لخدمة الجهاد على كل المستويات والواجهات في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه بحافزي الغضب لله عز وجل ولحرمه المنتهكة وشرعه المعطل ثم الغضب على الظلم عبر قومة إسلامية تقوض بنيان الباطل وتهد صرحه فتحق الحق وتبني دولته بعز عزيز أو ذل ذليل.

وقد قسم المنهاج النبوي خصلة الجهاد إلى عدة أبواب هي: جهاد النفس أولا ووسطا وآخرا  جهاد المال  جهاد التعليم  جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  جهاد الكلمة والحجة  جهاد التعبئة والبناء  الجهاد السياسي  جهاد التنفيذ  جهاد الكفر  جهاد النموذج الناجح  جهاد التوحيد.

الهوامش:

(1) حركة التوحيد والإصلاح “الميثاق” طبع طوب بريس  الرباط  1998  ص 12 بتصرف.

(2) نفسه.

(3) م. ن. ص 35.

(4) م. ن. ص 37.

(5) م. ن. ص 42.

(6) م. ن. ص 49.

(7) م. ن. ص 55.

(8) م. ن. ص 59.

(9) م. ن. ص 62.

(10) م. ن. ص 63.

(11) م. ن. ص 65.

(12) م. ن. ص 69.

(13) م. ن. ص 72.

(14) م. ن. ص 80.

(15) من أجل واقع إسلامي بديل: البيان الحضاري  خيارات البديل الحضاري- منشورات البديل الحضاري  مطبعة برادة  فاس  1996  ص6.

(16) م. ن. ص 23.

(17) نفسه.

(18) نفسه.

(19) م. ن. ص 26.

(20) م. ن. ص 28.

(21) م. ن. ص 29.

(22) نفسه.

(23) م. ن. ص 31.

(24) نفسه.

(25) م. ن. ص 44.

(26) م. ن. ص 48.

(27) م. ن. ص 50.

(28) م. ن. ص 60.

(29) م. ن. ص 63.

(30) م. ن. ص 66.

(31) “رسالة البصيرة” الجزء الأول: الحركة من أجل الأمة: الأصول والمنهاج والهوية  الرسالة والوظائف  الأهداف والوسائل / مطبعة المتقي برينتر  المحمدية  2002.

(32) م. ن. ص 8.

(33) م. ن. ص 23.

(34) م. ن. ص 30.

(35) م. ن. ص 135.

(36) م. ن. ص 137.

(37) م. ن. ص 150.

(38) م. ن. ص 15.

(39) م. ن. ص 168.

(40) م. ن. ص 169.

(41) عبد السلام ياسين “الإسلام غدا” مطبعة النجاح  1973  ص 11.

(42) المنهاج النبوي، ص 22.

(43) الإسلام غدا. م. س. ص 486.

(44) م. ن. ص 605.

(45) المنهاج النبوي، م. س. ص 123.

(46) نفسه.

(47) نفسه.

(48) م. ن. ص 266.

(49) م. ن. ص 293.

(50) م. ن. ص 332.