1- مقدمة أولى:

لا ينج منهج البحث حول الحركة الإسلامية من آفتين: أفة الدفاع المستميت إلى حدود التستر عن النواقص ونفي جوانب الضعف والسلب، وآفة التسفيه التي لا تقيم الوزن بالقسط وتحقر كبير المعروف وصغيره، قليله وكثيره، وتبخس الناس أشياءهم. وإنه لمن الصعب على من يتكلم من داخل الحقل الإسلامي أن يلتمس النزاهة والموضوعية في المهمة الصعبة .. ولذلك، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى تحري النزاهة … إنه سميع مجيب …

2- مقدمة ثانية:

ينبني منهجنا في الحديث حول الحركة الإسلامية بالمغرب (ح. أ.م) على أربعة محددات:

* الأول هو تجاوز المقاربة الفصائلية واعتماد المقاربة التركيبية  التحليلية ليكون الحديث حول الحركة الإسلامية كحالة عامة. قد يقال إن المناهج تختلف من جماعة إلى أخرى .. وهذا صحيح .. وسنعرض له عند الحاجة .. وليس الهدف هنا الالتفاف حولها ولا التقليل من أهميتها .. بل المقصد والمبحث هو أن نتحدث عن حاصل ح.إ.م بتنوعها الاجتهادي وتعددها الحركي والتنظيمي.

* الثاني هو الحرص على الإمساك بالأصول والكليات دون التيه في التفاصيل والجزئيات.

* الثالث هو المزاوجة بين السبيل النقدي والسبيل التأسيسي على اعتبار أن المدى النقدي يجب أن يكون فاتحة للتأسيس، ومخاضا فكريا وسياسيا يتجاوز ما استهلك من التاريخ، ويوسع ما ضاق منه ويثمن خطوط التقدم والأصالة فيه.

* الرابع هو اعتبار المقياس الزماني لأن المرحلة هي سياق الوعي والتقدير والسلوك عموما: إنها “أسباب النزول والورود”.

3- المحور الأول: الحركة الإسلامية بالمغرب: في النشأة والتطور:

أ- يخطئ من يعالج حالة الحركة الإسلامية كرد فعل احتجاجي على أزمة الحداثة أو أزمة الديمقراطية وتفاقم الحالة الاقتصادية والاجتماعية إلى غير ذلك من التفسيرات والتأويلات الفاسدة. ويندرج تحت هذه المعالجة تحليل الظرفية الذي يرى أن نكسة 67 ومن قبلها زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة، وتراجع المد القومي واليساري بكافة تشعباته وامتداداته، كلها عوامل أدت إلى انكفاء ذاتي لم تمثل فيه العودة إلى تعاليم الدين الإسلامي الحنيف سوى أحد تجلياته الأساسية بحثا عن عوض معنوي ووجداني في مقابل النكسة والهزيمة وتوالي الخيبات، صحيح أن النكسة (نكسة 67) أشرت لتراجع أطروحات كانت تؤطر الأمة وقتذاك .. فكان من الطبيعي أن تلمس الأمة سبيلها لاستعادة صدارتها العالمية. فوجدت في الإسلام ضالتها بعد هجر غير مقصود وبعد أن أثبتت قوى إسلامية مشرقية مصداقيتها في مواجهة العدو الصهيوني على أرض الإسراء في عقود الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الميلادي الماضي .. وعليه، لم تمثل تلك النكسة وما رافقها من هزائم وخيبات سوى عناصر مساعدة على تنامي الصحوة الإسلامية المباركة وخاصة بعد أن تحولت فعاليات فكرية، كانت تقف على الأرض القومية واليسارية، إلى أرض الإسلام الرحبة الممتدة منهجا وعقيدة وسلوكا.

إن الحركة الإسلامية لم تكن في ميلادها مقطوعة الصلة والجذور التاريخية. وتدل حقائق التاريخ ووقائعه الراسخة على اتصال سندها الحضاري الضارب في عمق التاريخ: إنها تتويج معاصر لمجهودات المصلحين عبر التاريخ، وهي امتداد طبيعي وتاريخي لمحاولات تصحيح المسار التي لم تتوقف في تاريخ أمتنا والتي اتخذت تارة طابعا فرديا وتارة طابعا جماعيا، تلك المحاولات التي لم تهتم فقط  كما هو رائج خطأ- بقضية الحكم والنظام السياسي وقضايا السلطة، بل مست كل الجوانب الأخرى على صعيد العقيدة والفكر والفقه والمعرفة وعلى صعيد السلوك والأخلاق ونظام القيم.

إنها مشروع تجديدي نهضوي ينطلق من زاد فقهي أصيل وزاخر لمواجهة أسئلة وتحديات العصر المستجدة والمتجددة على طريق الصدارة الحضارية العالمية من جديد.

ضمن هذا الوعي، وعلى قاعدة الخصوصيات القطرية، كان ميلاد ح. إ. م بالمغرب في أواخر عقد الستينات من القرن الماضي، وهو الميلاد الذي جاء متأخرا عن ميلاد مثيلاتها بالمشرق، وذلك بعد محاولات “الصمود الحضاري” الذي مثلته ما أصبح يعرف اليوم في إطار بعض التصنيفات (الجابري نموذجا) بـ”السلفية الوطنية”. وأيضا بعد الفشل الذي عرفته مبادرة علماء المغرب في عقد الستينات الميلادي لتقنين الفقه الإسلامي وبلورة مدونة الأحوال الشخصية وكتاب الأموال (الذي لم يصدر) من أجل قانون تجاري مغربي يرتكز للمرجعية الإسلامية. ولم تمثل تلك النهاية سوى إحدى نتائج إملاء “إيكس ليبان” التي لم تحصر نفوذ الاستعمار وتأثيره التغريبي على الصعيد السياسي والاقتصادي بل تعداه إلى المستوى التشريعي والثقافي.

إن ح. إ. م هي حاصل التراكمات الإصلاحية التاريخية التي جاءت لتصحيح المقاربات الخاطئة سواء منها المشروع التحديثي التغريبي أو المشروع السلفي الوطني: فمشروع التحديث التغريبي كان يرتبط بشعور عميق بالافتقار إلى الهوية كما كان يلغي الانسجام بين الأسس الروحية والمادية والرمزية والعقلية التي تعتبر الشرط اللازم لنهضة المجتمعات وتقدمها. أما تيار السلفية الوطنية فقد ساهم بجهادية كبيرة في المعركة ضد الاستعمار، لكنه انحسر بعد “إيكس ليبان”، ولم يستطع أن يؤثر في معادلة السلطة السياسية والعمران التنموي .. فوقف عند عتبة هذه المرحلة حيث مضى التاريخ .. ولذلك نجد اليوم من يصنف ح.إ.م بالمغرب على أنها “امتداد وتطوير للسلفية الوطنية وللمدارس الإصلاحية النهضوية” ولكن بصيغة أكثر اتساعا وشمولا وامتدادا. إن ح.إ.م، بهذا المعنى، هي أيضا محاولة لتجديد بنية هذا الاتجاه وإعادة إدماجه في سياق التاريخ ..

هكذا، إذن يمكن أن نتحدث عن الإضافة النوعية لـ”ح.إ.م” بالمغرب على اعتبار أنها توجه نهضوي يعمل على قاعدة الإفادة من إيجابيات المشهد الديني العام بهدف تطويره وتخصيبه وتنميته وتجديده. لقد كان ذلك الميلاد تتويجا لكل تلك الجهود والمحاولات التي تكلمنا عنها وترشيدا لها وخاصة في ظروف ضعف فيها التدين وتعمق فيها الانحراف مع الموجات التغريبية التي شهدتها بلادنا في تلك المرحلة، والتي انضاف لها تحدي القوى اليسارية الفكري والإيديولوجي والسياسي هذا دون أن نتحدث عن النزعة التوظيفية من قبل السلطة السياسية للدين عموما.

وعليه، بقدر ما كان ذلك الميلاد تفعيلا موضوعيا للمشهد الديني العام ببلادنا، كان أيضا، وبنفس القدر، إجهاضا عمليا لمسلسل تصفية الإسلام أو استبعاده من جهة، أو توظيفه في تنمية الفكر الخرافي والأسطوري أو في معادلات التوازن السياسي أثناء مواجهة المخزن للمد اليساري في مطلع السبعينات حينما رفع شعار “البعث الإسلامي” من جهة أخرى.

وعليه، فإن الحركة الإسلامية المغربية بامتلاكها شهادة المنشأ التاريخي تمثل وعيا ذاتيا للرد على تحديات الهزيمة أمام الغرب … وبامتلاكها خطا جماهيريا تمثل إمكانية لتعبئة الأمة وإدماجها في عملية الجهاد والكفاح ضد الاستبداد والظلم والهيمنة .. وبانطلاقها من ضرورة الاجتهاد والتجديد تصبح قادرة على الجواب على نوازل العصر وصياغة المشروع المجتمعي والاستبسال في الدفاع عن قضايا الأمة.

ب- ربما قد يعاب على ح.إ.م بالمغرب أمران: الأول هو أنها لم تجسر علاقتها بما يجب ويكفي مع التيار الذي يصنف بـ”السلفية الوطنية” بسبب نزعتها التطهرية في زمن الميلاد والبدايات وربما لأن الطرف الآخر لم يبذل مساعيه في هذا الاتجاه لانشغالاته السياسية في مطلع السبعينيات الماضي (مشروع الكتلة الوطنية). أما الأمر الثاني، فإن علاقتها بالعلماء ظلت خافتة ومحدودة، إن لم نقل متوجسة، بسبب أن مجموعة من العلماء، ولأسباب مختلفة، لم يكونوا في مستوى انتظاراتها على مستوى الدور والرسالة. وإذا كان هذا الأمر صحيحا إلى حد بعيد، فإنه سيكون من التعسف ألا نذكر مواقف علماء حرصوا على أداء الأمانة وأدوا ثمن ذلك عزلة وتهميشا إن لم يكن تضييقا ومحاصرة واعتقالات وتعذيبا.

ومن جانب آخر، أضحت مؤسسة القرويين ومختلف روافدها من التعليم الأصيل عاجزة عن تخريج كفاءات علمية شرعية تكون جادة وملتزمة بمهامها الشرعية بيانا وبلاغا وأمرا مستقلة ونهيا عن المنكر. كما أن رهان رابطة علماء المغرب، المتمثل في إيجاد مؤسسة علمية مستقلة لها وزنها وحضورها في بيان الأحكام الشرعية لتكون قوة مجتمعية مدنية نافذة، قد فشل أمام مناورات السلطة السياسية السائدة. هذه العوامل تفسر إلى حد بعيد ضعف صلة ح.إ.م أمام مناورات السلطة السياسية السائدة. هذه العوامل تفسر إلى حد بعيد ضعف صلة ح.إ.م المغربية بمؤسسة العلماء وخاصة منها الرسمية. واليوم، تحاول مختلف مكونات ح.إ.م بالمغرب تجسير علاقتها مع العلماء العاملين الثقات إضافة إلى انفتاحها على مكونات المشهد السياسي ذات الجذور الوطنية.

ج- والحركة الإسلامية المغربية المعاصرة، بكافة مكوناتها، لا تزال تخوض معركة التوفيق والموازنة بين ضرورات المعارضة المدنية ومتطلبات طرح البدائل والمشاريع: فالاعتبارات الموضوعية متعاظمة حتى تظل الحركة الإسلامية مجرد حركة احتجاج اجتماعي وسياسي للحيلولة دون طرحها لبدائلها ومشاريعها حول قضايا الدولة والمجتمع وغيرها.

إن الحركة الإسلامية المعاصرة بالمغرب لا تزال مهتمة أكثر بترشيد الوسائل في التعامل مع السلطة السائدة على حساب الاهتمام بترشيد مضمون مشاريعها المجتمعية.

وإذا كان المشروع المجتمعي نتاج معاناة فكرية وسياسية وتربوية تدافعية تنطلق من الثوابت وتستوعب المتغيرات وتتسلح بسلاح المعرفة والعلم … وتراكم على مستوى التجارب والخبرات، فإن الحديث عن المشروع المجتمعي يتطلب جهادية أكبر لإنهاء ملف الإشكال القانوني حتى تتبوأ ح.إ.م. مكانها الطبيعي في جبهة التدافع الشامل.

ومن باب العدل والإنصاف، فإن هذا القول لا ينفي وجود جهود تأسيسية نتمنى أن تتواصل وتتعمق وتتجذر بحول الله.

د- أما على صعيد بنيتها وقاعدتها الاجتماعية، فيمكن الإشارة إنها تحولت اليوم إلى الحالة الأكثر جماهيرية واتساعا وتنوعا في الكثير من القطاعات المهنية والعمالية فضلا عن القطاع الطلابي والتلاميذي بعد أن كانت بنية طلابية وتلاميذية في غالبها الأعم في بداياتها الأولى وتحديدا في عقد السبعينيات من القرن الميلادي الماضي. وهذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد. ولولا ضيق هوامش الحريات في عملها داخل المجتمع، لكانت بنيتها أكثر اتساعا مما هي عليه الآن.

وعليه تبدو الأطروحة المتمثلة في حصر القاع الاجتماعي للحركة الإسلامية المغربية المعاصرة، في مجرد الطلبة والتلاميذ والعاطلين والفئات المهمشة، أطروحة بلا دليل ويعوزها البرهان.

ومن جانب آخر، لقد رافق التطور على صعيد البنية الاجتماعية للحركة الإسلامية بالمغرب تطور على صعيد المؤهلات المعرفية والعلمية والشرعية بالإضافة لتطور المؤهلات التنظيمية والقيادية: إن تنامي الفئات السوسيومهنية ومن مختلف القطاعات والتخصصات قد ساهم في نمو الحركة الإسلامية بالمغرب ونضجها وتمكنها من زاد معرفي وعلمي هام وخاصة في بعض المجالات كالإدارة والتنظيم…

ولكن يظل اتساع القاعدة الاجتماعية للحركة الإسلامية بالمغرب محدودا في البادية رغم ما بذلته وتبذله من جهود، بل يرجع لها الفضل في انفتاح البادية من جديد على مهام التدافع السياسي والاجتماعي والثقافي ببلادنا. ولا ينبغي أن ننسى هنا الجهود التي تبذلها السلطة السياسية في عزل البادية وإبعادها عن دينامية التدافع الاجتماعي والسياسي والثقافي (تنمية الفكر الخرافي نموذجا) لإدراك ما تواجهه ح.إ.م من صعوبات في النهوض بدور البادية.

4- المحور الثاني: الحركة الإسلامية بالمغرب: قضايا الاتفاق والاختلاف:

أ- تجمع كل مكونات الحركة الإسلامية المغربية المعاصرة على مرجعية الكتاب والسنة الصحيحة فيما تحدده من مهام وواجبات وفيما تطرحه من رؤى وحلول. كما تؤكد اعتصامها بحبل الله المتين والمحجة البيضاء عقيدة ومنهجا وسلوكا. وهذا أمر هام، لأنه يعني وحدة المنطلقات المرجعية ووحدة المستند الحضاري، وبالتالي فهو عنصر قوة لصالح التقارب والتعاون والتوحد فيما بينها. صحيح أن الاجتهادات تختلف، وصحيح أن التعددية هي تعددية مشاريع في مقاربة النص والواقع، ولكن بحكم وحدة المرجعية والمستند الحضاري، يظل الإسلام هو الأصل وتظل الحركات مجرد اجتهادات ووسائل تختلف باختلاف الفهم والتقدير: فهم الواقع وتقدير المصلحة.

ب- وعلى جانب آخر، تضيق مساحة العقل أو تتسع في رؤى ومناهج مكونات الحركة الإسلامية المغربية المعاصرة بحسب الوعي بالحاجة الماسة والضرورية للاجتهاد والتجديد. إنها تدرك اليوم أنها أمام أسئلة معاصرة مستجدة لم يعرض لها الفقه الإسلامي التاريخي، كما أنها أمام تطورات عميقة في البنيات والأنساق على صعيد الدولة والمجتمع وعلى صعيد العلاقات لم يواجهها سلفنا الصالح. وهو ما يفسر وجود اتجاه عام داخل الحركة الإسلامية المعاصرة بالمغرب يميل إلى إعطاء مساحة أكبر لإعمال العقل والاجتهاد والتجديد.

ج- ح.إ. بالمغرب ونظرية العمل:

تعتبر نظرية العمل من قضايا الاختلاف بين مكونات ح.إ.م، ويتعلق الأمر بنظرية التصحيح والإصلاح والتغيير بما في ذلك استراتيجية التدافع ومسألة التحالفات التي يلزم تحرير مواطن الاختلاف فيها والتداول بالتالي بخصوصها حتى تحقيق أرقى مستوى من التفاهم. إن سؤال التغيير والإصلاح والتصحيح هو سؤال مركب ولا تنفع معه منهجية الثنائيات المتقابلة والمتخاصمة لأن المنهجية الإسلامية منهجية وسطية وتركيبية. وعليه، فليست المسألة، مثلا، تقابلا بين من يرى التغيير من داخل المؤسسات، وما يستلزم ذلك بالضرورة من مشاركة في العملية الانتخابية، ومن يرى التغيير من خارجها، لسبب بسيط مؤداه أن العمل من خلال المؤسسات في شروط لا يتناقض مع العمل من خارجها في ظروف أخرى مغايرة. وبالنتيجة، فالتغيير من الداخل قد يكون مجديا ومفيدا في شروط محددة وقد يكون مفسدة في شروط أخرى كما أن التغيير من خارج المؤسسات قد يكون مصلحة في ظروف فيما قد يكون مفسدة في ظروف أخرى. وينطبق نفس الشيء على سؤال المضغة المجتمعية التي يلزم التركيز عليها: مضغة الدولة أم مضغة المجتمع أو هما معا؟..

إن الحكم الشرعي هنا هو حكم الوسائل، والاختيار بين الوسائل أو تقديم وسيلة على أخرى من موارد الاجتهاد، والأصل فيها (أي الوسائل) جلب المصالح ودرء المفاسد ما لم يرد نص صحيح وصريح بالفعل أو الترك .. بل إن كل أمر لم تلغه الشريعة أو لم توجبه جاز لنا فعله شريطة ألا يفوت مصلحة راجحة وألا يؤدي إلى مفسدة عظيمة.

د- ح.إ. بالمغرب والسلطة السياسية:

يمكن تناول هذا المحور من خلال العناصر التالية:

علاقة السلطة السياسية بالحقل الديني:

ظلت علاقة السلطة السياسية بالحقل الديني متوزعة بين الإهمال والتفريط كما هو مآل القرويين والتعليم الأصيل، أو التوظيف لضرب جهات معينة وهو ما حصل أثناء ما سمي بسنوات “البعث الإسلامي” مع مطلع السبعينيات من جهة أخرى.

وتطورت العلاقة لتصل حدود النزعة الهيمنية المطلقة على الحقل الديني بعد تنامي الاستعداء الاستكباري العالمي ضد الحركة الإسلامية المعاصرة تحت ذريعة أنها تمثل تهديدا حقيقيا لمصالح الغرب ولقيمه … وقد تنامت هذه النزعة خاصة مع تشديد الرقابة على المساجد كمراقبة ما يعطى داخلها من دروس دينية توجيهية وإحصاء روادها لتحديد مستوى وحجم التدين في المجتمع.

السلطة السياسية وسؤال الاعتراف القانوني ب ح. إ.م.:

يعرف الجميع أن قوى وتنظيمات ممنوعة من حقها في التنظيم والتعبير ويقف في مقدمتها مكونات الحركة الإسلامية. وهذا أمر مقلق للغاية .. فهو إذ يثير مشكلة التمييز الحقوقي يطرح بقوة سؤال المواطنة ببلادنا: أليس الإسلاميون المغاربة مواطنين يحملون بطاقة التعريف الوطنية وبالتالي عليهم نفس الواجبات ولهم نفس الحقوق التي يلزم أن يتمتع بها كل المواطنين المغاربة بما فيها الحق في العمل السياسي؟ ثم، ما الذي يمنع من أن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة ويكون لهم الحق في التعبير والتنظيم وأن يطرحوا برنامجهم للناس ليقولوا كلمتهم فيه؟

إن الانتماء للوطن لا تحدده بطاقة التعريف الوطنية ولكن الذي يحدده هو منسوب الحقوق والحريات التي يتمتع بها المواطنون، ثم إن الحركة الإسلامية المغربية بمختلف مكوناتها لا تدعي احتكار التكلم باسم الدين، وتحترم القانون على علاته، وتنبذ العنف وتتوسل الأساليب السلمية كما تحترم ثوابت الهوية الحضارية المغربية دينا ولغة وتراثا .. لكن الدولة المغربية، في المقابل، تتعامل مع المغاربة الإسلاميين على أساس أنهم مواطنون من الدرجة الثانية وهم في أحسن الأحوال كم من الأصوات فقط لا يجوز لهم أن يمارسوا حقهم المشروع في العمل السياسي ولا حتى أن يكون لهم قول سياسي .. ومن يريد منهم العمل السياسي فعليه “اللجوء السياسي” لأحد الأحزاب .. وهذه مشكلة سياسية خطيرة تطرح بحدة أزمة الشرعية ببلادنا .. لأن عدم الاعتراف ببعض مكونات وقوى المجتمع يجعلنا نميل إلى القول بأن هذه الحالة نموذج لأزمة الشرعية وليست نموذجا لنقص الشرعية .. نحن نريد أن تنفتح بلادنا على سؤال التنمية والنهضة .. وأن يصبح التنافس السياسي على قاعدة البرامج لا على أساس الاحتجاج والمظلومية .. وأن تتجه الأجهزة الأمنية إلى وظيفتها الحقيقية في توفير الأمن للبلاد والعباد في محاربة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات وشبكات الدعارة وغيرها .. وأن تترسخ مكانة العدالة والقضاء في حسم الخلافات والتصدي للخروقات والتجاوزات .. هذا ما نريد لبلادنا وشعبنا .. ولذلك، فإن إتاحة الفرصة لجميع المغاربة، دون تمييز أو إقصاء، هو المصلحة الحقيقية التي ستفتح بلادنا على آفاق الخير الواعدة .. وستقطع الطريق على لوبيات الشر المتربصة بمستقبل بلادنا ومصالحها العليا ..

ح. إ. م. وسؤال المشاركة السياسية:

نتيجة لاختلاف الموقف السياسي من السلطة السياسية، تعتبر إشكالية المشاركة في العملية الانتخابية في إطار السياق المغربي الراهن واحدة من قضايا الخلاف بين مكونات الحركة الإسلامية المغربية المعاصرة. ونبسط فيما يلي التوضيحات الأساسية التالية:

أولا- الأصل هو المشاركة السياسية .. والجميع مجمع على أهمية العمل السياسي وضرورته، والجميع يمارس السياسة بالطريقة التي يراها مناسبة وتخدم الأهداف والمقاصد المنشودة التي سطرها .. وبالتالي فلكل اجتهاده وتقديره .. ولا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة .. والمطلوب شرعا هو التسابق والتنافس في الخيرات ..

ثانيا- المشاركة في الانتخابات والمؤسسات الدستورية (أو لنقل المشاركة الانتخابية والمؤسساتية) هي جزء من المشاركة السياسية والعمل السياسي وليست كل المشاركة السياسية أو كل العمل السياسي، وبالتالي فقياس المشاركة السياسية أو العمل السياسي لا يتحدد من بوابة المشاركة في الانتخابات والمؤسسات الدستورية والسياسية على اعتبار أن للعمل السياسي والمشاركة السياسية بوابات متفرقة. وعليه، فلا يمكن اعتبار، كل من لا يشارك في العملية الانتخابية منعزلا، بل هو فقط ممتنع عن ممارسة أحد أشكال العمل السياسي لأدلة راجحة لديه على اعتبار أن تلك المشاركة تندرج في مباحث السياسة الشرعية وتتقرر في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد.

ثالثا- إن سؤال المشاركة الانتخابية والمؤسساتية، بمقتضى ما سبق، هو سؤال في الشروط وليس في المبدإ. وليس النقاش، هل هناك مصالح في المشاركة الانتخابية والمؤسساتية أم لا؟ لأن المؤكد هو وجود مصالح فيها لكن إلى جانب مفاسد، وبالتالي فمدار النقاش هو في الترجيح بينهما .. إذ ليست هناك مصالح مطلقة فقط أو مفاسد مطلقة فقط بل، الصحيح، أن نقول أن في المشاركة الانتخابية والمؤسساتية مصالح ومفاسد … وبالتالي فقد نشارك في شروط وظروف تترجح فيها المصالح فيما نقاطع ونمتنع في شروط وظروف أخرى تترجح فيها المفاسد .. ما دام موضوع المشاركة الانتخابية أو عدمها هو موضوع التقدير والاجتهاد وما دامت المصلحة تقدر شرعيا بقدرها.

5- المحور الثالث: الحركة الإسلامية بالمغرب ومحيطها العام:

أ- ح. إ. م. والقوى السياسية:

يمكن التمييز بين ثلاثة مراحل في تطور العلاقة بين الحركة الإسلامية ومكونات الساحة السياسية:

كانت المرحلة الأولى مع التنامي الذي عرفته ح.إ.م في مطلع السبعينيات من القرن الميلادي الماضي، وقد تميزت بتوتر بالغ، ساهمت فيه عدة عوامل على رأسها وفي مقدمتها نوع الاستفزازات التي تعرض لها بعض الإسلاميين والتي وصلت حدود العنف الممنهج المادي (الضرب والجرح) والأدبي (الاستهزاء بالقرآن والإسلام والقيم الدينية الإسلامية ..). لقد كان البعض يعتقد، دون تبين وتحقق، أن الإسلاميين مجرد صنيعة سياسية هدفها تمييع حقيقة الصراع، وبالتالي يلزم مواجهتهم والتصدي لهم. وهذه أمور مجانبة للحقيقة..

أما المرحلة الثانية، في منتصف الثمانينيات من القرن المذكور، فقد عرفت نوعا من التقارب المشوب بغارات إديولوجية وسياسية وإعلامية وذلك بعد أن أثبت الإسلاميون صدقيتهم الجهادية والكفاحية من خلال حجم الضرائب التي قدموها، وبعد أن اتضح أن هناك مناخا دوليا يتسم بصدارة الإسلاميين للمعارضة في الوطن العربي والإسلامي.

وفي السنوات الأولى من عقد التسعينيات الماضي، ابتدأت المرحلة الثالثة في علاقة ح.إ.م بالقوى السياسية. وقد تميزت هذه المرحلة بطابع الحوار والتواصل ليصل في السنوات الأخيرة إلى حدود التنسيق الميداني والعملي في تنظيم العديد من المعارك ذات البعد الداخلي أو الخارجي. وقد مثل المؤتمر القومي  الإسلامي عنصر دفع بهذا الاتجاه .. وهو المؤتمر الذي تبقى قراراته وتوصياته بحاجة إلى تنزيل إلى حيز الواقع من أجل تجاوز مراحل السلبية وتأسيس علاقات متحضرة بناءة ..

على أن هذا التحقيب التاريخي الموجز لا يمنع من القول أن مواقف القوى السياسية في علاقتها مع الحركة الإسلامية بالمغرب تتوزع اليوم بين ثلاثة خطوط: خط الحوار وأبرز من يمثله هو إطار فعاليات المؤتمر القومي  الإسلامي، وهو الخط الذي نتمنى له أن يتطور لأن فيه مصلحة البلاد، وخط الاستئصال ويقوده التحالف العلماني الفرنكو  صهيوني، وخط المداراة أو ما نصطلح على تسميته بتيار البين بين. ويبقى من اللازم على ح. إ.م. أن تواصل السعي لتوحيد جميع المخلصين بهذا البلد ضمن تصور راشد، وأن نتجنب الاستعراضية لأن المهم هو إتقان العمل وضبطه وإحكامه .. وهناك مجالات كثيرة للتعاون منها: ملف الحريات العامة، ملف مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني، ملف الإصلاح السياسي والدستوري، ملف محاربة الفساد الإداري والمالي والأخلاقي وغيرها من الملفات ذات الأهمية ..

ب- ح.إ. م. والمجتمع المدني:

على أهمية ما تم إحرازه من تقدم مهم على مستوى الوعي بأهمية وبدور المجتمع المدني في نهضتها الجديدة، فقد ظل دور ح.إ.م. في تنمية نسيجه ومؤسساته وكذا حجم انفتاحها على مكونات المجتمع المدني دون الطموح.

* ظل الموقف من العلماء ومؤسساتهم محكوما بثنائية التطهر والتوجس. وقد مثل هذا الموقف واحدا من المواقف اللاتاريخية وغير الراشدة. لقد وضع هذا الموقف العلماء جميعا في سلة واحدة: موظفو السلطة السياسية وأدوات التزكية والشرعنة. وهذا الموقف تم سحبه وبسطه على الجميع دون تمييز بين علماء أحرار خيرين وعملاء تخلوا عن دورهم في بيان الأحكام الشرعية تحت ذرائع مختلفة .. وهو ما عكس أزمة في العلاقة بأهم مكونات طليعة المجتمع المدني .. ولذلك سيظل اليوم مطلوبا تصحيح هذه العلاقة على أسس سليمة بل والعمل على تبويء مؤسسة العلماء المكانة اللائقة بها حتى تقوم بدورها في بيان الأحكام الشرعية ونصرة الحق ومقاومة المنكر والاستبداد..

* يعتبر المسجد قلعة علمية وتربوية أساسية في بناء المجتمع المدني وتقويته، ولذلك، سيظل مطروحا على الحركة الإسلامية بالمغرب استفراغ الوسع في مواجهة كل المحاولات الرامية إلى إفراغ المسجد من مضامينه الرسالية وأدواره الطليعية. والمهمة هنا ليست سهلة ولا يسيرة .. فالمسجد، كما الأسرة والمدرسة، هي جسور الحضارة .. وعبرها يتحقق التواصل الحضاري بين أجيال الأمة .. ولذلك تتعرض للاستهداف بطرق متنوعة ومختلفة .. والهدف طبعا هو القضاء على وظيفتها الحضارية التاريخية.

* لم تنوع ح.إ.م. مداخلها في تأسيس العلاقة مع أهل التصوف وأصحاب الزوايا والطرق حتى يناصروا المشروع الحضاري الإسلامي ويكونوا أكثر إيجابية في تعاطيهم مع قضايا المجتمع والدولة .. وعلى جانب آخر، لم تبذل الجهود لترشيد التصوف أو ما يصطلح على تسميته بعلم السلوك .. فلا ينبغي أن ننسى أن في الذكر حياة للنفوس وتزكية وتطهير لها من التثاقل إلى الأرض أو الافتتان بمغريات الدنيا .. وهذه كلها حاجات تربوية أساسية لا غنى عنها في أي مشروع إسلامي جاد .. لأنه يوفر الأرضية الأخلاقية الأساسية للعمل الصالح النافع ..

على أنه لا ينبغي أن ننسى ما كان للتصوف من ثقل اجتماعي وسياسي في تاريخ المغرب .. كما لا يمكن إنكار دور بعض الزوايا في مقاومة الاستعمار الغاشم.

ربما قد يتحفظ البعض على هذا التوجه، ولا يتحمل قولنا بالانفتاح والتحاور والتعاون مع أهل التصوف بحجة أنهم “أهل بدع وضلالات”.. وردا على هذا نقول:

– إن الانفتاح والتحاور والتعاون على الخير هو مطلب إسلامي قرآني صميمي (وتعانوا على البر والتقوى) .. فالأصل هو أن نبحث في ما ينفع ويخدم القضية الإسلامية ما استطعنا إلى ذلك سبيلا وفي الحدود المقدرة شرعا.

– دعوتنا كانت صريحة وواضحة إلى ترشيد التصوف حتى يستقيم على ما كان عليه الإمام الجنيد رحمه الله، وذلك بتنقية التصوف مما لحقه من شوائب.

* لا يزال السعي لتطوير العمل النسائي وأوضاع المرأة والأسرة دون الحد الأدنى المطلوب في جهد ح.إ.م. هذا في الوقت الذي تسعى فيه بعض الدوائر من توظيف متعاظم لورقة المرأة والأسرة لتضييق دائرة نفوذ وإشعاع المشروع الحضاري الإسلامي … صحيح أن هناك جهودا محمودة تم بذلها من جانب ح.إ.م. وحالت دون تمرير مخططات علمانية تغريبية … ولكن المرأة المغربية بحاجة إلى تطوير أوضاعها ورفع الحيف عنها وتبويئها المكانة اللائقة بها على صعيد المجتمع والدولة.

* إن النهوض بالبادية وبأوضاع الفلاحين سيظل أمانة في عنق ح.إ.م. حتى كسر الحصار عنهم من أجل بادية مشاركة بحق في النهضة العامة لبلادنا ومستفيدة من ثمارها ونتائجها على صعيد البنيات والخدمات الاجتماعية.

* أما على الصعيد الثقافي، فيمكن القول أن ح.إ.م. ساهمت، وبدور أساسي، في الصحوة الثقافية ببلادنا … وهناك من يقر لها بهذا السبق من قوى سياسية مخالفة .. إلا أنه لا بد من التشديد هنا على ضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام لهذه الجبهة الحيوية والحساسة في زمن بدأت فيه الثقافة تحتل مساحات أكبر في التدافع الحضاري العالمي.

ج- ح.إ.م. في العلاقة بين مكوناتها:

يمكن القول  وبكثير من الاحتياطات التوضيحية- أن العلاقة بين مكونات الساحة الإسلامية لم ترق بعد إلى المطلوب … فإذا كان صحيحا وطبيعيا أن تتعدد المشاريع الاجتهادية وتتنوع وتختلف، باعتبار أن الإسلام هو الأصل والحركات هي مجرد وسائل، فإن الصحيح في الأمور المتفق فيها .. ولكنها تبقى بحاجة لمزيد من الحوار حول القضايا الخلافية لتحقيق أكبر قدر ممكن من التفاهم..

إن الخبرة التاريخية لأمتنا تقدم لنا نموذجين للاختلاف:

الأول هو اختلاف المذاهب وكان اختلاف رحمة .. ويشهد التاريخ بوقائعه الراسخة أنه لم يحصل قط أن تنازع الأئمة فيما بينهم، كما يؤكد الطبري رحمه الله أن الفقهاء اختلفوا في أربعة أخماس القضايا الفقهية ولم يؤد هذه الأمر لأية مشاكل بينهم أو نزاعات ..

أما النوع الثاني من الاختلاف فهو اختلاف الفرق وهذا كان اختلافا مذموما أدى إلى تنازع وصل حد الاقتتال في بعض اللحظات للأسف الشديد … ولذلك، أميل إلى القول إننا في الحالة المغربية، أمام اختلاف المذاهب لا اختلاف الفرق … وهذا ما تعمل مكونات الحركة الإسلامية المعاصرة بالمغرب على دعمه وتثمينه..

6- المحور الرابع: الحركة الإسلامية بالمغرب مواقف عامة:

أ-ح. إ. بالمغرب: في الموقف من الغرب:

ليست هناك أدبيات بين أيدينا تفيد موقف ح.إ. بالمغرب بخصوص الغرب .. ولكن باستقراء بعض التصريحات، فهناك تمييز بين نوعين من الغرب: الغرب الإنساني والغرب الهيمني الإلحاقي. فالغرب الإنساني لا يطرح أية مشاكل في الموقف العام للحركة الإسلامية بالمغرب.. على العكس، هناك مبادرات جمعوية ميدانية تفيد توجه الإسلاميين المغاربة إلى تطوير الحوار الحضاري مع الغرب على أسس واضحة من مثل احترام الخصوصيات، يمكن أن تصل حدود الحوار الحضاري إلى النقد البناء .. أما الغرب الهيمني الإلحاقي فثمة إجماع تام وسط ح.إ.م برفضه ومواجهته والتصدي له.

يترتب على كل ما سبق، أن ح.إ.م. لا ترفض الغرب كوجود حضاري وإنساني، ولكن كإرادة في استتباع الآخر والهيمنة والسيطرة عليه وتحويله إلى مجرد سوق لسلعه وأرض لتجاربه العسكرية والنووية وغيرها.

ويمكن أن نقول إن الذي يؤطر فهم الإسلاميين للعلاقة مع الآخر ومع الحضارات الأخرى هو قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). ومعناه أنهم يتبنون توجه الحوار الحضاري الذي يمكن أن يكون نقديا وبناء في العلاقة مع الغرب .. ومن هنا فإنهم يقفون موقفا رافضا لمقولات نهاية التاريخ وحرب الحضارات باعتبارها نماذج للتفكير الغربي المذموم ..

ب- ح.إ. بالمغرب وحقوق الإنسان:

تستمد ح.إ.م. مرجعيتها في تناول موضوع حقوق الإنسان من مبادئ الإسلام وقيمه وتوجيهاته: فالإسلام يعتبر حقوق الإنسان واجبات وضرورات ويسميها الفقهاء بحقوق العباد كالحق في الحياة والعيش الآدمي الكريم .. بل إن التكاليف ترتفع إذا افتقد الإنسان الضرورات الإنسانية. ولذلك، كانت ح.إ.م في مسيرتها الدعوية والجهادية، على ما بينها من تمايز في المقاربة وتفاوت في درجة الاهتمام والتركيز، معنية بموضوع حقوق الإنسان لأنها أول ضحايا خروقات حقوق الإنسان.

ج- ح.إ. بالمغرب: في الموقف من الديمقراطية:

إذا كانت الديمقراطية لا تعني حكم الشعب نفسه بنفسه ولا تشترط العلمانية لقيامها، فإن مكونات ح.إ.م لا ترى في الديمقراطية ما يتعارض مع الإسلام. إن الديمقراطية، كآلية في صناعة القرار واتخاذه والفصل بين السلطات والسماح بإمكانية التداول السلمي للسلطة، لا ترتبط طرديا (وجودا وعدما) بالعلمانية .. فمقاربة الارتباط هي مقاربة إيديولوجية تلغم حقل الديمقراطية.

حقيقة إن الديمقراطية ثقافة وتربية، لكنها تعكس الهوية الجامعة للشعوب وتتلافى أن تتحول إلى أداة قسرية تفصل بين السياسة والهوية والأخلاق..

د- ح.إ. بالمغرب: في الموقف من العلمانية:

باعتبارها حلا غربيا لمشكلة غربية هي أزمة العلاقة بين الكنيسة والدولة في أوربا، فإن العلمانية ليست حاجة موضوعية لأمتنا ولا تمثل في نظر ح.إ.م. شرطا من شروط النهضة. إن إسقاط العلمانية على واقع أمتنا هو إسقاط فاسد لأن الخبرة الحضارية لأمتنا تؤكد ما يلي: تلازم السياسة والدين ونفي وجود سلطة كهنوتية تحتكر المجال الديني، واعتماد الاجتهاد والتجديد للجواب على النوازل المستجدة، وجعل مدار السياسة مع الاستصلاح، واعتبار السلطة والولاية بيد الأمة ..

هـ- ح.إ. بالمغرب وموضوع المرأة:

إن تحسين أوضاع المرأة المغربية في إطار الهوية الحضارية ظل شعارا مركزيا من شعارات ح.إ.م… بل لقد اعتبرت مكوناتها أن إصلاح أوضاع المرأة بند أساسي من بنود الإصلاحات الأساسية المنتظرة وذلك بسبب الحيف الحاصل على المرأة على صعيد تكوينها وتربيتها وتعليمها أو على صعيد شغلها وعملها في المجتمع أو على صعيد مشاركتها في البناء المجتمعي تربويا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا.

و- ح.إ. بالمغرب والعولمة:

الإسلام، هو من حيث الجوهر والأصل، دعوة إلى الانفتاح والحوار الحضاري القائم على أساس الاحترام المتبادل .. ولذلك كانت كل نداءات ح.إ.م. لصالح الحوار بين الشعوب امتثالا لقوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” .. وضد مقولات نهاية التاريخ والحرب الحضارية التي هي إحدى المنتوجات الأدبية الغربية .. وعليه، ليس السؤال عند ح.إ.م. مع العولمة أو ضدها .. إنما السؤال هو عن مضمون هذه العولمة: هل هي عولمة الانفتاح والتعاون والاحترام المتبادل وتبادل المعروف أم هي عولمة الهيمنة والاستبداد وفرض النموذج الحضاري الواحد؟ .. هذا النموذج الثاني هو ما ترفضه ح.إ.م. وتعمل على مناهضته ..

ز- ح.إ. بالمغرب: في الموقف من قضايا الأمة:

من الأمور التي تتميز بها مكونات الحركة الإسلامية المغربية هو إجماعها حول قضايا الأمة الإسلامية .. وفي مقدمة تلك القضايا قضية فلسطين .. إن الحركة الإسلامية هي إطار للدفاع عن قضايا الأمة وقضايا التحرر العالمية العادلة مناصرة الشعوب المستضعفة في كفاحها العادل ضد الهيمنة وكل أنواع الاستبداد..

7- خاتمة إجمالية:

في الخلاصة، إذن يمكن القول:

– إن ميلاد الحركة الإسلامية المغربية المعاصرة شكل عنصر تمتين وتقوية لدفاعات المجتمع المدني.

– إن ح.إ.م. أعادت النظر في الانبهار بالغرب على قاعدة التذكير بأسبقية الأمة الحضارية.

– إن ح.إ.م. حملت أمانة المهام التربوية والأخلاقية والثقافية.

– إن ح.إ.م. سعت  ولا تزال- لتأسيس حوار بناء بين مختلف الفعاليات والحساسيات، وهذا يعكس نظرتها الوازنة للقوى المخالفة.

– إن مكونات ح.إ.م. تجمع على السبيل السلمي المدني في بلوغ أهدافها.

– إن ح.إ.م. لا تزال بحاجة إلى تعميق التواصل والحوار بين مكوناتها وبخاصة في قضايا الخلاف من مثل نظرية واستراتيجية التدافع ورسم التحالفات والموقف من النظام السياسي وجوانب وسبل ومداخل إصلاحه لتحقيق أعلى مستويات الاتفاق والتفاهم لما فيه مصلحة الإسلام.

– إن ح.إ.م. حركة منفتحة على العصر وقضاياه تتبادل معروفه وتدفع منكره.

– إن ح.إ.م. مثلت نصيرا حقيقيا لقضايا الأمة وفي مقدمتها قضية فلسطين والأقصى المبارك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.