س- باعتباركم أحد رموز الحركة الإسلامية بالمغرب وبحكم تجربتكم القديمة في الدعوة الإسلامية هل يمكنكم أن تلخصوا لنا أهم المراحل التي قطعتها الحركة الإسلامية المغربية قبل التشكل في صورتها النهائية حاليا.

ج- أولا أشير أن الحركة الإسلامية ترجع جذورها إلى عمق التاريخ المغربي، بصراحة حتى تعاقب دول متعددة بالمغرب كان يعبر عن انتفاضة عن ثورة عن عدم رضا تدفع بالأوضاع لتتغير، هذا بالنسبة للمتغيرات الكبيرة والتي تأخذ طابعا سياسيا، ولكن في ثنايا ذلك وبين ذلك، هناك حركات العلماء والمربين والمصلحين التي لم تنقطع. لكن الحديث هنا بدون شك هو عن حلقة معينة، هي الحلقة المعاصرة التي يصطلح اليوم على تسميتها بالحركة الإسلامية المعاصرة. البذور الأولى لهذه الحركة التي ترمي إلى تجديد الدين وتجديد المجتمع بالدين تجديدا شاملا وواعيا، هذه في الحقيقة نشأت في أحضان ما يسمى بالحركة الوطنية، فالحركة الوطنية كانت روحها إسلامية، كانت دوافعها إسلامية، كان وقودها إسلاميا، ولهذا حملت هذا الاسم، كان هاجسها البارز أو الأبرز هو المسألة السياسية مسألة الاستقلال مسألة إخراج الاحتلال وإعادة بناء الدولة، لأن الدولة تقريبا بمعناها الحقيقي كانت قد زالت لفائدة كيان الحماية المرقع بين ما هو مغربي وما هو فرنسي. أيضا الحركة الوطنية طغت عليها إشكالية الاستقلال وإشكالية بناء الدولة المستقلة أي بناء دولة ما بعد الاستقلال. في خضم هاتين القضيتين بدأت قضية الإسلام والتجديد الإسلامي تتوارى لفائدة الهموم السياسية.

ثم كذلك دخلت على الخط أدبيات الحركات الثورية في العالم، التي غلب عليها أيضا الطابع الاشتراكي واليساري والماركسي، فاخترقت هذه الأدبيات وشعاراتها وأفكارها الحركة الوطنية، ولذلك نجد أن قد بلغ من اختراق هذه الحركة في أوائل الاستقلال أن قسمت حزب الاستقلال إلى جناح محافظ وجناح ثوري تقدمي.

وهكذا انشغلت الحركة الوطنية مرة أخرى بهاجس جديد وهو الصراع الداخلي والتعاطي مع الأفكار الجديدة التي اخترقت العقليات واخترقت الأجواء الثقافية والسياسية، وهذا أيضا كان على حساب الاهتمامات الإسلامية وعلى حساب مواقع ذوي هذه الاهتمامات الإسلامية، وظل عدد من العلماء ومن حملة الفكرة الإسلامية يناضلون في خضم هذه الهواجس الطاغية التي تهمش الاهتمامات الإسلامية، ظل هؤلاء يناضلون داخل الحركة الوطنية، داخل بعض الصفوف إلى أن تم تهميش الكثير منهم، إلى أن أبعدوا أو يئسوا. طبعا هنا نذكر علال الفاسي نفسه، ولو أنه ظل زعيما لحزب الاستقلال إلى آخر رمق من حياته رحمه الله، فإن أفكاره تعاني من الاختراق ومن الصدام مع الأفكار اليسارية والمتياسرة، وكان يصارع داخل الحزب وعلى جنبات الحزب مثلما صارع الاستعمار، ومثلما صارع من أجل مقاومة التغريب والفرنسة للبلاد والعباد وللثقافة والتعليم، ومع ذلك كان فكره يعاني من حرب شديدة، ظل يواجهها إلى آخر حياته.

ونذكر في هذا الباب كذلك المختار السوسي رحمه الله، ونذكر المهدي بن عبود الذي كان في حزب الاستقلال ثم ابتعد عنه شيئا فشيئا، منهم من بقوا داخل حزب الاستقلال يدافعون عن الحركة الإسلامية وعن الفكرة الإسلامية من أمثال أبي بكر القادري ومحمد بلبشير الحسني، ومن الذين انسحبوا واعتزلوا لفائدة التفكير في بناء جديد المجاهد محمد الحمداوي أحد الموقعين على وثيقة الاستقلال والمعروف بالفقيه الحمداوي.

بجانب هذه الشخصيات التي نشأت في الحركة الوطنية وكانت لها مكانة ودور أبرز وظلت تصارع في إطار الحركة الوطنية  أو في جنباتها وبنوع من الاستقلالية، بنوع من الابتعاد الاحتجاجي، ظهر الشباب الذي لم يكن له ارتباط كبير بالحركة الوطنية، فالشباب المتدين، الشباب الذي ورث الدين أو اقتنع به بعد مرحلة اضطراب. هذا الشباب لم يكن له التزام، فبدأ عمله من جديد. عدد من الناس، من الشخصيات، ومن الشباب بدأوا هذه الحركة والتقى هؤلاء وهؤلاء. فإذن، الوجوه البارزة التأسيسية للحركة الإسلامية المعاصرة في أوائل السبعينات كانوا مزيجا من رجالات الحركة الوطنية، وأفضل مثال عندي لهؤلاء هو المهدي بن عبود الذي غذى الحركة الإسلامية الناشئة بفكره وبمحاضراته وبتدريسه في الجامعة المغربية وببعض كتاباته، والشخصيات التي ربما لم يكن لها التزام، كبعض من أسسوا الشبيبة الإسلامية أو أسسوا جمعيات أخرى … فكانوا مزيجا من هذه الشخصيات التي خرجت من تحت عباءة الحركة الوطنية لأنها لم ترض عن المسارات وعن الاهتمامات، ومن هذا الشباب الذي انبثق كذلك من التربة الإسلامية والمغربية وربما أيضا متأثرا ببعض التفاعلات الآتية من خارج المغرب، فكانت هذه هي المرحلة الأولى، ثم بعد ذلك بدأت تتبلور التنظيمات الكبيرة أو التنظيمات المحدودة إلى أن استقرت على ما تعرفه الخريطة الحالية.

س- على ذكر هذا الانحراف الذي حصل خاصة في المرحلة التي تراجع فيها، كما قلتم، أو أصبح رموز الفكر الإسلامي يعانون من الغربة، داخل أحزابهم، إن كان بالإمكان أن تدلوا لنا بالسمات العامة التي ميزت سيرورة الحركة الإسلامية المغربية، إلى الآن، أي منذ نشأتها، سواء في جذورها القديمة أو في أشكالها الحديثة، إذا كان من الممكن أن تعطونا السمات التي تتراءى لكم، أي المراحل التي قطعتها إلى حد الآن سواء في صفتها الحديثة منذ ثلاثين سنة أو أعمق من ذلك؟

ج- أما ما سميته في السؤال بالانحراف الذي وقع في المغرب المستقل، هذا الاستقلال ولد ناقصا، وولد متحكَّما فيه فرنسيا، لأن فرنسا لم تخرج حتى أخذت لنفسها عددا من الضمانات، سواء مكتوبة أو من حيث الشخصيات التي تركتها في الحكم …

هذا أيضا تعبر عنه حكاية طريفة تحكى عن أحد المجاذيب أنه خلال فترة الحماية كان يتجول ويتوجه بالخطاب إلى بعض الفرنسيين ويقول لهم: (أيها الفرنسيون ارحلوا فإن الفرنسيين نشأوا بيننا) سواء كانت هذه العبارة صحيحة، ولا يبعد أنها صحيحة، أو كانت مختلقة، فإنها اختلقت لتعبر عن المعنى العميق وهو أنه آن الأوان لفرنسا أن ترحل لأن فرنسييها المغاربة أو مغاربتها المتفرنسين قد هيئوا وأعدوا، وأن الخلف الذي سيواصل ضمان المصالح الفرنسية والنفوذ الفرنسي من أبناء المغرب قد تم تحضيره وتم إيجاده وتمت موقعته في المواقع الضرورية. فإذن هذا الاستقلال الناقص الذي يعتبره عدد كبير من الناس ناقصا كما وكيفا، حيث بقيت أطراف من المغرب مستعمرة، بعضها تم استرجاعه لاحقا وبعضها ما يزال تحت نير الاستعمار كسبتة ومليلية والجزر المغربية. فإذن الاستقلال كان ناقصا مسألة لا غبار عليها ولا شك فيها، الاستقلال منقوص كما وكيفا. ومن الناحية الكيفية وما يتعلق بالجانب الإسلامي تحديدا أستشهد بشهادة خطيرة في الحقيقة لرجل لا يمكن المنازعة في شهادته، وهو علال الفاسي رحمه الله، حيث يذكر أنه حينما استقل المغرب شكل الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله لجنة لتقنين الفقه الإسلامي، أي لتكون القوانين المغربية قوانين حديثة في تنظيمها وتبويبها وصياغتها، ولكنها مستمدة أساسا من الفقه الإسلامي. وبدأت هذه اللجنة التي كان علال الفاسي عضوا بارزا فيها، وكان ولي العهد آنذاك الحسن الثاني لاحقا رئيسا لها، إلى هذه الدرجة من الأهمية، هذه اللجنة ومع ذلك حينما أعدت كتاب الأموال بعد أن أعدت كتاب الأحوال الشخصية أو مدونة الأموال أي القانون التجاري وكأنها قالت للمغرب والمغاربة كفاكم من الإسلام مدونة الأحوال الشخصية وأوقفت مدونة الأموال أي القانون التجاري، ومن ثم توقف عمل هذه اللجنة بالمرة، وهذا طعن خطير جدا كما يسجل علال الفاسي في سيادة المغرب. لجنة تضم كبار علماء المغرب وقانونييه وزعمائه ويرأسها ولي العهد ويؤسسها ملك البلاد يأتي الفرنسيون في الأمانة العامة للحكومة فيستعملون حق الفيتو، يقولون هذا لا، هذا نعم، وأوقفوا أسلمة القوانين. فإذن كما هو واضح، لاشك أن مثل هذا التصرف من الفرنسيين كان وفق الشروط المكتوبة أو الضمنية التي خولت لفرنسا أن تمارس مثل هذه الأدوار الخطيرة، فبقيت فرنسا رقيبا على عدد من السياسات وعلى عدد من المفاصل الحساسة في الدولة كالتعليم، وبذلك ضمنت استمرار هذا الاعوجاج. وكان هذا الاعوجاج في ظل الاستقلال المنقوص وفي ظل الشروط التي أحاطت به، هو الشيء الطبيعي الذي ما زال مستمرا إلى الآن. ولذلك جاءت الحركة الإسلامية وهي كما قلت مزيجا من زعماء وفاعلين في الحركة الوطنية ومن شباب ناشئ. معبرة عن رفض هذا الاعوجاج وعن خيبة الأمل في هذا الاستقلال الذي لم يحقق لحد الساعة طموحات الشعب المغربي.

س- وماذا عن الشق الثاني في السؤال: الخصائص العامة التي يمكن أن تصفوا بها المراحل التي قطعتها لحد الآن الحركة الإسلامية بالمغرب؟

ج- الحركة الإسلامية بصفة عامة، ربما تكون في المغرب متأخرة عن غيرها من الحركات الإسلامية في بلدان أخرى، ولكن هذا التأخر كما أحب أن أقول جعلها تستفيد من الحركات الإسلامية السابقة، فتكون أرشد وتكون أقل وقوعا في بعض المزالق وبعض الأخطاء، فمثلا الصراعات التي أنهكت الحركات الإسلامية في دول أخرى، نجدها هنا قليلة سواء الصراعات فيما بين الفصائل والمكونات الإسلامية نفسها أو الصراع مع الدولة. فهو مع الدولة محدود ومتقطع. وفيما بينها لا يكاد يوجد، عدا مناوشات أو توترات عابرة في تاريخ العلاقات بين الأطراف الإسلامية. لاشك أن هذا استفيد فيه من تجارب سابقة والسعيد من اتعظ بغيره.

كذلك استفادت الحركة الإسلامية المغربية من عدد من الأساليب، ولذلك فهي متنوعة في وسائل عملها: تعمل في إطار العمل القانوني، وتعمل عملا شعبيا غير مؤطر بقانون، وتعمل من داخل مؤسسات الدولة وتعمل من خارجها، وتعمل بالأساليب التقنية والإعلامية والحزبية … وهذه الأساليب قلما تجتمع في بلاد أخرى بهذا التنوع.

كذلك الحركة الإسلامية بعد فترة من التأثر البين والملموس بتجارب المشرق وأدبياته وأفكاره، نجدها سرعان ما استقلت بنهجها ومميزاتها، فتقريبا جميع مكونات الحركة الإسلامية صارت لها تميزات واضحة وأعني هنا بصفة محددة الحركتين الأبرز في المغرب وهما حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان. أصبح لهما تميز كبير وواضح وأصبحت لهما تجاربهما الخاصة ورؤاهما وأدبياتهما وإنتاجاتهما الفكرية المتميزة التي أصبحت محط أنظار إخواننا في المشرق يستفيدون منها، يتطلعون إليها ويسألون عنها، ويتدارسونها. فهذا تحول مهم جدا في تاريخ الحركة المغربية، وفي الحقيقة هذا هو الذي يعطيها الأصالة الكاملة ويقطع الطريق على المتقولين بأن هذه الحركة دخيلة أو تابعة، كل هذا لم يعد أحد يجرؤ أن يقوله لأن التميز والأصالة والاستقلالية كل هذه سمات أصبحت واضحة في الفترة الأخيرة.

س- أستاذ، على ذكر الصراعات التي وردت على لسانكم، هلا قدمتم لنا تقييما عاما لطبيعة العلاقة السائدة الآن بين مختلف مكونات الحركة الإسلامية في المغرب.

ج- لعل ما ذكرته ويمكن أن أوضحه أكثر هو أن من أبرز سمات العلاقة بين مكونات الحركة الإسلامية أنها ليس بينها صراعات ونحن نعرف من خلال أقطار ليست بعيدة عنا، نبدأ بالجزائر وننتقل إلى المشرق العربي، يعني الخصومات بين مكونات الحركة الإسلامية شديدة جدا، وتصل إلى أسوأ الحالات في بعض الفترات. هنا في المغرب لا، كان يقع، وشيء طبيعي أن يقع، جدل ونقاشات وفي أكثر الحالات انتقادات متبادلة، ولكن الاحترام العام يسود هذه العلاقات والتقدير، والعلاقة مستمرة والتواصل مستمر حتى إن لم يكن منتظما فإنه على كل حال يبقى مفتوحا، وهذه السمة الحميدة تزداد رسوخا. فمثلا أنا شخصيا إذا أخذت السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة أجدها أفضل من الثلاث سنوات الأخرى التي سبقتها، وإذا أخذت العشر سنوات الأخيرة أجدها أفضل من العشر سنوات التي سبقتها، إذن هناك تحسن ولو أنه يكون بطيئا، ولكن الذي يعيشه لحظة لحظة ونبضة نبضة يدرك هذه المتغيرات. فمثلا إذا أخذنا الجامعة وهي عادة بحكم شبابيتها وحيويتها، تكون مرتعا للمنافسات والمزايدات والاحتكاكات، هذا كله قد خف بدرجة كبيرة جدا وآل الأمر إلى أن كل واحد يشتغل، حتى إذا لم يكن هناك تعاون، فعلى الأقل هناك تفهم متبادل واحترام متبادل … هذا كله تعايش، لأن هذا التعايش بصراحة، أو هذا التعايش والتآخي والتحاور والاحترام المتبادل هو الذي يمكن أن يهيئ الأرضية لشيء أكثر لأنه حينما تكون العلاقات هادئة وحينما يسود الاحترام يكون الجميع متهيئا لخطوات تنسيقية، لخطوات تعاونية، لخطوات توحيدية، أما حينما تكون هناك مناوشات وتوترات، عادة لا يفكر أحد في شيء من هذا، ولا يفكر في أكثر من أن يحل تلك التوترات والخصومات والحزازات العابرة. فإذن الآن بعد هذا التحسن المستمر والمودة المتزايدة والاتصال الذي يكاد ينتظم لأنه مستمر تقريبا، حتى ولو كان في المناسبات، فهي مناسبات متكررة، هذا يهيء الآن، بل قد هيأ بالفعل، أرضية للتفكير فيما هو لاحق، وفيما يمكن أن تنتقل إليه العلاقات لتكون أكثر إيجابية ولتكون بناءة أكثر في المستقبل إن شاء الله.

س- ارتباطا بنفس الموضوع ما هي في نظركم أهم نقط الاختلاف بين مكونات الحركة الإسلامية، أسباب هذا الاختلاف والتباين في التصورات والبرامج؟

ج- أولا يجب أن نسلم بأن الاختلاف ملازم للبشر، فما دامت هناك تفاوتات في النظر، تفاوتات في المعرفة بهذا الأمر أو ذاك، يعرف هذا الأمر أكثر فيحكم على نحو ما عرف، ويعرف الآخر أمرا آخر أكثر فيحكم عليه على نحو ما عرف، وقد تكون المعرفة مباشرة فتعطي حكما ومعرفة غير مباشرة. إذن أسباب الاختلاف، هذه مسألة لابد من التفكير فيها، هي بديهية وطبيعية، ولكن لابد من التذكير بها. ولذلك فتاريخنا فيه مذاهب فقهية متعددة، مذاهب كلامية وفكرية متعددة وطرق صوفية متعددة واتجاهات غير متمذهبة متعددة وحتى لا نبالغ في تسويد واقعنا أو في جلد ذاتنا على أساس لماذا نحن متعددون أو مختلفون أو كذا … الآن في واقعنا هذا، في الحقيقة، أسباب الاختلاف ازدادت. هناك أسباب اختلاف طبيعية جدا، ولكن الآن هناك قضايا مستجدة، هناك أفكار في الساحة جديدة، الموقف منها تغير. مثلا مما يختلف حوله الإسلاميون في المغرب وفي خارج المغرب مثلا الديمقرطية: هل نرفضها؟ هل نقبلها بحذافيرها؟ هل ننتقي منها؟ هل نتعامل معها تعاملا تكتيكيا؟ هل نعتنقها وندخل فيها طولا وعرضا؟ هذا موضوع إذن جديد وضع في الساحة، فلابد أن تختلف فيه الآراء والمواقف، بمعنى أن أسباب الاختلاف دائما موجودة ولكن الآن نحن أمام اختلافات جديدة.

فبالإضافة إلى ذلك، ومن أسباب الاختلافات الجديدة أيضا أننا لا نعيش في وضعية حرة ومريحة بحيث سيتأتى فيها الحوار الكامل والدائم فنحن نتحاور في أجواء غير سليمة، غير مساعدة، نترقب الفرص، نحذر العيون، بماذا ستُأول هذه اللقاءات؟ كيف سيفسر هذا الحوار؟

من الممكن أن يلتقي اثنان للحوار بشكل عفوي فتصدر الصحافة أنهم اتفقوا وخططوا و… الأجواء تؤثر، لا تجعل الحوار في وضعية سليمة ومريحة، في هذه الأجواء لابد أن نفعل الممكن رغم ذلك، فإذن هذا الممكن ظروفه ليست مساعدة، ربما ظروف الخلاف التي تساعد على الاختلاف أكثر.

يبقى الآن من أهم نقط الخلاف بين مكونات الحركة الإسلامية، أولويات العمل، فالبعض يرى أنها أولويات دستورية والبعض يرى أنها أولويات تربوية، كل واحد يحدد الأولوية ويعطيها الأسبقية ويضخمها ويجعلها هي كل شيء، على الأقل مرحليا. هناك من يرى الأولوية هي أن تكون لنا حرية، نناضل من أجل هذه الحرية بشتى الوسائل ونوسع دوائر الحريات، وهناك من يرى أن الحريات إن كانت لا تتأخر فهي لا تتقدم، ولذلك لا نعول على التوسيع الرسمي لهذه الحريات، ولا يرجى منه أمل. وهناك من يرى أن المشاركة السياسية تعقد الأمور وتؤخر الحلول الحقيقية والتحولات الحقيقية. وهناك من يرى أنه لا سبيل الآن إلى تغيرات تذكر إلا من خلال هذه المشاركة السياسية.

ثم بصفة عامة الموقف من الدولة، هل هي قابلة للإصلاح والتحسن وقابلة لأن تصبح وعاء للمشروع الإسلامي أم إن هذا أمر ميؤوس منه. هذه تقريبا أهم النقاشات التي تدور في الأوساط الإسلامية وتتعدد بصددها الرؤى، ولكن كما أقول دائما، هذه القضايا الخلافية لا ينبغي أن تغطي ما لا خلاف فيه، خاصة إذا تواصل الحوار وانتظمت الاتصالات.

س- نصل الآن إلى تجربتكم حيث خضتم في البداية في رابطة المستقبل الإسلامي سابقا ثم حركة التوحيد والإصلاح فيما بعد تجربة جمع بعض فصائل الدعوة الإسلامية في تنظيم واحد، فما تقييمكم لهذه العملية الوحدوية بعد مرور أكثر من 6 سنوات ثم لماذا توقفتم عند هذا الحد؟ ألم يكون بوسعكم توحيد جميع تنظيمات الحركة الإسلامية المغربية، أو على الأقل جذب جزء آخر منها لمسلسل الوحدة؟

ج- أما التجربة الوحدوية، فبصراحة أقول إنها كانت تجربة شاقة، ولكنها أيضا كانت تجربة ناجحة نجاحا قل نظيره، ولو أنه نجاح في حقيقته متواضع، ولكن بالنظر إلى صعوباته، وبالنظر إلى فرادته تقريبا في الساحة السياسية عامة والإسلامية خاصة، فيبقى فعلا تجربة قل نظيرها من حيث نجاحها، لأنه للأسف، الذي تنجح فيه المجموعات السياسية، بما فيها الحركات الإسلامية هو الانتقال من 1 إلى 2. أما الانتقال من 2 إلى 1 فهذا نادر جدا، إن وجد. كانت تجربة ناجحة باعتبار أنها لم تكن فقط للوحدة، بل كانت نجاحا لتجديد الذات، لأن الوحدة جعلتنا نفرض على أنفسنا ويفرض بعضنا على بعض أن نصبح في حِل من كل شيء، مما هو اجتهادي ومما هو موقف ومما هو رؤية. وطبعا الثابت ما هو ثابت في الشرع، وما سوى ذلك مما يحتمل ويحتمل ومما هو اجتهادات خاصة واقتباسات من هنا وهناك، وبما أنها وحدة، إذن كل شيء وضع موضع المراجعة، وكل شيء أعيد بناؤه، وكل شيء أعيدت صياغته، فكانت فرصة فرضت علينا فرضا أن نجدد ذاتنا، هذا مثل المريض الذي يدعى لإجراء عملية جراحية فيكون مضطرا لإجراء فحوص شاملة على جسمه يلزمه الطبيب أن يجري فحوصا على قلبه ودمه ونسبة السكر فيه … إلخ، فيستفيد ويكتشف عددا من الأمور التي عالجها بموازاة مع العملية الجراحية. فهكذا في عملية الوحدة وجدنا أنفسنا معا ملزمين بأن نفحص كل جسمنا وأن نعالج، قدر الإمكان، كل آفاتنا على الأقل معالجة مبدئية بالوعي بها ووضع أسس لعلاجها، فمن هذه الزاوية أقدر أن نجاح الوحدة كان جيدا وكان مفيدا جدا، وأعطى للحركة الإسلامية في المغرب وليس فقط لحركتنا رصيدا جديدا من التقييمات ومن الإصلاحات التي تم إدخالها، والتي هي رصيد سيبقى ليفحصه غيرنا من إخواننا ويستفيدوا منه إن شاؤوا.

وبالنسبة لتوقف الوحدة عند هذا الحد كما قلت، إن عملية الوحدة كانت عملية شاقة، مع أنها تمت سواء في تجربتها الأولى في الرابطة أو في تجربتها الثانية في التوحيد والإصلاح، بين أطراف ليس بينهم اختلاف لا في النشأة ولا في كثير من المواقف، ومع ذلك كانت فيها مشقة غير قليلة، فلكي تمتد هذه الوحدة، إلى أطراف بينها من الاختلاف أكثر، وبينها من الاستقلال والتميز أكثر، هذا طبعا سيكلف مشقة أكبر. هذا من جهة، ومن جهة ثانية رغم هذه المشقة أو المشاق التي جربناها وعانينا منها، يبقى المبدأ مفتوحا … فقط تبقى مسألة توفر شروط نجاح هذه الوحدة لأنه كما قلت الحركات الإسلامية والتنظيمات الإسلامية مرت بفترات كانت علاقتها أكثر احتراما وأكثر مودة واللقاء والتواصل أكثر قربا وأكثر انتظاما. فإذن هذه هي الخطوة التي تهيء مزيدا من الحوار، مزيدا من تحرير مجال النزاع، مزيدا من توسيع دائرة المتفق عليه، كل في موقعه، لكن دائرة المتفق عليه تتسع ودائرة المختلف فيه تضيق … بعدها يأتي التفكير في عملية وحدوية فإذن أظن إذا ذهبت الأمور في هذا الطريق السوي، لابد بعد سنوات، تقل أو تكثر أن تكون خطوة وحدوية أخرى وهذا هو تقديري.

س- طيب، بناء على الآفاق التي ذكرتموها، الآن هل تفكرون فقط في نمط معين لتوحيد جهود الحركات الإسلامية وهو وفق صيغة التجربة التي خضمتوها، أم يمكن التفكير في طريقة أخرى لتنسيق هذه الجهود في شكل جبهة موحدة يحافظ فيها كل تنظيم على استقلاليته ويتم فيها نظم الجهود في اتجاه واحد؟

ج- لاشك أن أي عمل إذا اقتصر على باب واحد، أو على صيغة واحدة يكون تضييقا لهذا العمل ولأهدافه وإمكاناته، فالوحدة يمكن أن تكون وحدة على الشكل الذي أنجزناه وقد لا يتأتى دائما، ويقينا حتى لو تأتت مرة ثانية وثالثة ستبقى أطراف في الساحة الإسلامية وعاملين في الساحة الإسلامية. يجب أن تكون هناك صيغ تسع الجميع … بل هناك أكثر من صيغة خارج الوحدة الاندماجية، لأنه حتى لو وضعنا صيغة رقم اثنين سيبقى أناس لا يسعهم الخيار رقم 2، علينا أن نضع الخيار رقم ثلاثة ورقم أربعة إلى أن نستنفذ كل من يؤمن بهذا المبدأ وهو من أهل الإسلام والقرآن والقبلة، يجب أن نوجد صيغة ليجد نفسه فيها مع إخوانه في 5% في 10% في معركة الإسلام، ولذلك نحن الآن، كما نعرف، فصائل متعددة ولكنها تلتقي أحيانا، يلتقي أربعة أطراف، وخمسة أطراف وطرفان، ومناسبات يلتقي فيها أكثر من هذا العدد، هذه الأشكال من التلاقي في خدمة الإسلام وقضايا الإسلام، يجب أن تنتظم ويجب أن تتعدد ويجب أن تتقوى ولذلك نردد في بعض أوراقنا وأدبياتنا ما نسميه بالجبهة الدينية التي نعتبر أنها حق وواجب يدخل فيه كما ذكرت كل من يؤمن بأن هذا البلد إسلامي وأنه لا مستقبل له ولا وجود له فعلا ولا نهضة له ولا دينا ولا آخرة له إلا بالإسلام، كل من يؤمنون بهذا يجب أن يوجدوا أشكالا تلتقي فيها أيديهم وتتكاثف فيها أكتافهم وجهودهم، ولذلك الباب مفتوح واللقاءات المباشرة والمناسبات كلها نعتبرها محطات لتطوير هذا التفكير إن شاء الله.

س- في هذا الباب، ما هو تقييمكم لمبادرة دعوة جماعة “العدل والإحسان” إلى تأليف مختلف مكونات الساحة السياسية بما فيها الحركات الإسلامية وبقية الفرقاء على أرضية ميثاق إسلامي لتوحيد هذه القوى؟

ج- أنا توقعي أن الأطراف السياسية غير ما يسمى الآن بالحركة الإسلامية لا يمكن أن تستجيب لأنها في تقديري ليس عندها استعداد لأن تلتزم ولو التزاما عاما بالأساس الإسلامي، فحتى الذين يعلنون بدرجة أو بأخرى عن تمسكهم بالأساس الإسلامي يمارسون هذا الالتزام بأشكال مختلفة ومتفاوتة، وأظن أن كل طرف يريد أن يكون حرا في تفسير هذا الأساس الإسلامي وتكييفه والتكيف معه، ولذلك يعتقدون أن هذا إلزام لهم بالإسلام بكيفية طبعا لا يتحملونها ولا يريدوها، فلذلك الأطراف غير الإسلامية أي السياسية  طبعا الجميع مسلمون لاشك في ذلك، ولكن هذه أوصاف إجرائية واصطلاحية نتعامل بها- فالأطراف السياسية خارج الحركة الإسلامية لا أتوقع أن تستجيب، ولذلك لاذت بالصمت، وأمر آخر أظن أنه ينبغي أن أكون صريحا تمام الصراحة لأقوله، هو أن بعض الأطراف لا تستجيب لأن هذه المبادرة جاءت من جماعة العدل والإحسان والعلاقة مع العدل والإحسان تثير كثيرا من التبعات، فهذا سبب إضافي يجعلهم لا ينخرطون في مثل هذه المبادرة، هذا يتعلق بالبعض، ولذلك يرون أنه لا يمكن الذهاب في علاقة كبيرة وقوية ومنتظمة مع جماعة العدل والإحسان لأن موقفها من الدولة كذا وموقف الدولة منها كذا وهذا له تداعيات وتبعات، وأظن بأن هذا حاضر ولو أنه لا يصرح به.

بقية الأطراف الإسلامية، تجاوبها مع دعوة من هذا القبيل هي تحصيل حاصل، لأنها كلها تدعو إلى مثل ذلك، فكان الهدف الحقيقي الكامن وراء الدعوة هو أن تلتم حوله جميع القوى السياسية، وجميع القوى السياسية تحجم في تقديري، لأني لا أعلم أحدا أصدر موقفا مكتوبا حتى أعتمده، ولكن هذا هو تقديري وتحليلي، إذن بقية الأطراف الإسلامية أحسب أن مضامين هاته الأسس التي دعت جماعة العدل والإحسان إلى اعتمادها هي بالنسبة إليها مسَلَّمة، بقيت الترتيبات الإجرائية لتفعيل مثل هذه المبادئ.

س- نرجع للمواقف السياسية، خاصة علاقة حركة التوحيد والإصلاح بحزب العدالة والتنمية، الملاحظ هو نزوع بعض أنظمة الدول العربية كالأردن والجزائر إلى تزيين واجهتها الديمقراطية باستعمال وتوظيف بعض الحركات الإسلامية في ظل سقف معين ولفترة معينة، ألا يمكن أن يسري نفس الحكم على تجربة حزب العدالة والتنمية الآن باعتباره الواجهة السياسية لحركة التوحيد والإصلاح؟

ج- أولا، أنا أعتقد أن الدول المذكورة ليست على نمط واحد في قضية التعامل مع الإسلاميين وقضية فتح المجال أو عدم فتحه لهم، هناك تشابهات ولكن أيضا هناك اختلاف، ومن هذا الاختلاف أنني أعتقد أنه بالنسبة للمغرب، بالإضافة إلى أن الدولة كأي دولة تريد أن تحسن سمعتها وتزين صورتها، بالإضافة إلى هذا فالدولة المغربية تبحث عن حلول حقيقية للمشاكل التي تنوء بحملها وتريد فعلا أن تشرك بعض الأطراف، لكن طبعا بمواصفات معينة وشروط وفي حدود أن تشركها في تحمل المسؤولية وفي حل المشاكل، ولذلك أتت باليسار أيضا ولم تأت فقط بالحركة الإسلامية فهذا التزيين لم يقتصر فقط على الحركة الإسلامية بل تقريبا امتد ليشمل معظم الأحزاب والقوى والأحزاب اليسارية وشمل الآن الحركة الإسلامية بمقدار وقد يشملها بمقدار أكثر لأن الدولة المغربية تريد فعلا، وهذا شيء إيجابي لا شك، أن تساهم في حل مشاكل البلاد والاستعانة بهذه الأحزاب، بقوتها الشعبية وبأطرها وبطاقاتها إلى آخره، هذا الأمر الثاني قد يكون في بلد آخر وقد لا يكون، هذا من أوجه الاختلاف. من ناحية أخرى، نحن الآن حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية هو طرف له استقلاليته، له تفكيره له تدبيره له تقديره له قراره، فإذن ما قلنا بعض مكونات الدولة لا تريد هذا الحزب إلا لكذا وكذا، فهذا الحزب أيضا … (كما كيعرفوا يحسبوا كنعرفوا نحسبوا)، وبكل اختصار نحن نريد أن تكون مشاركتنا أيضا نافعة لبلدنا، ولكن دون أن تصبح وبالا علينا، ولا على الحركة الإسلامية، نحن نستحضر المحاذير، وقد قلت قبل قليل أن الحركة الإسلامية في المغرب لتأخر تجربتها الزمنية تستفيد من تجارب أخرى، فإذا كنت الآن تستحضر نماذج هنا وهناك فنحن أيضا نستحضرها، وإذا كنت تتخوف من هذه النماذج، نحن أيضا نتخوف منها، ولكن هذا التخوف يؤدي إلى أحد أمرين، نحن اخترنا أحد الأمرين، فهو يؤدي إما أنه أمام هذه التخوفات نغلق الباب، ونتراجع ونسلك طريقا آخر، وإما أن تؤدي هذه المخاوف إلى الاستمرار لكن مع أخذها بعين الاعتبار وأخذ الاحتياطات اللازمة لها، ونحن اخترنا هذا الاختيار الثاني، نستحضر هذه المخاوف وهذه المزالق ولكن مع ذلك نأخذ احتياطاتنا ونمضي.

س- ننتقل إلى مجال آخر ارتباطا دائما بطبيعة العمل الإسلامي في المغرب، هناك مجموعة من القضايا مستجدة على الساحة، تطرح نقاشا واسعا بين مكونات الحركة الإسلامية، فإذا أمكن أن تعطونا تعليقا أو رأيا وجيزا حولها: هناك موضوع السلفية الجهادية وما يثيره من قضايا مؤخرا، مسألة التنسيق مع اليسار بمختلف تشكيلاته، مسألة التشيع في المغرب، ومسألة مقاطعة الانتخابات.

ج- للأسف أن بعض المواضيع يتعذر، وليس فقط يصعب الحكم عليها حكما علميا صحيحا، لأن المعطيات حولها اختلط فيها الحابل بالنابل، والحق بالباطل، والصحيح بالمفتعل، فلذلك فما سمي بالسلفية الجهادية هو ربما من قبيل ما يقال: (جعل من الحبة قبة). ومعنى هذا أين حدود هذه السلفية الجهادية وأين حدود الافتعال والاصطناع؟ لأن هناك أمرين ثابتين:

– الأمر الأول هو أن الأجهزة التي تتولى معالجة هذا الملف تريد فعلا كما يقول المثل المغربي (أن تظهر حناء يديها)، وأن تظهر كفاءتها وحزمها وتجاوبها وتعاونها إلى آخره … لأنه هذا شيء مطلوب، فإذن يتم تضخيم الإجراءات لإعطاء هذا الانطباع أننا قائمون على قدم وساق لحل هذه المسألة.

– والأمر الثاني هو الاستغلال الذي تمارسه الصحافة المعادية من يسارية وفرنكفونية ولادينية، فهي أيضا تضخم، وتضخم أكثر مما تضخم الأجهزة الأمنية، إذا كانت الأجهزة الأمنية تأخذ أصل المسألة فتجعل منه عشرة أضعاف، تأتي الصحافة وتجعل منه عشرة أضعاف أخرى. فلذلك الحقيقة هنا ضائعة، في جميع الحالات. أنا أعتقد أنه بالنسبة لي، وهذه خلاصة تفكيري وتجربتي الطويلة على مدى ثلاثين سنة، أن العمل المسلح لا يصلح أبدا بين المسلمين، وهذا الكلام الذي أقوله له أصوله في الأحاديث النبوية، ولو شواهده في الواقع، في الواقع المتعدد. فإذن كل من يحمل السلاح داخل بلد إسلامي وداخل المجتمع المسلم ضد نظام أو ضد حزب أو ضد أشخاص أو كذا، هذا غلط محض، ولذلك، إذا صح شيء من هذا الذي يسمى سلفية جهادية وأنه استعمل السلاح أيا كان نوع السلاح، هذا أمر لا أتفق معه وأعتبره من إفرازات المجتمع الموبوء والمجتمع المخنوق والمجتمع المفتون، هذا بالنسبة للسلفية الجهادية.

س- وفيما يخص التشيع؟

ج- التشيع سحابة عابرة، أنا أتذكر أن شيئا من التشيع طفح على السطح عند نجاح الثورة الإسلامية في إيران ثم خفت واختفى تقريبا، اختفى من السطح، بمعنى أنه لم يكن قد انقرض، فقد كان أقرب إلى ذلك، ثم عاد بمناسبة انتصار حزب الله، وافتتاح قناة المنار في لبنان، وهذه أمور لا يمكن أن يستمر توهجها، ففي أوج توهجها أعطت بضع عشرات من المعتنقين والمستلبين والمعجبين بإيران ولكن حيث يخف وهجها وتألقها تتقلص. في المغرب بكل صراحة، هذا كلام نقوله للحركات اللادينية ونقوله للحركات اللاسنية، الشعب المغربي حسم هذا الأمر على مدى قرون، وأستحضر كلمة للدكتور الجابري حينما قال: (الإسلام في المغرب  يقصد الإسلام السني- مسح الطاولة، حتى إذا تساقط على هذه الطاولة شيء فلا مكان له)، الطاولة مسحت لفائدة الإسلام، ولفائدة الإسلام السني، ولذلك التشيع سيظل يراوح مكانه في بضع عشرات، أو في حالة الازدهار في بضع مئات، وسيتقلص هذا العدد ويختفي ولا مكان للتشيع في المغرب.

س- التنسيق مع اليسار، خاصة وأن فصيلا من الحركات الإسلامية عرف بكثرة المواقف التي نسق فيها مع اليسار وأخذ هذا الموقف حيزا من النقاش في الصحافة الوطنية.

ج- أنا أقول لك، منذ شهور دعيت من طرف جريدة مغربية لحضور ندوة، وتم الاتصال بي هاتفيا لحضور هذه الندوة التي موضوعها (إمكانيات التحالف بين الإسلاميين واليسار)، فقلت لهم لا أستطيع أن أحضر في هذه الندوة، لأني أومن بإمكانات التخالف بيننا وبين اليسار وليست هناك إمكانيات للتحالف … وهذا هو جوابي … ولذلك هذه الندوة لا مكان لي فيها، فليس هناك إمكانيات التحالف … أنا أقدر كثيرا من الناس الذين يحملون صفة اليسار أو التقدمية أو الاشتراكية ولكنهم أفراد، لا يوجد الآن حزب يساري يستحق في نظري الاحترام والتقدير والتعاون والاتفاق والتعامل معه، جميع الأحزاب اليسارية أثبتت أنها إما دائما معادية للدين وإما انتهازية متساقطة، يعني ينسخون بالنهار ما يقررونه بالليل، وبالليل ما يقررونه بالنهار ويتلونون ويدورون مع منافعهم حيثما دارت، هذا شيء ثابت بالنسبة لعدد منهم، وعدد منهم أيضا من ثوابتهم معاداة الدين، ونحن لا يمكن أن نتقدم خطوة واحدة مع من يعادي الدين، من يعادي الدين هو النقيض التام لنا، لذلك بيننا وبين اليسار كثير من إمكانات التخالف وليس إمكانات التحالف.

أجري الحوار يوم 13 مارس 2003

*رئيس حركة التوحيد والإصلاح سابقا

ملاحظة: أجري هذا الحوار قبل استقالة الدكتور الريسوني من رئاسة الحركة. ولا يقلل من أهمية الحوار الاستقالة، لأن الدكتور الريسوني كان ولا يزال أحد رواد الحركة الإسلامية المغربية، صحيح أن بعض الأفكار والاقتناعات هنا قد تغيرها الأيام العصيبة التي مرت على الحركة في الشهور القليلة الماضية لكن يبقى الرأي رأيا مهما كان.