حين يكون مسعى تنظيم إسلامي تحسين ظروف العملية الانتخابية ضمن هياكل الدولة المخزنية، وحين يكون مطمح تنظيم آخر بناء دولة تتوافق مع شرائط الديمقراطية، يكون سعي جماعة العدل والإحسان  حسب أدبيات مرشدها العام عبد السلام ياسين- تصحيح مسار تاريخ الأمة المسلمة، الذي تنكب عن سبيل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، إلى فتن الملك العاض ثم الجبري، متخذة في ذلك حديث “الخلافة” محورا لتفكيرها ومرشدا لخطواتها، خلافة إنما تكمن مقدماتها بأن يلج رجال الدعوة في أقطارهم (الميدان السياسي، ويعدوا كل القوة، ويوجهوا كل الجهد للوصول إلى الحكم في قطرهم)(1)، فعوض الانشغال في سوق السياسة بطرح برامج انتخابية، لن تجد منفذا للتنفيذ في واقع السلطة المخزنية، تقترح الجماعة العمل من أجل مشروع مجتمعي ينبني على أرضية ميثاق إسلامي. فما القيم المؤطرة لهذا المجتمع؟ وما المسارات الواجب سلوكها لتنزيله وتحقيقه على أرض الواقع؟

1. المقصد الجهادي: طلب دولة “الشورى والعدل والإحسان”

ما الذي تغير عند تحول الخلافة الراشدة إلى ملك عاض؟، لقد (ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان)(2). مما يجعل من أولى أولويات مقاصد إقامة الخلافة الثانية، أن لا تتعارض لبنات البناء مع (منهاج السنة الكلي: الشورى والعدل والإحسان)(3).

أ- الشورى أو سؤال مشروعية الحكم:

يطرح الفقه السياسي لمرشد جماعة العدل والإحسان ثلاث أسئلة على حاضر الملك الجبري ومستقبل الدولة الإسلامية لينال الحكم مشروعيته وشرعيته الإسلاميين، وتتلخص هذه الأسئلة في:

-كيفية استلام الحكم أو سؤال البيعة.

-كيفية إدارة شؤون الحكم بعيدا عن الاستبداد، أو سؤال الشورى.

-مدى التزام قوانين الحكم وتشريعاته بالشريعة، أو سؤال الحاكمية.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: (ميزة الحكم الإسلامي الشرعي أن الطاعة واجبة لأولي الأمر منا بناء على بيعة تلزم الحاكم والمحكوم بأمر الله ورسوله، شرطاها الشورى في الاختيار والحكم بما أنزل الله)(4).

1) البيعة أو عقد الاجتماع السياسي الإسلامي

يميز الأستاذ عبد السلام ياسين بين البيعة العرفية التي توارثتها أجيال المسلمين تحت قهر العض والجبر، بيعة بدأها (معاوية بن أبي سفيان بالإكراه على بيعة ابنه يزيد، فكان السيف المصلت هو ضامن الوفاء)(5)، وبين البيعة الرعية التي يجب أن تبنى على نموذج البيعة زمن النبوة والخلافة الأولى، وذلك بالحفاظ على ركيزتين أساسيتين:

أما الأولى، فأن يكون أمر الخلافة شورى بين المسلمين، كما كان الحال مع الخلفاء الراشدين من قبل، وعمر بن عبد العزيز من بعد حين خطب في الناس، أن: “أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم”.

وأما الثانية، فأن تعتبر البيعة عقد مبادلة بشروط يقبلها الجانبان، بحيث تكون (الطاعة التزاما من جانب المحكوم في مقابل التزام الحكام باتباع الشرع بموجب عقد حقيقي صريح يتم الاتفاق عليه في بيعة لها قواعدها الشرعية وموجباتها ومبطلاتها)(6).

2) الإدارة الشورية لأجهزة الحكم

انتقل الحكم من خلافة شورية إلى ملك عاض يحكم بالقهر، ويضمن وفاء الرعية بالسيف، فما السبيل لنفي الاستبداد عن خلافة ثانية قادمة في قابل الأيام؟

يتوسل ذ. عبد السلام ياسين في نفي الاستبداد بآليات من الديمقراطية، ما دام أن السلطة في تاريخ المسلمين لا تعطينا إلا دروسا في العض والجبر. يستفيد منظر الجماعة من التجربة الديمقراطية الغربية فيما صاغته من مبادئ تقيد سلطة الحاكمين؛ تنعكس هذه الاستفادة فيما جاء في البند 14 من ميثاق “جماعة المسلمين” الذي يقترحه مشروع لقاء بين فرقاء الأمة، نقرأ ما جاء في هذا البند، الذي قد يشكل أس اللقاء عند الفاضل الديمقراطي مع الإسلاميين: (من البنود الرئيسية في الدستور تساوي الرئيس والمرؤوس  ابتداء من رئيس الدولة- أمام القضاء، ووحدة القانون، وفصل السلط، وإقامة العدل، والتناوب على السلطة، وحرية النشر إلا في ترويج الإلحاد والدعارة)(7).

3) تطبيق الشرعية التحاكم إلى الشرع أو إلى الوضع:

إنه لا معنى للحل الإسلامي إن لم تهيمن أحكام شرع الله عز وجل على كل مؤسسات الدولة والمجتمع، تهيمن في القضاء، في الحكم، في الإدارة، في الإعلام والتعليم، في الاقتصاد، في المؤسسة العسكرية، في علاقة الدولة مع محيطها الإقليمي والدولي، في إنصاف المرأة … يتم النص على هذه الهيمنة في دستور الدولة وقوانينها ومراسيمها… (فكيف يزعم السياسيون في بلادنا أنهم مسلمون والإسلام معطلة أحكامه، والطاعة فيه للطاغوت لا لله ورسوله، وبعضنا يتخذ بعضا أربابا من دون الله)(8). فإن كان الاجتماع غدا على بساط الإسلام، فلا مناص من النص على أن (كل القوانين الصادرة عن الدولة لا وزن لها إن خالفت الكتاب والسنة، ويحدد برنامج للتدرج إلى إلغاء ما كان نافذا من القوانين الموروثة المخالفة للشرع)(9).

ب- العدل أو سؤال قسمة الأرزاق:

اتخذت الجماعة قضيتي “العدل والإحسان” شعارا يلخص برنامجها، قضية العدل الاجتماعي أهم القضايا التي يرتكز عليها المشروع المجتمعي المبشر به من طرف مرشد الجماعة، وهي قضية أغفلها كثير من الإسلاميين حتى كادت تغدو  في سالف الزمن!- قارة سياسية يحتكرها اليساريون. إن الطرح الإسلامي لن يجد له الامتداد الشعبي إن بقي محلقا في سماء الوعظ، لا ينزل إلى واقع معاناة الفلاح، وبؤس العامل، وشؤم المعطل، ومظلومية المرأة، وكَبَد الشعب الذي يسام الخسف ويمنع النصفة. إن ذلك يستدعي تنهيج الدعوة قبل مرحلة الدولة، وجهاد التعبئة بعد التمكين.

1) تنهيج الدعوة أو الشرط الموضوعي للقومة الإسلامية:

(نعني بتنهيج الدعوة بأن نتدرج بالإنسان من موقعه الإنساني من طروفه المادية، من تعبه اليومي وكبده، من هم الرزق والمأوى والأمن والضروريات، ليطمئن على أن الإسلام وعد بفك الرقاب، أي بتحرير الإنسان من كل عبودية تحقره ولا تكرمه، وعد بإطعام الجائع، بالقضاء على البؤس، بالإنصاف، بالقسمة العادلة للرزق)(10). تنهيج يجعل من أهم مطالب الفكر الإسلامي المنهاجي كشف (المصالح الطبقية بين ظهرانينا لتعرف الأمة من أعداؤها)(11). إن ذلك لا يعني إعادة إنتاج القطبية الثنائية بين “الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج” و”الطبقة المستغلة” فهذه مفاهيم لا تقف إلا عند حدود واقع التفاوت المزري في التملك، بينما المصطلح القرآني التقابلي: مستكبرون / مستضعفون (الاضطهاد في الرزق وفي المقومات الأرضية مقترنا بالاضطهاد في العقيدة والشرع)(12). فالمخرج ليس صراعا طبقيا يجعل العنف مبدأه ومآله، بل إن (إثارة القوة الغضبية للأمة على الظلم والظالمين (تقترن) بالتحكم في تلك القوة وتهذيبها وتربيتها حتى تكون غضبا لله عز وجل صالحة للبناء لا للهدم الفوضوي)(13). إن التربية الإيمانية هي ما يميز القومة الإسلامية عن الثورة الطبقية، قومة (تنقلنا من بناء الفتنة ونظامها، وأجواء الجاهلية ونطاقها، إلى مكان الأمن والقوة في ظل الإسلام)(14).

2) جهاد التعبئة أو المشاركة الشعبية في البناء

إن الدولة الإسلامية القادمة لن ترث إلا خرابا على كافة الواجهات: قروض خارجية تعد بالملايير، واقتصاد معوق، وتعليم لا يفرخ إلا البطالة، وصناعة بدائية، وتكنولوجيا مفقودة، ومؤسسات عمومية مرتهنة للرأسمال الأجنبي، وعالم بدوي غير فلاحي .. أضف إلى ذلك العاهات الاجتماعية: الأمية والفقر والمخدرات والجرائم والخلاعة … لتكتمل عندك الصورة، مما يجعل من أي إقلاع تنموي مستقبلي مجرد وهم إن لم يشارك الشعب بكل فئات في البناء، ولا مشاركة ترجى منه إن لم يثق في قيادته، ولا ثقة تؤمل إن لم ترد مظالمه، “رد المظالم” عملية سماها التاريخ، كناية على ما فعله عمر بن عبد العزيز حين استتب له الحكم (فرد ما اغتصب من أموال في عهد الملكية العاضة قبله، ويحسن بنا أن نطمح لأكثر من ذلك، ولا نرضى بأقل منه، وكما بدأ الإمام عمر بن عبد العزيز بنفسه وأهله، يجب أن تكون حالة جند الله المالية والسلوكية شفافة في عين الشعب)(15). فإن هدأت النفوس، فلا بد من توزيع عادل للثروات، ولا توزيع للثروة قبل إنتاجها، ولا إنتاج بشعب خامل تربى على الكسل والرضا بالفتات، تقول الأحزاب السياسية للشعب: صوتوا علينا يصير ثراكم ثراء!! لكن على الحركة الإسلامية أن تتجنب قول الزور وبيع الوهم، فإن جهاد البناء (لابد فيه من عدل في قسمة التضحيات إلى جانب العدل في قسمة الأرزاق)(16).

ج- الإحسان أو سؤال الغاية من الحكم الإسلامي:

تستغلق أفهام عن فهم جماعة العدل والإحسان لعسر نسبتها وتصنيفها إلى حزب سياسي أو إلى طريقة صوفية!، تستغلق أفهام أمام جماعة تحدد هدفا اجتماعيا سياسيا يتمثل في تحقيق العدل على شريعة الله، وتجعل غاية الإحسان أعز ما يطلب عند كل وارد إلى صفها، الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)(17).

أن ينزوي المؤمنون في ركن المجتمع لذكر الله في صحبة العارفين لطلب القرب من الله أمر له مسوغ في تاريخ المسلمين، أن يناضل مسلمون في أحزاب من أجل الحرية والعدل، دون السؤال عن أي إسلام هو إسلام قيادتهم وقاعدتهم أمر ألف في بنية الدولة الحديثة، أن تجعل جماعة إسلامية قضيتي العدل والإحسان هما واحدا، فهذا خلط شنيع بين الدين والسياسة في عرف اللائكي!. وما هذا الاعتراض بأمر ذي بال في تصور جماعة العدل والإحسان. إنما السؤال المحوري يتحدد في كيفية الحفاظ (على التوازن بين وعد الدنيا ووعد الآخرة إيمانا ودعوة، توازنا تكون فيه الدنيا مطية ضرورية للآخرة، لا تصبح الآخرة ووعدها مطية للدنيا؟ وكيف نعارك قوما همهم الدنيا، وحديثهم الدنيا، وفاعليتهم في الدنيا، دون أن يتحول مسار حزب الله عن مطالب الآخرة، ودون أن تكون فاعليته في ساحة الصراع أقل غناء؟ هذا هو السؤال)(18)، سؤال يبحث عن أجوبة التحصين، تحصين الجماعة المجاهدة في حركيتها التغييرية، وتحصين الدعوة قبل أن تغتال من طرف الدولة بعد التمكين.

1) تحصين الجماعة: لا جهاد بلا تربية:

لا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية الإيمانية زاد أعضائه، ومقترحه على أبناء أمته، لا يكون التنظيم إسلاميا إن شغله الموجود والواقع المشهود عن المعبود ورب الوجود.

إن الحركية السياسية تهدد المسار التربوي للتنظيمات التي تبدأ شعلة من الإيمان، ترفض التصالح البليد مع واقع الفتنة، ثم يخطو بها منطق السياسة نحو الملاينة فالمهادنة فالمداهنة، لينتهي “التنظيم الإسلامي” إلى رفع شعار الإسلام والقلوب خواء من الإيمان، ينتهي التنظيم إلى أن يغدو حزبا ككل الأحزاب يقترح حلا إسلاميا لمشكلات الاقتصاد والتعليم والصحة .. وينزوي البلاغ الإيماني المذكر باليوم الآخر إلى حواشي الخطاب، وحتى لا تنقلب الأولويات عند جماعة العدل والإحسان كان لا بد من التحصين على مستويات ثلاثة:

أولا: مستوى التأسيس النظري: شروط التربية

التربية الإيمانية لا تبلغ كمالها، إلا باستكمال السالك إلى الله عز وجل شعب الإيمان السبع والسبعين (19)، والتي صنفها مرشد الجماعة إلى عشر خصال، تشكل الثلاثة الأولى منها شروط التربية وهي:

– الصحبة والجماعة: “الصحبة في الله محبة في الله وتآخ وتراحم يرتفع بها الوارد علينا في درجات حب الله وحب رسول الله. والجماعة تنظيم. لا يمكن أن تجابه قوى الكفر والظلم وأنت شتات ورفات”(20).

– الذكر: “تجمع خصلة الذكر أنواع العبادات المشروعة التي توقظ روحانية العبد، ويعم عبيرها الجو الذي يتنفسه جند الله ليصلح المحَل وهو القلب والعقل للتخلق بأخلاق الجندية وللسلوك سلوكا جهاديا”(21).

– الصدق: “أعني بكلمة صدق استعداد الوارد ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في الجماعة ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من إنجاز المهمات حتى النهاية”(22).

ثانيا: مستوى السلوك الفردي: يوم المؤمن وليلته:

يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين على أهمية طلب الوارد في صفوف “العدل والإحسان” الرقي من إسلام لإيمان لإحسان. تعليم هذا الأمر الجلل للوارد يبدأ بضرورة صدقه في الطلب، صدق يبتدئ بالالتزام ببرنامج “يوم المؤمن وليلته”(23). يقول مرشد الجماعة: (كانت جماعة العدل والإحسان قد وزعت ورقة عنوانها “يوم المؤمن وليلته” ضمنتها برنامجا لأوقات الذكر وكيفيات الانتقال من زمن الغفلة إلى زمن العبادة، بعضهم قرأ الورقة وكأنها جريدة أخبار، لا يعنيه من أمرها إلا الاطلاع، فإذا اطلع فقد برئت ذمته. إنه سوء تفاهم فظيع إن كان يتوق إلى العدل والإحسان من لم تتم يقظته القلبية، أو هب هبة ثم نام، أو عثرت به عاثرة فما نهض ولا استقام)(24).

ثالثا: مستوى التنزيل التنظيمي: محاضن الإيمان

تحظى المحاضن الإيمانية بأهمية كبرى في الفكر التربوي لجماعة العدل والإحسان. وتتخذ هذه المحاضن أشكالا متنوعة:

– مجالس النصيحة: مجالس إيمانية تجمع بين تلاوة القرآن ومدارسته، مع قراءة في كتاب “الإحسان” لمرشد الجماعة، أو قراءة سير بعض الصالحين، أو تناول مسألة من مسائل الفقه .. كما تشتمل هذه المجالس على أوقات لذكر الله وإقامة الصلاة وقيام الليل والاستغفار بالأسحار وقص الرؤى.

– الرباطات الموسمية: محاضن تستغرق يومين أو ثلاثة، يستغرقها أبناء الجماعة وبناتها في ذكر الله وعبادته، وتعلم العلم وهم صيام.

– الاعتكاف: وينظم في العشر الأواخر من رمضان فيقضي المعتكف نهاره في الذكر وليله في التبتل إلى مولاه، رجاء موافقة ليلة هي خير من ألف شهر.

– الرباط الأربعيني: مدته من اسمه: أربعين يوما، ويعتبر الصيف الوقت المناسب لعقده، ويتميز برنامجه بالتنوع والمرونة.

2) تحصين الدولة الإسلامية: سيادة الدعوة على الدولة

يقبل الإسلاميون الديمقراطية قبولا حذرا، حذرهم ينبني على ضرورة التمييز بين الديمقراطية الآلية: ديمقراطية المسطرة والتنظيم، وبين الديمقراطية الفلسفية التي لا تكتمل فيها الديمقراطية إلا بلازمتها اللائكية. فإن افترضنا جدلا  وهو افتراض لا يصدقه أي مثال من الواقع- إمكانية حدوث انفصال للديمقراطية عن لازمتها، لأن النظام الديمقراطي المقترح يمنحنا دروسا إجرائية قانونية سياسية مؤسساتية لمناهضة تحول السلطة إلى تحكم في رقاب الناس، الديمقراطية تعطينا الدرس الميداني في كيفية مواجهة توازع التسلط عند المتحكمين في أجهزة الدولة لكنها تبقى عاجزة عن منح الشعب المسلم معنى لحياته. دعك من مطالب التنمية والإقلاع الاقتصادي وتحقيق الرفاه الاجتماعي وتوطين التكنولوجيا. وهي أمور ضرورية في حياة أمة الإسلام اليوم وغدا، لكنها ليست كافية لأمة تروم التمكين الحقيقي المتمثل في تحقيق العبودية التامة لله عز وجل، قال تعالى: “الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة آتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور”(25).

ماذا يكون مقام الدعوة بعد التمكين؟ أينتهي أمرها وتترك مكانها لرجال الدولة؟ أم تستقل بنفسها وتبحث لنفسها عن أسلوب آخر لاستمرار هيمنتها على دواليب الحكم؟ أم تتشكل الدعوة في حزب سياسي يتلبس بالدولة وتتلبس الدولة به؟ إن ذلك قد يضعها في محظورات ثلاث:

– قلب الأولويات عند الدعوة: (فلا تستولي المهمات التنفيذية على الدعوة حتى يغيب عنها هدفها الأول فإن استنفذت مشاكل الحكم طاقات الدعوة وألزمتها أن تقبل الحلول الوسطى فقد تودع منها)(26).

– افتقاد الدعوة للمصداقية: (من المغامرة بالدعوة أن تنتصب الدعوة بصفتها دعوة في النزاع على السلطة الإدارية مهما كان حجم فصائل الدعوة وعددها وتماسكها، الدعوة فوق الحلبة أخلاقيا بما هي نابعة من أعماق الضمير المسلم)(27).

– إمكانية إفساد السلطة للدعوة: (حقيقة من حقائق الطبائع البشرية يلتقي عليها عقلاء الناس وحكماؤهم مع الصالحين من هذه الأمة: يندد عقلاء الناس بالسلطة لأنها تفسد المتصدين لها القابضين عليها مهما كان منطلقهم سويا، ويحذر صالحو المسلمين من السلطة خشية أن تدنس الطاهرين)(28).

إن الحل لن يكون إلا بتمايز مؤسسات الدعوة عن مؤسسات الدولة في غد دولة الشورى والعدل والإحسان:

1- دعوة تتمثل في مؤسسات ورجال مهمتهم تربية الأمة ومراقبة التطبيق. ولها الهيمنة على مصير الأمور وعلى الرجال.

2- دولة تتمثل في مؤسسات ورجال وأجهزة وإدارات تسير الشؤون المادية والنظامية والاقتصادية. وهي تحت مراقبة وتوجيه الدعوة ورجالها.

وتجتمع مقاليد الدعوة والدولة معا في يد الإمام القطري قبل التحرير العام، والخليفة بعده، ينسق، ويأمر، وينهى وينظر إلى الأسبقيات، وينصب، ويعزل، ويستشير ويتخذ القرار)(29).

هذا عن الخطوط العامة للمشروع المجتمعي الذي تدعو إليه جماعة العدل والإحسان، فما هي المسارات الواجب سلوكها لتحقيقه على أرض الواقع؟

2- المسارات الثلاث نحو التغيير:

يقف أغلب المنظرين عند حدود رسم أجمل السيناريوهات لمجتمعات “فاضلة” تبقى موضوع تحليل وتأمل، ويتجاوزهم مرشد جماعة العدل والإحسان بطرح السؤال الكيفي لتحويل مشروعه المجتمعي من وجود ذهني كموني إلى واقع معيشي متحقق، إن ذلك استدعى ضرورة بناء تنظيم ينهض للطلب، طلب دولة الشورى والعدل والإحسان عبر مداخل التغيير الثلاثة.

التغيير الفوقي: ملكية تجُبُّ ما قبلها

كانت “التوبة العمرية” اقتراح الأستاذ عبد السلام ياسين على الملك الراحل في رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان”، وهو نفس النموذج السلوكي الذي اقترحه أيضا على الملك الحالي في رسالته الأشهر “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، إن التوبة العمرية لا تعني إعادة نفس التجربة ضمن شروط تاريخية تختلف جذريا عن الشروط التاريخية التي أنتجت ضمنها، بقدر ما تعني القطع مع تاريخ الملكين العاض والجبري على مستويين:

أ. مستوى القطع مع الاستبداد السياسي: ولن يتحقق هذا القطع إلا بالشورى المؤسسة على بيعة شرعية هي ضد (تقاليد البيعة المخزنية المقيتة، طقوس بهلوانية لا تمت بأية صلة إلى الميثاق الإسلامي الجليل الذي يلزم الشعب الحر بطاعة الحاكم، ويلزم الحاكم المنتخب بالعدل نحو الرعية)(30).

ب. مستوى القطع مع الاستبداد الاجتماعي: ولن يتحقق هذا القطع إلا بالعدل الذي يكون رد المظالم إلى الأمة مقدمته (هذا المشروع العظيم، مشروع رد مال الأمة للأمة، إذا ما حدث أن نما في الضمير الملكي، ورفع الساعد لواءه ونافح عنه، سيمكن الملك الشاب المبتدئ المحاط بالأفاعي الحربائية من الارتقاء إلى مصاف الأبطال المنقذين، الداخلين إلى التاريخ من أوسع أبوابه، الداخلين على الله عز وجل من باب الرضى والرضوان)(31).

المسلك الانتخابي: ضرورة استكمال شروطه الموضوعية

ما الذي يمنع جماعة العدل والإحسان من المشاركة الانتخابية والتغيير من الداخل رغم قول مرشدها بإمكانية (الدخول في تعددية الأحزاب، والترشيح للانتخابات، وما يقتضي هذا من علنية العمل، والمرونة الدائمة وطول النفس)(32)؟. إن ذلك يعود إلى عدم استكمال المسار الانتخابي المغربي لشروطه الموضوعية حسب قيادة الجماعة الميدانية، شروط يتحدد بعضها في الآتي:

المشاركة الانتخابية تقوية لدولة المخزن والتعليمات: (مشاركتنا ستزكي النظام السياسي العام الذي نعتقد أنه نظام قائم في أساسه على أصول وأعراف وموروثات تناقض مبادئ الحريات والحقوق الإنسانية، إن الرابح الوحيد من الانتخابات التي تجري في بلادنا بالصورة المعروفة هو النظام المخزني، فهذا النظام يحرص كل الحرص على أن تجري لعبته الديمقراطية وفق القواعد التي سطرها بيده وفي حدود الشروط التي وضعها من عنده وفرضها على جميع المشاركين، وذلك كله من أجل أن تصب نتائج اللعبة بهذا الشكل في تقوية دولة المخزن والتعليمات على حساب دولة القانون والمؤسسات)(33).

الحكومة ليست سوى أداة تنفيذية للسياسات الملكية: (إن الفائز أو الفائزين في هذه الانتخابات  إن سلمت من الغش والتزوير- سواء كانوا في البرلمان أو الحكومة أو المجالس المحلية، لن تكون لهم  حسب الدستور والقوانين المكتوبة والعرفية التي تحكم حياتنا السياسية- أية سلطات فعلية لتطبيق سياساتهم، فهم منفذون للسياسات التي تحددها خطابات الملك وتوجيهاته وتعليماته. فلماذا إذن التنافس في الانتخابات؟ وفي أي شيء يكون إدلاء الناخبين بأصواتهم؟ بل ولماذا وجود الأحزاب السياسية ابتداء؟!)(34).

الانتخابات سوق لتنشيط الكذب والاحتيال: (الانتخابات في هذه الظروف والشروط (تبعا لما سبق ذكره) هي بمعنى من المعاني، عبارة عن تنشيط لسوق الكذب والاحتيال بلحن القول وشراء الذمم والنعرات القبلية والحزازات الحزبية، حيث تطغى الأنانيات وتسود الأهواء، وتضيع المصالح العامة، ولنا في أربعين سنة من التجربة عبرا إن كنا نعتبر)(35).

المشاركة منح مصداقية لمؤسسات مزورة: (نربأ بأنفسنا الدخول في مثل هذه المؤسسات المفتقدة للمصداقية (…) والأيام أثبتت أنه لا يمكن أن يتحقق شيء في ظل هذه الوضعية، ونحن غير مستعدين لإعطاء أمل للناس سرعان ما قد يتبخر ويذهب أدراج الرياح بعد ثلاثة أسابيع أو أربعة)(36).

عدم القبول بالعمل السياسي ضمن شرعية مشروطة: (لا نريد الشرعية المشروطة، حزب كما يريده المسؤولون، أو جريدة كما يريدها المسؤولون، بل لابد أن تتوفر شروط موضوعية قبل مشاركتنا)(37) لقد حصل أنه (قبل ثلاث سنوات اقترحت علينا السلطات تأسيس حزب سياسي شريطة التخلي عن نقد الحكم بالمغرب، طبعا رفضنا هذا الاقتراح)(38).

التخوف من تكرار التجربة الجزائرية: (نحن متأكدون بأن الانتخابات إذا كانت نزيهة سيفوز بها الإسلاميون، بالمقابل نحن متأكدون بأنه إذا فاز الإسلاميون بالانتخابات سيقع انقلاب كما وقع بالجزائر، ونحن غير مستعدين لهذا الأمر. عملنا يأتي بالتدرج السلس إلى حين يطمئن لنا الناس ويتفهم المسؤولون بالفعل أننا لسنا فوضويين، بل نريد الخير لهذه البلاد) (39).

خط القومة: سؤال القوة إعدادا وتصريفا:

(في القومة الإسلامية ينبغي أن يعرف كل مجاهد من جند الله مهمته في الصف، يتصورها بوضوح كما يتصور المهمة الكلية للجند وخط سيره، وإن كان صناع الثورات لا يعرفون من التربية إلا التثقيف الإيديولوجي يتلوه الانضباط الحديدي في التنظيم، فإن صناعة القومة تريد من جند الله، مع الإيمان بالله والسباق إليه، مشاركة في الفهم والتنفيذ بحافز من داخل، بحافز الإيمان والبذل في الله، ولا تأتي الطاعة لنظام الصف إلا مكملا من خارج.

أمرنا الله عز وجل أن لا نطيع أمر المسرفين المفسدين، قال عز من قائل على لسان صالح عليه السلام يخاطب قومه: “ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون” (الشعراء: 151-152). والأمر سار فينا إلى يوم القيامة، فعندما تتألف الموجة العارمة يستطيع المومنون إيقاف الفساد بالعصيان الشامل، والإضراب العام، والنزول للشارع، حتى يخزي الله المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. على أن القومة قد تشق وسط الأحداث المتموجة طريقا إلى الإسلام غير هذه المحجة الناصعة، فيربى المومنون على الصمود الطويل، دون رفض الفرص التاريخية والفجوات والثغرات في صف المسرفين)(40).

قبل الختام

حاولنا في هذه الدراسة المختصرة مساءلة جماعة العدل والإحسان عن مشروعها المجتمعي المستقبلي، من خلال البحث عن إجابة للتساؤلين اللذين تصدرا مقدمة البحث: القيم المؤطرة للمجتمع المقترح، والمسارات المؤدية لتحقيقه، وقد تركنا كتابات مرشد الجماعة عبد السلام ياسين تتحدث بنفسها، فما كانت وظيفتنا سوى تفكيك كتاباته الكثيرة وإعادة تركيبها بما يفيد في تسليط الضوء على موضوعنا.

وأول ما يلاحظ على مشروع الأستاذ عبد السلام ياسين الفكري تكامله النسقي، حتى إنك لا تجد منطقة فراغ تركها دون أن يمدك بأدوات منهاجية لتحليلها، سواء تعلق الأمر بالتاريخ أو الواقع أو المستقبل.

ثاني الملاحظات أن مشروعه الفكري لا ينفصل فيه الخطاب السياسي الاجتماعي الاقتصادي التاريخي … عن هم الآخرة، حتى إنه يمكن المقابلة باطمئنان بين الديمقراطية ولازمتها اللائكية، وبين مشروعه الشوري ولازمته التربية الإيمانية.

تبقى الإشارة أن المشروع ما زال يحتاج لبحوث جمة، تتجاوز الموقف السياسي  الإيجابي أو السلبي- من صاحبه، لتقف على طروحاته وتقوم بنقد تركيبته الداخلية، ومقارنته مع أنساق فكرية أخرى، وهي مهمات لا نجعل أنفسنا خارج سياقها، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الهوامش:

(1) عبد السلام ياسين  المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا. الطبعة الثانية 1989  ص.18.

(2) عبد السلام ياسين  نظرات في الفقه والتاريخ. ط. الأولى 1989، ص. 10.

(3) نفس المصدر. ص. 19.

(4) عبد السلام ياسين  العدل: الإسلاميون والحكم. ص. الثانية 2000. ص. 101.

(5) ن. م. ص. 109.

(6) ن. م. ص. 106.

(7) ن. م. ص. 544.

(8) عبد السلام ياسين  حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. ط. الأولى 1994. ص 89.

(9) البند الثاني من الميثاق المبسوط في كتاب العدل (مرجع سابق). ص. 542.

(10) عبد السلام ياسين  الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية. ط. الأولى 1987. ص. 19.

(11) عبد السلام ياسين  مقدمات في المنهاج. ط. الأولى 1989. ص. 40.

(12) كتاب العدل (مرجع سابق). ص. 393.

(13) مقدمات في المنهاج (م. س.). ص. 40.

(14) المنهاج النبوي (م. س.). ص. 9.

(15) ن. م. ص. 305.

(16) ن. ف. ص. 235.

(17) من حديث نبوي شريف، رواه الإمام مسلم والترمذي والنسائي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (حديث جبريل عليه ايسلام).

(18) عبد السلام ياسين  الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية. ص. 20.

(19) إحالة على الحديث النبوي الشريف: (الإيمان بضع وسبعون شعبة  عند البخاري بضع وستون  أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) رواه الإمام مسلم.

(20) عبد السلام ياسين  رسالة تذكير. ص. 13.

(21) عبد السلام ياسين  مقدمات في المنهاج. ص. 78.

(22) عبد السلام ياسين  المنهاج النبوي. ص. 53.

(23) للاطلاع على هذا البرنامج يرجع إلى المنهاج النبوي ص. 49، 50.

(24) عبد السلام ياسين  رسالة تذكير. ص. 15، 16.

(25) سورة الحج. الآية: 41.

(26) عبد السلام ياسين  المنهاج النبوي. ص. 453.

(27) عبد السلام ياسين  العدل. ص. 577.

(28) ن. م. ص. 570.

(29) عبد السلام ياسين  المنهاج النبوي. ص. 410، وقد فصل مرشد الجماعة ذلك بشكل موسع في كتاب العدل. من ص. 569 إلى ص. 579.

(30) عبد السلام ياسين – مذكرة إلى من يهمه الأمر. ص. 11.

(31) ن. م. ص. 28.

(32) عبد السلام ياسين  المنهاج النبوي. ص. 412.

(33) فتح الله أرسلان  الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان في حوار مع جريدة القدس العربي يناير 2001.

(34) فتح الله أرسلان  في نفس الحوار.

(35) فتح الله أرسلان  في نفس الحوار.

(36) الندوة الصحفية التي نظمها مجلس إرشاد الجماعة بتاريخ 10/7/2001.

(37) فتح الله أرسلان  في حوار مع جريدة “الراية” عدد 173  5/12/1995.

(38) عبد السلام ياسين في حوار مع جريدة “دي فيلت” الألمانية، نقلا عن “رسالة الفتوة” عدد 23 يوليوز 2001.

(39) ندوة مجلس الإرشاد بتاريخ 10/07/2001.

(40) عبد السلام ياسين  المنهاج النبوي. ص. 10، 11.