بحكم موقعه الجغرافي ضمن خارطة العالم الإسلامي، ظل المغرب الأقصى يحمل صفته هذه فيما يخص وصول المؤثرات بشتى أنواعها إلى سمائه وأرضه. فقد تأخر وصول الإسلام ولم يستقر إلا في الربع الأخير من القرن الثاني الهجري مع الأدارسة. وظل المغرب أيضا ملاذا لكل حركات المعارضة المضطهدة من قبل الدولة المركزية المستقرة في الشام أو العراق.

في العصر الحديث ظهرت الحركة الإسلامية (ح.إ.) في مصر مباشرة بعد سقوط الدولة العثمانية الرسمي سنة 1924م، فأسس الإمام حسن البناء جماعة “الإخوان المسلمون” سنة 1928م، ثم سرعان ما انتشرت في جميع أنحاء المشرق العربي. في المقابل ظل تأثيرها في بلدان الغرب الإسلامي عموما ضعيفا إن لم نقل منعدما، فقد وجد المغاربة في الحركة الوطنية ملاذا لمواجهة الاستعمار بشتى أبعاده المباشرة والبعيدة المدى. ضمت هذه الحركة خليطا من الفاعلين ، منهم علماء تعددت مشاربهم، ومثقفون تتلمذوا في جامعات الغرب وعادوا يحملون كل الأفكار التي تصارعت في ساحات الجامعات الغربية خصوصا اللبرالية والماركسية.أما اختلاف مشارب العلماء فقد تراوح بين التصوف الذي يمثل المغرب تربته الخصبة إن لم نقل الطبيعية، بحيث يمثل أحد الركائز الدينية للمجتمع والدولة المغربيين فضلا عن المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، حتى صار يضرب المثل بقول: المغرب بلد الأولياء والمشرق بلد الأنبياء. وإلى جانب التصوف، هناك السلفية التي تزيى بها العديد من رموز الحركة الوطنية كمثل أبي شعيب الدكالي ومولاي العربي العلوي وعلال الفاسي& وقد تلقى العديد منهم تكوينه في المشرق العربي. وهناك الذين بلغتهم تأثيرات الوهابية في زمن مبكر بحيث وجدت لها موطئ قدم منذ زمن السلطان سليمان العلوي.وكانت السلفية فكرة ” تقدمية ” وردّ واضح ضد تحول العديد من الطرق الصوفية إلى مطايا الاستعمار الفرنسي. لم يكن الأمر مقتصرا على المغرب، بل شمل الغرب الإسلامي برمته.

أرجح أن يكون شغل الحركة الوطنية للساحة في هذا الجزء من المنطقة العربية هو السبب الرئيس لتأخر وصول الحركة الإسلامية بشكلها المنظم إلى نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين الميلادي .

1. الحركة الإسلامية بالمغرب: ظروف النشأة

تشكلت أولى أنوية الحركة الإسلامية بالمغرب ( وبالغرب الإسلامي عموما ) لأربعة أسباب رئيسية :

 خيبة أمل في الحركة الوطنية غداة الاستقلال، فسرعان ما ظهر أن الاستعمار قد أخرج من النوافذ ثم عاد من الأبواب. لم يتحقق أدنى تحرر فعلي في أي مجال من المجالات، لا على المستوى التشريعي ولا التربية والتعليم، ولا الإدارة ولا الاقتصاد& بل إن خيبة الأمل انتقلت إلى داخل الحركة الوطنية نفسها، خيبة أمل رجال مخلصين قاموا لتحرير البلاد تحت راية الإسلام وبذلوا لأجل ذلك دماءهم وأموالهم،فرأوا بأم أعينهم إبعاد الدين عن كل المراكز الحساسة في المجتمع بل واستنساخ النموذج الغربي المنحل على مستوى الأخلاق والعادات والقوانين الوضعية وغيرها. كل ذلك أقنع العديد من هؤلاء بضرورة عمل منظم يضع نصب عينيه مسألة التحرر الشامل ويعيد البناء من اللبنة الأساس، تربية الفرد.

 تنامي الحركة القومية العلمانية في المشرق العربي وسعيها للإمساك بزمام الأمور جعلها تصطدم في طريقها بالحركة الإسلامية هناك. وقلة خبرة الأخيرة في المناورة السياسية جعلها تكون ضحية الصدام الدامي رغم اتساع قاعدتها الشعبية سواء في مصر أو الشام. فتعرضت الحركة الإسلامية لمحنة حقيقية حملت في طياتها منحة. ففي خمسينيات القرن الميلادي الماضي والعقد الذي تلاه، شهدت الحركة الإسلامية أقسى تجربة طبعتها إلى يومنا هذا بطابع التوجس والحيطة والحذر والسرية والانتظارية القاتلة.. وغيرها من العلل التي حالت دون تبلور خطاب سياسي ونظرية سياسية واضحة المعالم. أما المنحة التي انبثقت من محنة «الإخوان المسلمون» فهي انتقال عدد من كوادرها فرارا من الاضطهاد إلى بلدان نائية، ومنها بلدان الغرب الإسلامي.انتقلوا ونقلوا تجربتهم الحركية.

 الهزيمة النكراء التي منيت بها الأنظمة القومية الاشتراكية – خاصة النظام الناصري  في نكسة 1967 هيأت جوا عاما لتقبل الفكرة الإسلامية على اعتبار أن الهزائم غالبا ما تكون في حق الأمة الإسلامية عقابا من الله نتيجة الشرود عن المنهج القويم.

 الاختناق السياسي الذي عاشه المغرب منذ عقد الستينيات واستمر في السبعينيات من القرن الماضي، نتج هذا الاختناق أساسا من سياسة شد الحبل والدسائس و الدسائس المضادة التي طبعت العلاقة بين اليسار والقصر.إن هذه الحالة جعلت النظام يعمد إلى ما عمد إليه نظام السادات في مصر ونظام النميري بالسودان في نفس الفترة : إيجاد النقيض الأيديولوجي الجذري للشيوعيين ، إذ لم يعد يجد توازن اليمين واليسار. وهكذا سيغض النظام الطرف عن ميلاد حركة الشبيبة الإسلامية في أواخر الستينيات لتأخذ شرعية الوجود القانوني سنة 1971م بزعامة الأستاذ عبد الكريم مطيع. وهذا لا يعني أن النظام كان وراء إنشاء هذه الحركة، بل إن مصلحته اقتضت شغل خصمه التقليدي بمعركة جانبية وإرغامه في النهاية على قبول اللعبة وفق شروط يمليها الطرف القوي – النظام – وإلا فإن البديل المقبول شعبيا – أقصد جزءا من الحركة الإسلامية – قد وضع نفسه رهن الإشارة بدون أدنى شرط. وقد أثمرت لعبة التوازنات هذه حكومة التناوب التوافقي في مرحلة جد حساسة خدمت النظام بشكل لم يكن يحلم به.

2. مسار الحركة الإسلامية بالمغرب ( ح إ م )

تتوزع الساحة الإسلامية اليوم جماعتان كبيرتان مختلفتان في كل شيء تقريبا، هما جماعة العدل والإحسان وهي الأهم من حيث العدد والفاعلية باعتراف كل المهتمين ، ثم حركة التوحيد والإصلاح التي تألفت من اندماج حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي. وانخرطت بشكل يكاد يكون كليا في العمل السياسي ضمن صفوف حزب الدكتور الخطيب ( حزب العدالة والتنمية ) بعد أن تم رفض حزب التجديد الوطني. وهناك جماعات أخرى صغيرة نخبوية تهتم أساسا بالعمل الثقافي والتأطير الفكري منها حركة البديل الحضاري والحركة من أجل الأمة.ولا أقول هذا من باب القدح في هذه التنظيمات، إنما هو مجرد وصف لمكونات بات وجودها يغني حقل الحركة الإسلامية المغربية.

وإذا استثنينا جماعة العدل والإحسان التي عرفت نشأة خاصة ورابطة المستقبل الإسلامي التي تألفت من جماعات صغيرة لها علاقة وطيدة بالفكر الإخواني المطبوع بالمحنة، فإن باقي الحركات الأخرى تنحدر أساسا من حركة الشبيبة الإسلامية التي تفتت بعد «محنة»أعقبت حادثة اغتيال الزعيم اليساري عمر بنجلون سنة 1975م.

أسس الأستاذ عبد الكريم مطيع حركة الشبيبة الإسلامية على نمط جماعة “الإخوان المسلمون”المصرية، فضمت جناحان : مدني وآخر عسكري اهتم في البداية أساسا “بتأديب” بعض الأساتذة اليساريين المتحاملين على التلاميذ الإسلاميين. وكان كتاب ( معالم في الطريق ) للشهيد سيد قطب المعتمد الأيديولوجي للحركة. وكانت هذه المرحلة جد دقيقة عرف فيها المغرب محاولتين انقلابيتين ضد الملك الراحل عقب مرحلة الاستثناء (1965-1970). ولقد أثبتت رسالة المناضل محمد الفقيه البصري المنشورة منذ ما ينيف على أربع سنوات وقوف رموز كبيرة من الاشتراكيين إلى جانب الانقلابيين. في هذه الظرفية المحتقنة ولدت حركة الشبيبة الإسلامية ونمت بسرعة فائقة سرعان ما سيتحسس النظام خطرها وسيخطط لضربها في المهد ( بعد أربع سنوات من الولادة الرسمية في 1971 ). تشتتت الحركة ما بين السجون والمنافي والإغراق في السرية، وولدت في هذا الخضم جمعية الجماعة الإسلامية سنة 1983م على يد شباب انتموا إلى الحركة وراجعوا تصوراتهم في السجن وبدلوا اقتناعاتهم ب 180 درجة. أما من لم يتراجع فقد أمضى زهرة شبابه في المعتقلات لعشرات السنين ومنهم من لا يزال فيها إلى يوم الناس هذا.

التحق العديد من أبناء حركة الشبيبة الإسلامية بحركات أخرى، وما تزال الحركة الأم تنشط بزعامة مؤسسها بإصدار البلاغات من الخارج، وعبّر الأستاذ مطيع غير ما مرة عن رغبته في العودة إلى البلاد بعد إسقاط الأحكام الصادرة في حقه والتفرغ للعمل التربوي. والواقع أن الصمت ما يزال يطبع هذه المرحلة الدقيقة والغامضة من تاريخ الحركة الإسلامية المغربية، وذلك بسبب صمت جيل المؤسسين.

غيرت جمعية الجماعة الإسلامية اسمها إلى حركة التجديد والإصلاح وحاولت إنشاء حزب سياسي هو حزب التجديد الوطني الذي رفضت سلطات الرباط العمومية الترخيص له، فكان التحالف مع حركة الخطيب الشعبية الدستورية الديمقراطية (تأسست سنة 1967م وبقيت مجمدة النشاط)، وذلك قبيل توحدها الاندماجي مع الرابطة مكونين حركة التوحيد والإصلاح بزعامة الدكتور أحمد الريسوني قبل أن يستقيل مؤخرا ويعوض بالمهندس محمد الحمداوي.

أما الجناح الثاني من الحركة الإسلامية المغربية فيمثله جماعة العدل والإحسان بزعامة الأستاذ عبد السلام ياسين. تأسست رسميا في شتنبر 1981م تحت اسم «أسرة الجماعة» ووضعت ملفها لدى السلطات العمومية تحت اسم «الجمعية الخيرية الإسلامية»، ورفعت ثلاثة مبادئ أساسية: رفض العنف، رفض السرية، رفض التعامل مع الخارج. ثم رفعت فيما بعد سنة 1987 شعار” العدل والإحسان” الذي تعرف به اليوم.

لكن تاريخ الجماعة مرتبط ارتباطا وثيقا بمؤسسها الأستاذ عبد السلام ياسين الذي بدأ حياته رجل تعليم وارتقى في ظرف وجيز أعلى المراتب في أسلاك وزارة التعليم، ونهل من ثقافة الغرب وألم بالعديد من لغاته وهو الذي حفظ القرآن صغيرا ودرس في إحدى مدارس التعليم الأصيل. المكانة والحظوة والثقافة لم تمنع الأستاذ ياسين من أن يشعر بأزمة روحية ستقوده إلى التصوف سنة 1965م ضمن صفوف الزاوية البودشيشية القادرية لمدة تصل إلى ست سنوات، أي إلى وفاة الشيخ العباس رحمه الله. كان الأستاذ ياسين يرى أن على الزاوية القيام بدور أكبر مما يراه القائمون عليها، دور قامت به على امتداد التاريخ المغربي: تربية رجال ذاكرين مجاهدين مرابطين تصدوا للمستعمر وجددوا الدين. كان ذلك قبل أن تصبح الزوايا أماكن للاستهلاك والقعود والبدع فضلا عن الأشواق والأذواق، وفي أحايين كثيرة صارت الزوايا حليفة الاستعمار. فارق الأستاذ ياسين الزاوية سنة 1971م وكتب نصيحة إلى ملك البلاد الراحل سنة 1974م سماها «الإسلام أو الطوفان » تقع في حوالي مائة صفحة، دعاه فيها ليقوم بالدور الذي قام به عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في تاريخ المسلمين.

كان نصيبه من كلمة الحق التي صدع بها ثلاث سنوات ونصف سجنا بدون محاكمة، وخرج سنة 1978م ليواصل مشواره الدعوي عبر الدروس المسجدية بمراكش، لكن سيتم توقيفه، ثم عبر مجلة الجماعة التي ضمنها تصوراته للعمل الإسلامي. وقام بمحاولة لتوحيد الجماعات الإسلامية بالمغرب، باءت بالفشل.

وحول مجلة الجماعة تألفت “أسرة الجماعة”وكانت منطلق جماعة “العدل والإحسان” التي تعرضت وما تزال إلى اليوم للحصار والحظر العملي رغم فك الحصار عن مرشدها بعد عشر سنوات (1990-2000 ).

3. الحركة الإسلامية بالمغرب: التصورات

لن نفصل في هذه النقطة فذلك يحتاج إلى حيز أكبر، لكن إجمالا يمكن أن نجزم أن الحركة الإسلامية المغربية متباينة التصورات، فهي انطلقت متعددة بعكس مثيلتها المشرقية التي بدأت واحدة ثم أخذت في التعدد عند مواجهتها لتحديات الواقع.هذا التباين المتحدث عنه لا يعني استحالة عمل مشترك بين مكونات ح إ م ، لن أتحدث عن قضايا الأمة الكبرى التي هي مجال تعاون وتآزر منذ أمد بعيد، ولكن أتحدث عن عمل سياسي مشترك على شكل جبهة أو رابطة كما يقترح بعض الباحثين والعاملين في حقل الدعوة الإسلامية. قد يبدو الأمر مستبعدا في الأمد القريب لكنه ليس مستحيلا عندما تزول الأسباب الموضوعية وتفرض التحديات ضرورة التنسيق والتعاون، خاصة مع وحدة المرجعية العليا، ونحن نرى أن الضرورات السياسية والمصالح المشتركة في مغرب اليوم تجمع تحالفات غير طبيعية – كما يعبربعض أهل الصحافة – بين أحزاب من أقصى اليمين وأحزاب من أقصى اليسار.

4. الحركة الإسلامية المغربية والنقد الذاتي المطلوب

غياب التصور الواضح: أتاحت أحداث 16 ماي 2003 الدامية وما رافقها من تداعيات، الفرصة لكثير من مكونات ح إ م من أجل مراجعة النفس.

ففي مقال نشر بجريدة التجديد لسان حال حركة التوحيد والإصلاح عدد 711 بتاريخ 16/7/2003 ، ذهب الكاتب محمد إكيج إلى كون ح إ م تفتقر إلى تصور فكري واضح. ونحا نفس المنحى الرجل الثاني في حركة البديل الحضاري الأستاذ الأمين الركالة في حوار له مع أسبوعية الأيام عدد 94 بتاريخ 10-16/7/2003. ولعل الناظر إلى التخبط الذي تقع فيه الكثير من مكونات ح إ م في المواقف والخطوات غير المحسوبة لا ينتابه أدنى شك في غياب التصور الواضح عندها. لكن للإنصاف، هذا الوصف لا ينطبق بكل تأكيد على جماعة العدل والإحسان التي تأسست بعد وضع تصور مبني على قراءة نقدية لتاريخ المسلمين ودراسة لحاضر تعصف به الأنانيات والتقليد ورياح التغريب. فمن هذه المنطلقات كان الحل الجذري الذي تقترحه الجماعة لاجتثاث أمراض النفوس – وعلى رأسها حب الرئاسات – بالتربية الإيمانية الإحسانية وتحقيق العدل للأمة عبر نظام إسلامي يحفظ توازن العلاقة بين مكونات الدعوة ومؤسساتها ومكونات الدولة ومؤسساتها.

( المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا )هو تصور جماعة العدل والإحسان الذي وضعته منذ أزيد من ثلاثين سنة ولم يتغير منه إلا النزر اليسير، وظلت الثوابت التي ارتكز عليها هذا المنهاج قائمة القواعد، وهي من العمق والشمول والأصالة ما يجعلها ثروة غنية تفيد كل العاملين للإسلام إن هم وضعوا كبرهم جانبا.

صحيح أن المرجعية العليا – الكتاب والسنة – تشكل مادة غنية لرجال الدعوة، لكن بأي فهم؟ وبأية إرادة؟ والأمة لم تختلف على مدى قرونها الخمسة عشر حول المرجعية بقدر ما اختلفت منها الفهوم والإرادات، فتعددت الاجتهادات وتأسست الفرق والمذاهب والمدارس .. ومع ذلك لم نر – إلا عند الفرق الشاذة – أحدا من علماء الأمة المعتبرين من يشهر في وجه مخالفيه حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.ولم نسمع تنظيما أو مذهبا أو صاحب اجتهاد يصف مخالفيه الإسلاميين بأنهم غدة سرطانية يجب اجتثاثها وأنهم أخطر من الصهيونية ! إن الضربات التي تلقتها إحدى مكونات ح إ م المتأثرة بالوهابية على مستوى المنهج في العقيدة، بعد أحداث البيضاء الدامية، فضلا عن طوائف الوهابية الأخرى، جعلها تراجع أسس تفكيرها وأخطائها التي ارتكبتها في حق معظم المكونات السياسية والتي لم ترتكبها، وتعمل على إصلاحها. لكن ما لم تنتبه له أثناء مراجعاتها والذي هو سبب أكيد فيما عانته هو قول الله تعالى في مقدمة الحديث القدسي: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)) ( حديث رقم 6021 من صحيح البخاري  كتاب الرقاق وهو الحديث الذي كاد الإمام الذهبي- إمام الجرح والتعديل- أن يرده لولا هيبة البخاري!). لقد تحمل رجال كل همّهم أن يدلوا العباد على الله، الأذى والتجريح من قبل شباب كانت السياسة حاضرة في معظم تحركاتهم عن قصد أو عن غير قصد، وإن حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة فكيف بحرمة المؤمن فمن فوقه؟

ها هنا نقطة الارتكاز في عملية النقد الذاتي والمراجعة، ثم تأتي نقط أخرى بعدها.

سلامة الصدر اتجاه كل العاملين للإسلام باب عظيم من أبواب استمطار رحمة الله تعالى، والتنافس في الطاعات مطلوب من المسلمين ما لم يكن فيه حظ للنفس يفضي إلى مجرد تنافس على الدنيا ومناصبها الزائلة.

المراجعة مطلوبة من كل مكونات ح إ م، لأن السنين السابقة التي مرت عليها مع كل ما حملته في طريقها من سلبيات وإيجابيات، من استفادة من دروس المشرق والمغرب، ومن تصورات وأفكار أصيلة أو وافدة، معظم ذلك تم ضمن إكراهات سلطوية أو مجتمعية أو خارجية، وهذا ما جعل الكثير من أبناء ح إ م يتخذون مواقفا من دون روية شابها الاضطراب في غالب الأحيان.الموقف الشرعي من الحكم القائم دون النظر إلى إكراهات الماضي والحاضر، الموقف من الفرقاء السياسيين ، الموقف من العنف وتكفير المجتمع ، الموقف من الديمقراطية، العلاقة بين الدعوة والدولة وبين الحركة والحزب،أيهما له السيادة ؟ الموقف من حقوق المرأة الذي يضمن كرامتها ولا يضيع حقها في رضى ربها، العلاقات الدولية بين المسلمين ومع غيرهم من الدول، حقوق الأقليات الدينية والعرقية .. وغيرها من المواضيع التي طبعت مرحلة البدايات ولم تجد في الغالب أجوبة شافية، قد آن مراجعتها في زمن النضج.