الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك سبحانك اللهم وبحمدك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله

إنكم لتعلمون أن البيان الإلهي يكثر من تحذير الإنسان المسلم من الاغترار بالحياة الدنيا ومن الركون إليها، ومن الانخداع بها، ويتفنن البيان الإلهي في تحذير المسلم من هذا الأمر الخطير، يقول مثلاً: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادِ} [آل ‌عمران: 3/196-197] {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 35/5] ويقول: {اعْلَمُوا أَنَّما الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَما الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 57/20].

ففي الناس من إذا سمع هذه التحذيرات الكثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى أشاح بأذنه عنها وأخذ يعيد ويكرر أن هذه التحذيرات هي التي سببت تخلف المسلمين عن ركب الحضارة، وهي التي جعلتهم يعرضون عن الإقبال إلى الدنيا وإلى الصناعات والزراعة والإبداع والاختراع، ومن ثَمَّ تخلفوا عن ركب الحضارة.

هذا الفريق اليوم من الناس كثير، وهذه خدعة شيطانية ما ينبغي أن تتسرب إلى بال المؤمن، وما ينبغي أن يخدع بها، معاذ الله، إن الله عز وجل عندما حذر عباده المؤمنين من الاغترار بالحياة الدنيا لم يطلب منهم الإعراض عنها، لم يطلب منهم الترفع فوقها، ونفض اليد والجيب منها، متى؟ أليس هو القائل: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 7/32] أليس هو القائل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 2/29] أي لتتمتعوا بها. أليس هو القائل: {كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 20/81] والكلام المكرر الذي يدل على أن الله عز وجل يطلب من عباده أن يقبلوا إلى مائدة إنعامه وفضله وإكرامه كثيرة.

إذن هذه الآيات التي يحذر الله عز وجل فيها عباده من الاغترار بالحياة الدنيا والركون إليها ليست دعوة إلى الابتعاد عن الدنيا وتركها للآخرين، إذن لماذا يحذرنا من الانخداع بها؟

يحذرنا من الانخداع بها كي نقبل إليها إقبال المستخدم لخادمه، وكي نقبل إليها إقبال السيد للمسخرات التي سخرها الله سبحانه وتعالى له، ولكي لا يقبل إليها إقبال العاشق المتعلق بمعشوقه، إقبال الجائع النهم الذي لا يعلم للشبع معنى إلى الطعام ينحط فيه ثم لا يرفع رأسه عنه حتى التخمة، تربية ربانية يربي البيان الإلهي عباده من خلالها كي يقبلوا إلى الدنيا إقبالَ حذرٍ، كي يقبلوا إليها وهم يعلمون أنها مطية ذلول يتخذونها سبيلاً إلى الله، ويتخذونها سلماً لتنفيذ قوله سبحانه وتعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 51/50] يتخذونها سلماً لتنفيذ قول الله عز وجل: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها} [هود: 11/61].

الناس أيها الإخوة فريقان: فريق أعرض عن كتاب الله جل جلاله فلم يصطبغ بالتربية القرآنية المثلى، هذا الفريق عندما يرى بريق الدنيا من حوله ويرى مظاهر زخارفها ومشتهياتها وأهوائها يقبل إليها إقبال السكير إلى خمرته، يقبل إليها إقبال العاشق إلى معشوقه كما قلت لكم، يعانق الدنيا في غير حذر، لا يفرق بين حلال وحرام، لا يبالي بالمنهج الذي ألزمه الله سبحانه وتعالى به. وفريق آخر تدبر بيانات الله عز وجل، وتأمل فيما يخاطب الله به عباده، ونال قسطاً كبيراً من التربية القرآنية له، عندما يعرفه بهذه الحياة الدنيا، ويبين له أنها ممر إلى مقر، وأنها مجرد مستودع، ثم يأمره بالإقبال إليها إقبال الصانع إلى العدة التي يستعملها في صنعته، هذا الفريق الثاني يقبل إلى الدنيا كما يقبل أولئك، ويستخدمها كما يستخدمها أولئك، لكن هذا الفريق الثاني يقبل إلى الدنيا كما قلت لكم إقبال السيد إلى عبده يأمره وينهاه، يقبل إلى الدنيا وزخارفها إقبال الإنسان الذي سخر الله سبحانه وتعالى له العُدد والوسائل التي يصل منها إلى غايته، فهو يستخدم هذه العُدد ثم يلقيها جانباً أو أرضاً وذلك هو شأن المسلم الذي تربى في ظلال بيان الله سبحانه وتعالى. نعم، وتلك هي التربية التي حرم أكثر المسلمين في هذا العصر منها، ولا سيما قادة المسلمين وحكامهم، ينظرون إلى الدنيا كما ينظر إليها الآخرون، كأنهم يتأملون فيها على أنها اليوم الذي لا غد بعده، وكأنها المستقر الذي لا انصراف عنه، فهم يتعاملون معها بنهم وحب لانتصارهم، تصبح هذه الدنيا عندئذ نقطة ضعف في حياتهم أمام أعدائهم بدلاً من أن تكون مظهر شخصية قوية ترتعد لها فرائص أعدائهم، وإن لكم في سيرة الرعيل الأول السلف الصالح خير دليل وبرهان على هذا الذي أقوله لكم. أيها الإخوة.

لو أن المسلمين اليوم لم يقبلوا إلى الدنيا كإقبال قارون إلى كنوزه: عشقها وركن إليها وسكر بها، سكر بها إذ قال: {إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 28/78] فماذا كانت العاقبة؟ كانت العاقبة أن هذه الكنوز أشقته بدل من أن تسعده، وزجته في الصغار بدل من أن ترفع رأسه عالياً بما كان يتمتع به {فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الأَرْضَ} [القصص: 28/81] هذا بيان الله سبحانه وتعالى.

لو أن المسلمين وفي مقدمتهم القادة لم يتعاملوا مع كنوز الدنيا ومشتهياتها كما كان يتعامل قارون وأمثاله مع الدنيا، إذن لوجدوا أنفسهم أمام التربية الالهية المثلى، وإنما سبيل ذلك الرجوع إلى بيان الله بالتدبر الذي أمر الله سبحانه وتعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفالُها} [محمد: 47/24] لعادوا إلى كتاب الله يتدبرونه ولاصطبغوا بهذه التربية القرآنية، يحذرهم مراراً وتكراراً من الركون إلى الدنيا وكأنما يبين لهم أن هذا الذي يبرق في أبصارهم إنما يشبه جلد الثعبان الذي يبرق ملوناً منقوشاً في أعين الأغبياء، فإياكم وما وراء هذا البريق، حتى إذا أخذ هؤلاء المسلمون حذرهم، وعرفوا أن هذه الدنيا مبعث خداع، وأنها مظهر يبرق بالأبصار، وباطن يجر الإنسان إلى الشقاء والوبال.

حتى إذا استقر في نفوسهم هذا المعنى وهيمنت على أفكارهم هذه الحقيقة، جاء البيان الإلهي الآخر يأمرهم بالتعامل معها، يأمرهم بالإقبال إليها، أمرهم بتثوير ما في باطن الأرض، واستخراج خيراتها، ويعلن لهم أن الله ما سخر لهم هذه المسخرات إلا من أجل أن يتخذوها عدة لبناء المجتمع، ومن أجل أن ينفذوا بها أمر الله القائل: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها} [هود: 11/61].

عندئذٍ يقبلون إلى الدنيا كما يقبل الآخرون، يتعاملون معها كما يتعامل الآخرون، يجمعون كنوز الدنيا كما يجمعها الآخرون، لكنهم يفعلون ذلك كله بروح الموظف الذي أمره الله عز وجل أن يجعل من الدنيا خادماً لتنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى، فلا يتعاملون مع الدنيا إلا على الوجه المستقيم، إلا على النهج السليم، لا يتعاملون مع الذهب والفضة، مع الأبيض والأصفر، إلا على النهج الذي يحقق للمجتمع العدالة ويبعده عن الظلم وأسبابه، يتعاملون مع الدنيا دون أن تهيمن هذه الدنيا على قلوبهم.

وهكذا ومن هنا يأتي النصر لهم.

أعداؤنا يتعاملون مع كنوز المال والأرض تعامل السكران مع خمرته، أما المسلمون والمسلمون الصادقون هم الرعيل الأول، هم السلف الصالح ومن جاء على إثرهم وسار على نهجهم؛ فهؤلاء يتعاملون مع المال ويتعاملون مع هذه النعم كلها ولكن قلوبهم محصنة ضد التعشق لها وضد التعلق بها، قلوبهم مرطبة بالله، سبق إلى قلوبهم حب آخر، حب الله عز وجل، سبق إلى قلوبهم خوف آخر من الفقر ألا وهو خوف من الله سبحانه وتعالى، فلم يبق للفقير في نفوسهم خوف، ولم يبق في نفوسهم للمال حب، ولكنهم مع ذلك ينافسون الآخرين في السعي إلى الرزق، وينافسون الآخرون في صناعات، ينافسون الآخرين في فنون الزراعة، ينافسون الآخرين في فنون الإبداع، كلها من السباق في هذه الحالة.

أيها الإخوة كلكم يعلم السابق هو الإنسان الذي جعل المطية مطية يستخدمها، ولم يجعل نفسه مطية للمطية، نعم، ولكن هذه هي حال المسلمين اليوم، حال المسلمين أنهم أخذوا جزءاً من بيان الله عز وجل، وتسابقوا إلى تنفيذه، ورقصوا وهم يتباهون في تطبيقه، أخذوا الجزء القائل: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 7/32] وأهملوا الأساس التربوي القائل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (*) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 18/45-46] أهملوا قول الله عز وجل: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادِ} [آل ‌عمران: 3/196-197] وصدق عليهم قول الله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 2/85] هذا هو الداء الذي أصاب المسلمين اليوم، ووراء هذا الداء الرجوع إلى التربية القرآنيةكما رجع إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلكم يعلم المثل الذي يجسد هذه الحقيقة في شخص عمر، وما عمر إلا واحد من مئات الآلاف من الذين ساروا على هذا النهج، لم ينفض يديه من الدنيا أبداً، استقبل الغنائم التي وصلت إليه وهي كنوز كسرى، استقبلها وجندها خير تجنيد لبناء المجتمع الإسلامي، بنى الأمصار، بنى الكوفة، بنى البصرة، أنشأ أسطولاً بحرياً، ولو امتد به الأجل لتكامل هذا الأسطول، فعل ذلك كله، لكن هل فعل ذلك كله من منطلق التعشق لهذه الكنوز؟ لو أنه تعشقها لاختنق بها، لا، أقبل إلى ذلك إقبال السيد الذي يستخدم خادمه، ألا تعلمون أنه وقف ينظر إلى هذه الكنوز بعين دامعة وهو يقول: ((اللهم إنك تعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان خيراً مني فلم تعطه شيئاً من هذا، وأنت تعلم أن أبا بكر كان خيراً مني فلم تعطه شيئاً من هذا، فأعوذ بك اللهم أن يكون هذا العطاء فتنة في ديني ودنياي)) أقبل ولكن إقبال الحذِر، أقبل ولكن إقبال المتبين لحكم الله، المتبين لشرع الله، أقبل ولكنه جعل من هذا خادماً للعدل ولم يجعل من هذا المال سبباً للظلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

دعاء الخطبة الثانية

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وألف بين قلوبهم يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك بذل عبوديتنا لك، وبعظيم افتقارنا إليك، ونسألك اللهم بثقتنا بحمتك ورحمتك، وبحسن ظننا بك، ونسألك اللهم بتوحيدنا لك إلهاً واحداً لا شريك لك، أن تجعلنا من عبادك الصالحين الذين أرضيتهم ورضيت عنهم، والذين أحببتهم فأحبوك، مع العافية التامة ورغد العيش، ودون ابتلاء، وأن تجمع كلمة المسلمين على ما يرضيك، وأن تلهم قادة المسلمين الرجوع إلى صراطك المستقيم، وأن توجه قلوبهم إلى ما يرضيك، فإن قلوب عبادك بين أصبعين من أصابعك تقلبها كما تشاء يا ربَّ العالمين. اللهم أوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه يا ربَّ العالمين، اللهم ألهمهم أن يعتزوا بدينك، وأن يعتزوا بشرعك وقرآنك يا ربَّ العالمين.

ونسألك اللهم بذلك كله، أن تنصر عبادك المؤمنين المستضعفين في فلسطين وفي العراق وفي مشارق الأرض ومغاربها، وأن ترد عنهم طغيان الطغاة يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.

اللهم اجعل هذه البلدة بلدة آمنة مطمئنة رخية مستظلة بظل كتابك ملتزمة بهدي نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وسائر بلاد المسلمين.

اللهم وفق عبدك هذا الذي ملكته زمام أمورنا للسير على صراطك، ولاتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم املأ قلبه بمزيد من الإيمان بك، وبمزيد من الحب لك، وبمزيد من التعظيم لحرماتك، واجمع اللهم به أمر هذه الأمة على ما يرضيك، وحقق له في سبيل ذلك البطانة الصالحة يا ربَّ العالمين، يا أكرم الأكرمين.

ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا الحاضرين ووالديهم، ولسائر المسلمين أجمعين.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأُمي وعلى آله وصحبه أجمعين.

والحمد لله ربِّ العالمين.