1- نص الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم : (الإيمان بضع وسبعون  عند البخاري بضع وستون- شعبة (زاد مسلم) : أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان(1).

2- مفردات الحديث

الإيمان : لغة التصديق، ضده التكذيب(2).

شعبة : واحدة الشعب وهي الأغصان(3). والمقصود الفروع والروافد.

إماطة : إزالة وإزاحة.

البضع : والبضع بالفتح والكسر ما بين الثلاث إلى العشر.

3- ترجمة رواة الحديث

3-1- أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر، وهو دوسي، يرجع نسبه إلى بطن من الأزد هم بنو دوس بن عدنان، كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ “أبي هريرة” يوم شاهده يحمل هرة صغيرة على سبيل التحبب.

أسلم رضي الله عنه في السنة السابعة للهجرة عام خيبر، وتوفي بالعقيق عام 57 هـ على الراجح، فكان بين الصحابة أكثرهم حفظا. أخرج الشيخان والترمذي عنه أنه قال : قلت يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها. فقال أبسط رداءك فبسطته. فحدثني حديثا كثيرا فما نسيت شيئا حدثني به “”كما عرف بانقطاعه إلى العبادة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى جانب هذا كان مرحا يحب الدعابة.

3-2- الإمام مسلم هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أجمعوا على جلالته وإمامته وعلو مرتبته وحذقه في علم الحديث. وقد رحل كثيرا في طلبه فسمع من يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل…

من تلامذته : الترمذي وأبو حاتم الرازي.

من مؤلفاته : صحيحه المشهور وكتاب العلل، وصحيحه مع صحيح البخاري أصح الكتب بعد القرآن الكريم.

توفي بنيسابور سنة 261 هـ عن 55 سنة.

4- شرح الحديث

4-1- مقدمة

الإنسان مجموعة من أعضاء، بعضها يفضل عن بعض. ولعل أكثرها قدرا وفضلا القلب. فبصلاحه يصلح الإنسان وبفساده يفسد. والقلب مستودع الإيمان ومحل إشعاع نوره على باقي الجسم وعلى الناس أجمعين. يجتهد العاقل اللبيب فيصحب أهل الإيمان ليكون منهم ويتعرض لنفحاته حتى يحصل على مجموع مبارك من شعبه.

وقد كتب كثير من العلماء في شعب الإيمان كالإمام أبي عبد الله الحليمي والإمام البيهقي والإمام القصري… وجمعوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم مقاصدهم في ذلك. وقد تحدث الأخ المرشد جزاه الله خيرا عن شعب الإيمان ورتبها منضوية تحت خصال عشر، يقول في المنهاج النبوي : أتينا بالترتيب فقط لمقاصد تربوية، فهي سياسة شرعية لا غبار عليها(4).

4-2- الإيمان بضع وسبعون شعبة

من خلال كلام النبي صلى الله عليه وسلم في حديثنا هذا يظهر منذ البداية أن الإيمان أمر عام والشعبة أمر خاص. فهو  أي الإيمان- جامع لمجموعة من الشعب التي تكونه.

“إن شعب الإيمان- كما يدل على ذكر المعنى اللغوي للشعب- روافد يتألف منها نهر الإيمان”(5).

4-3- السلوك الرباني النوراني

يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للإيمان شعبا  وأن منها الأعلى والأدنى- بمعنى أن بعضها يفضل على بعض.

وقد صنفها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى عشر خصال : ثلاثة منها من أمهات الخصال وهي : الصحبة والجماعة، والذكر والصدق، وسبعة منها تطبيقية لما سبق وهي : البذل والعلم والعمل والسمت الحسن والتؤدة والاقتصاد والجهاد.

وأعلى الشعب هو قول لا إله إلا الله، وهي الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت في قلب المؤمن.

لا نتصور سالكا إلى الله غافلا عن قول لا إله إلا الله بل غافلا عن الإكثار منها، قولا باللسان، ثم اعتقادا بالقلب، وتنفيذا لمقتضاها.

لا إله إلا الله هي العين التي ينبع منها الإيمان، ثم ينحدر النهر وتصب فيه باقي روافده وهي سائر الشعب.

لا إله إلا الله تجدد الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “جددوا إيمانكم، قالوا كيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله”(6) فهي الكيمياء التي تجدد الإيمان وتقويه وتبعثه.

4-4- التهذيب الوجداني

جاء في آخر حديث الحديث في آخره (الحياء شعبة من الإيمان). ما ذكر في الآخر ليس لأنه الأخير والأدنى، وإنما يذكر به بعد ذكر الأدنى وهو إماطة الأذى عن الطريق لأن الحياء جامع للشعب دافع لها. فالحيي من الله مطيع له، فاعل لكل أمر، وتارك لكل منهي عنه.

ولابن حجر العسقلاني كلام نفيس في الموضوع حيث يقول : “”فإن قيل الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة الإيمان ؟ أجيب بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقا، لكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان. ولكونه باعثا على فعل الطاعة وحاجزا عن فعل المعصية، ولا يقال : رب حياء يمنع من قول الحق أو فعل الخير، لأن ذاك ليس شرعيا، فإن قيل لم أفرده بالذكر هنا ؟ -يقصد في حديث شعب الإيمان- أجيب بأنه كالداعي إلى باقي الشعب، إذ الحيي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر& “”(7).

والحياء درجات يهبها الله لمن يشاء من عباده، قد يفضل فيها مؤمن عن باقي إخوته فهذا عثمان يستحيي منه النبي صلى الله عليه وسلم لاستحياء الملائكة منه، ويشهد له بالصدق في الحياء، حيث يقول في حديث رواه الترمذي ( وأصدقهم حياء عثمان).

4-5- المشاركة الفعلية :

كثير من المسلمين يفصل بين الإيمان والعمل. ويعتبر المظاهر الإسلامية للعبادات والمواقف الرجولية ضربا من التظاهر، بل ويرمي بعض المؤمنين بالنفاق والرياء. وإن دعوت هذا وأمثاله إلى العمل الإسلامي بل إلى خلاص نفسه إلى صلاته وتلاوة كتاب ربه يرد كلامك بأن الإيمان في قلبه، فهو يكتفي بذلك عن العمل والمظهر مادام الإنسان  حسب زعمه- جوهره قلبه وما فيه، وتناسوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل”.

لكن حديثنا يكذب هذه الدعاوي الباطلة، فالإيمان حركة وحركية وفعل وعمل، فمن شعبه إماطة الأذى عن الطريق، والإماطة فعل.

الطريق العامة في الظاهر مكان سير الناس وتحركاتهم، من أدبيات الحياة العامة الجماعية رفض إيذاء المسلمين بأي نوع من الأذى يصيبهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.

إزالة ما يؤذي الناس في الطرق العامة من الإيمان والتهاون في ذلك خدش كبير في الإيمان.

ويعتبر من الطريق : الطريق إلى الله تقربا وزلفى، نزيل منها ما يعوقنا كعقبات النفس والشيطان والسلطات، ونتعاون في إطار الصحبة والجماعة لاقتحام العقبات، ومغالبة ما يؤذينا ويؤذي الناس في هذه الطريق. ومنها الطريق لبناء حضارة إسلامية متطورة أساسها العدل وقوامها الإحسان في كل شيء. من الإيمان إزالة وإماطة الأذى الذي يسيء إلى المسلمين في كل ما يرجع إليهم بالخير دنيا وأخرى.

4-6- خاتمة :

المؤمن المبارك المنعم عليه من اكتسب أكبر قدر من شعب الإيمان جاهد نفسه مع إخوته لتحصيلها، وجعل قلبه جامعا لمجموع من الشعب يجددها بقول لا إله إلا الله مستحييا من ربه يفعل الأوامر ويجتنب النواهي، يعوذ بالله من إيذاء المسلمين ويمنع الأذى عنهم.

الهوامش:

(1) رواه الشيخان.

(2) لسان العرب ابن منظور.

(3) مختار الصحاح للرازي.

(4) المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين ص36.

(5) المنهاج النبوي ص37.

(6) رواه الإمام أحمد .

(7) فتح الباري 1/52 (كتاب الإيمان).