لجأ عدد من المصنفين لنشر حكمهم ومواعظهم على ألسنة الطير والأزهار وذلك لعلمهم بخبايا هذه النفس الإنسانية ، المحبة لكل سهل جميل ، الملولة من كل وعظ مباشر ، فصاغ هؤلاء مواعظهم في أساليب بديعة معتمدة المجاز والكناية والاستعارة ، سواء على ألسنة الطير أو الأزهار أو الحيوان ، ومن بين المصنفات التي اعتمدت هذا الأسلوب الأدبي الوعظي كتاب “كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار” للعلامة عز الدين بن عبد السلام بن غانم المقدسي رحمه الله .

صاحب الكتاب

هو عبد السلام بن أحمد بن غانم بن علي بن ابراهيم بن عساكر بن حسين ، عز الدين أحمد الأنصاري الشافعي المقدسي .

اشتهر بابن غانم المقدسي ، ولقب بعز الدين ، وكني بأبي محمد حكيم ، صوفي ، واعظ .

نشأ في القدس في بيت مشهور بالتقى والصلاح وطلب العلم ، فجده هو الشيخ غانم بن علي المقدسي، كان قدوة وسيدا من سادات المشايخ وأعيانهم وأعلمهم بطريق القوم … وأبوه الشيخ أحمد بن غانم أبو عباس الأنصاري المقدسي . كان شيخا جليلا منقطعا عن الناس ، مشتغلا بأوراده وأذكاره وتلاوته ، لايضيع أوقاته في شئ من أمور الدنيا ،ولا يتطلع إلى مشيخة أو رئاسة أو منصب .

وابن غانم المقدسي هو الواعظ المطبق ، الشاعر الفصيح المفلق الذي نسج على منوال ابن الجوزي وأمثاله، وهو أحد المبرزين في الوعظ والنظم والنثر في وقته، كانت وفاته  رحمه الله- بالقاهرة في شوال من سنة 678هـ . وقبل وفاته كتب يقول ، إلهي أنت قلت ، وقولك الحق : أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ماشاء ، فأنت على لطفك دللتني ، وفي جنب جودك أطعمتني ، وإلى كرم حرمك أوصلتني ، فقد حسن بك ظني ، على ما كان مني … ، إلهي أنت أمرتنا بالوصية ، عند حلول المنية ، فقد تهجمت عليك ، وجعلت وصيتي إليك ، عند قدومي عليك ” (أنظر الأعلام للزركلي ، وكشف الظنون لحاجي خليفة ، والبداية والنهاية لابن كثير …)

الكتاب

يعد كتاب “كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار” من المصنفات الفنية الأدبية الرائعة إذ اعتمد فيه صاحبه أسلوب المجاز والكناية لبث الوعظ بين الناس وحثهم على مكارم الأخلاق ، واطلاعهم على معاني القوم وتجلياتهم الإحسانية بأسلوب أدبي رفيع ، تستلذه الأنفس وتركن إليه دون كلل أو ملل . يقول ابن غانم رحمه الله “فلوصفت عين بصيرتك، وانجلت مرآة سريرتك، وأصغيت بسمع يقظتك ، لأسمعك كل شيء موجود مايجده من منتقدات وجده ، وما يكابده من وجدان بعده ، ألم تسمع للنسيم كيف تنسم أسفا لبكاء السحاب على جزره ومده ، وتأوه لهفا على تبسم البرق لما سمع قهقهة رعده ؟ ألم تسمع للربيع هاهو يبشرك بوروده ورده وأخبرك بنشور ورده وسرود برده …” (كشف الأسرار ص 42-41 ) ويقول في موضع آخر رحمه الله :”فإني نظرت بعين التحقيق ، ورأيت بنور التصديق والتوفيق ، أن كل مخلوق مقر بوجود الخالق ، وكل صامت في الحقيقة ناطق ، فاستعربت الإشارات ، واستقرأت العبارات ، فرأيت كلا ناطقا بلسان حاله ولسان قاله ، لكني رأيت لسان الحال أفصح من لسان القال ، وأصدق من كل مقال ، لأن لسان الخبر يحتمل التكذيب والتصديق ، ولسان الحال لا ينطق إلا بالتحقيق . فالناطق بلسان الحال مخاطب لذوي الأحوال ، والناطق بلسان القال مقابل لأهل الصحة والاعتلال . وقد وضعت كتابي هذا مترجما عما استفدته من الحيوان برمزه ، والجماد بغمزه ، وما خاطبتني به الأزهار عن حالها ، والأطيار عن مقرها وارتحالها ، وسميته : كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار ، وجعلته موعظة لأهل الاعتبار ، وتذكره لذوي الاستبصار ، فاعتبروا ياأولي الأبصار ، قال تعالى :” إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ” آل عمران الآية 190 (كشف الأسرار ص 43-44 ) إلى أن يقول رحمه الله “أخرجني الفكر يوما لأنظر ما أوجدته أيدي القدم في الحدث ، وأحدثته القدرة البالغة للجد لا للعبث ، فانتهيت إلى روضة قد رقد أديمها (الأديم وجه الأرض) ونما خصيبها ، وراق نسيمها … وصوت هزارها ، وتسلسلت جداولها ، وتبلبلت بلابلها .

فقلت : يالها من روضة ما أهناها ، وخضرة ما أبهاها ، وحضرة ما أصفاها ، فليتني استصحبت صديقا حميما يكون لطيب حضرتي نديما . فناداني لسان الحال في الحال : أتريد نديما أحسن مني ، أو مجيبا أفصح مني ، وليس شيء في حضرتك إلا وهو ناطق بلسان حاله ، مناد على نفسه بدنو ارتحاله ، فاستمع له إن كنت من رجاله . وفي ذلك أقول :

– ألم تر أن نسيم الصبا 1 له نفس نشره2 صاعد

– فطورا يفوح وطورا ينوح كما يفعل الفاقد الواجد

– وسكب الغمام ونوح الحمام إذا ما اشتكى الغصن المايد3

– وضوء الأقاح ونور الصباح وقد هزه البارق الراعد

– ووافى الربيع بمعنى بديع يترجم عن ورده الوارد

– وكل لأجلك مستنبط لما فيه نفعك ياجاحد

– وكل لآلآئه4 ذاكر مقر شاكر حامد

“لآلآئه : نعمه”

– وفي كل شيئ له آية تدل على أنه واحد (كشف الأسرار 45-44 )

إشارة الجمل

سنقصر حديثنا في هذه المناسبة على إشارة الجمل وما تحفل به من تجليات إحسانية ربانية كالافتقار إلى الله تعالى ، والصبر والتواضع وتحمل الأذى وإسلاس القياد للمصحوب .

جاء في كتاب كشف الأسرار “فناداني الجمل حينئذ وقال : أيها الراغب في السلوك ، المتأدب بآداب الملوك ، إن كنت تعلمت الفقر وجب عليك معانقته ، فإن الفقير الصابر هو المعدود من الأكابر ، وهو خير من الغني الشاكر . ها أنا ذا أحمل الأحمال الثقال ، وأقطع المراحل الطوال …” ص 115 .

ونقف ههنا عند معنيين إحسانيين هما الفقر والزهد ، والصبر والجلد .

الفقر والافتقار إلى الله تعالى

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله في كتاب الإحسان ص 503-1 :”من سنة الله عز وجل مع أحبائه أن يبتليهم بالشدة ويمتحنهم بالأزمات حتى يحصل لهم من مقامات الصبر واللجإ إليه عز وجل والافتقار مالا يحصل في الرخاء .” قال عز من قائل لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم :” ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا . ولا مبدل لكلمات الله .” سورة الأنعام الآية 35 .

فالشدة منحة من الله عز وجل لأحبابه وأصفيائه حتى يفتقروا إليه، فيتحقق فيهم مقام العبودية فيستحلصهم لنفسه سبحانه ويجعلهم من خاصته كما استخلص من سبقهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم .

ونتابع كلام الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا الموضوع “بلاؤه عز وجل بالبأساء لحزبه جماعة ولأحبائه أفرادا الهدف منه أن ينحازوا إليه ويقفوا على بابه ، بعد أن قطع عنهم الأسباب ، بالافتقار والذلة . وقد ابتلى الله سبحانه قوم موسى بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، لكنهم لم يتضرعوا فأصابهم الله بعذاب بيس بما كانوا يفسقون ” الإحسان ج1/ص 504-503 .

فالله عز وجل يبتلي أحبابه أفرادا وجماعة في طريقهم لنصرة دعوته فيكون المقصود من هذا البلاء هو ركونهم إليه وتبأسهم بين يديه عز وجل مظهرين فقرهم وضعفهم وأن لاحول ولاقوة إلا بالله حتى لا يصيبهم الغرور ، وينشغلوا بأنفسهم وبعددهم وعدتهم عنه سبحانه القاهر القوي العزيز . ويقول حفظه الله في موضع آخر :”الافتقار إليه سبحانه بصادق الرغبة ، وصادق النفور من الدنيا ودناءتها ، وصادق الشعور بالإفلاس في الحياة إن لم يعرف العبد غاية وجوده ، منزلة شامخة يقود الله عز وجل إليها بمقادات الاضطرار من شاء بما شاء . يقود إلى الشهادة في سبيله رجالا غضبوا لله لحظة فما وجدوا غير بذل النفس جملة ، ويقود إلى الشهادة وإلى الصديقية رجالا نذروا حياتهم لله ولم يلتفوا إلى غير الله حتى لقوا مصرعهم وهم في ساحة القتال أو في ساحة تدبير الجهاد وإصلاح شأن الأمة …” الإحسان ج1/505 .

فالافتقار إليه سبحانه منزلة شامخة يهبها عز وجل لمن يشاء من عباده بما شاء . وهم أولئك الذين نذروا أنفسهم لله عز وجل غير آبهين بتقاعس القاعدين ولا ملتفتين للوم اللائمين ، كان همهم هو سبحانه فإما ينيلهم الشهادة في ساحة الوغى أو يكرمهم بمرتبة الصديقية لما أفنوا عمرهم الطويل ” في ساحة الجهاد وإصلاح شأن الأمة ” .

اللهم اجعلنا من أهل الافتقار إليك المحبين المحبوبين . آمين .

الصبر والمصابرة

وذلك في قول الجمل :”…فتعلم مني جلدا وصبرا … فإن الفقير الصابر هو المعدود من الأكابر ، وهو خير من الغني الشاكر . ها أنا ذا أحمل الأحمال الثقال ، وأقطع المراحل الطوال …” كتاب كشف الأسرار ص 115 .

فما أجمل أن تحمل هذه الأحمال الثقال في سبيل القرب من الله عز وجل ونصرة دعوته ، وكذا قطع المراحل الطوال دون كلل وملل لإعلاء راية الإسلام في زمن تكنفه الأعداء من كل جانب وكثرت فتنه .

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الإحسان :”الصبر على البلاء ، وعلى البلاء مبنى الحياة والموت والمسيرة في الدنيا ، والثبات في مواطن الخطر ، وتحمل الأذى في سبيل الله عنوان الرشد والعزيمة ، وشرط الفلاح والنجاح والنصر . قال عز وجل يوصي رسوله وحبيبه صلى الله عليه وسلم : “لقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ” سورة الأنعام الآية 34 .لا تتغير سنة الله تعالى في كون رجال الدعوة وأمناء الرسالة يواجهون بالتكذيب والأذى ، كما لا تتغير في كون النصر يعقب ذلك بشرط الصبر .” ص 2/209 .

وما أكثر المنكرين والمستهزئين اليوم بما لم يحيطوا به علما ، منعتهم الحجب عن ذلك ، فإذا بهم يسخرون من جند الله وبما فتح الله على أوليائه من كرامات ومبشرات ، وهذا موطن من مواطن الصبر على البلاء وتحمل أذى الغير حتى يأتي الله بالفرج .

يقول سيدي البوصيري رحمه الله :

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم

قال سيدي أبو حامد الغزالي رحمه الله :

قد كنت أحسب أن وصلك يشترى بنفائس الأموال والأرباح

وظننت جهلا أن حبك هين تفنى عليه كرائم الأرواح

حتى رأيتك تجتبي وتخص من تختاره بلطائف الأمناح

فعلمت أنك لا تنال بحيلة فلويت رأسي تحت طي جناحي

وجعلت في عش الغرام إقامتي فبه غدوي دائما ورواحي.

1- الصبا: ريح

2- النشر : الرائح الطيبة

3- المايد : المائل والمتحرك

4- لآلآئه : لنعمه