المشروع الإسلامي والطموح الذي يناجي ضمير الأمة وتتحدث عنه بفصاحة مدوية أحيانا، عاجزة مقهورة أحايين، هذا الذي سموه بالصحوة الإسلامية، أفقه محدود مسدود لوجود الخلاف المذهبي ولاستمرار الذهنية المقلدة المجزئة التي لا تستطيع أن تصعد إلى قمة العلم والهمة حيث يريدنا القرآن أن نكون.

الخلاف المذهبي بين سنة وشيعة والخلافات التي لانهاية لها بين المقلدة المجزئة تضع إرادتنا وفاعليتنا خارج التاريخ وتبقى جسومنا وعقولنا ومصائرنا ومقوماتنا جميعا نهبا للجاهلية تأكلنا أفكارها وشقاقاتها وكفرها بالله واليوم الآخر من داخلنا، ويأكلنا من خارج القهر المسلح والهيمنة الهاجمة والاقتصاد المستكبر.

لا يزال حتى بين من أخذوا يفطنون للدين من يعيشون غربة مفجعة عن العالم وحقائقه والأحداث الجادة وجريانها. هذا ” فقيه ” أمي في العربية، أمي في الحديث، معه آيات يتلوها بصدق تام وجهل بمعانيها ومقاصدها العالية كامل، تتحلق حوله جموع من العامة الراغبين في العلم السائلين عن سبل الإيمان، يستمعون إلى فتوى العصر في أمر خطير. ستعلم خطورة الفتوى بحول الله بعد قليل، بعد وقفة استراحة وأية استراحة !

بلد عربي يسكنه المسلمون ويحكمه ملوك الجبر دخله السنوي مائة مليار دولار في السنة. ألف مليار دولار في عشر سنوات هي دخل هذه الدولة في عشر سنوات. وهذا المقدار هو حجم مديونية عالم المستضعفين أجمع. مقدار من المال يحرر أربعة ملايير من سكان المعمور من ربقة الدين التي طوقت بها العالم الفقير مصارف المستكبرين وأبناك اليهود.

حسب الحاسبون أن هذه الأموال لو أحسن استغلالها لدرت من الأرباح رزقا ثابتا مستمرا قدره ستمائة دولار في السنة لكل عربي. الحاسب لم يخطر بباله الأخوة الإسلامية و التضامن الإسلامي الواجبان شرعا. فإن أدخلنا هذا الاعتبار في حسابنا فإن كل مسلم و مسلمة على وجه الأرض كان يستغني عن الجوع و العري والجهل و الحقارة والوسخ و الذل و الهزيمة والمرض بستمائة دولار سنويا.

ماذا فعلت بأخلاق الأمة و ذمتها ورجولتها هذه الأموال التي بذرت في الكازنوهات وفي مساعدة حلفاء أمريكا وفي الخدمة المخلصة لاقتصاد الأمم الجادة التي تبني على الرمال الذهبية قصور إِرَمَ ذات العماد، وتبيع المصانع الاستعراضية، و أدوات الترف، و سفائن النزهة. ذهبت أموال المسلمين في المنكر و السوء، في حشد البغايا و اقتناء أشرطة الفيديو الخليعة، ولْتَمُتْ أمة محمد صل الله عليه وسلم ليحيى الفسقة الفجرة!

وهناك في حلقةٍ غافلٍ أهلُها عن الله لغفلتهم عن شرعه الواسع العالي، شرع العدل و الإحسان و الجهاد، يقبع فقيهنا يصدر فتوى العصر الخطيرة، يبين حكم الله في ذبح الحلزون!

ماذا فعلت بالأمة قرون من الحكم العاض، قرون من انتقاض، بل نقض، عروة الحكم، عروة الشورى و العدل و الإحسان؟ ماذا فعل بنا الخلاف المذهبي الذي جاء نتيجة المواقف المتباينة أمام السلطان؟ ماذا كان أثر نقض الحكم على سائر عرى الإسلام حتى تتالى التفتت في عقلنا و أخلاقنا ومروءتنا و آدميتنا من جراء إصابة المقتل من ديننا؟

هذا إن شاء الله أوان الطلوع من الوهدة، أوان إعادة العرى إلى شَدها بإعادة الحكم إلى نصابه الشرعي. وما تَبَنِّي القضايا التافهة، و الاشتغال بالخلافيات المضحكة المبكية كالخلاف في ذكاة الحلزون الذي لم يرد فيه نص، أنقيسه على الجراد و السمك أو على الأنعام؟، إلا بقايا الالتفات عن الدين إلى الدنيا و إلى الرئاسة على “أضعف المجانين” تتخذه الذهنيات المقلدة من الدرجة الثالثة سُلّما إلى الظهور والشهرة لمّا لم يُتح لها أن تصطف مع المقلدة من الدرجة الأولى عند عتبات البلاط.

يهبنا الوهاب بفضله همة عالية لننظر إلى الواقع من أعالي التاريخ لا من أسافله، لنفهم من مكاننا العالي، بين يدي الرسول الكريم صل الله عليه وسلم يتلو علينا القرآن و يشفعه بالبيان، لم انحلت عرى الإسلام تباعا بانحلال العروة السلطانية؟ لم سكت من سكت وقام من قام واختلف من اختلف؟ لم مرضت الأمة المرض المهلك لما جاءت عهود الأغيلمة يسقون الأمة الحِمام بالسيف، يقتلون فيها الشهامة و المروءة؟ لم طردت إرادة الأمة من التاريخ؟ لم اغتيلت الشورى و تاهت على الكون إرادة المستبد؟ لم غاب العدل و طغى المترفون ونشأت و استمرت و استفحلت في عصرنا تقاليد “ألف ليلة وليلة”؟ لم تفتت الدين حتى بلغنا إلى درك الإسلام الفردي، إسلام “المتدين” لا يرى الدين شيئا آخر غير ركيعات ينقرهن إن كان أو رحلة يتمتع بعدها بلقب “حاج”؟

إن تتلمذنا للرسول المعلم الناصح صل الله عليه وسلم مباشرة بعقلنا يتلقى التعليم، و بقلبنا يتعرض لفيض الرأفة و الرحمة، وبسلوكنا يجدد تاريخ الجهاد، وإن أخذنا عنه صل الله عليه وسلم القرآن كتابا من عند الله هو الضياء و الهدى و الحياة، كنا على المستوى الرفيع الذي يمكننا من مراقبة الأمور من أعاليها لا من أسافلها.

من هناك، تغمرنا شمس القرآن بضيائها، ويبسط علينا بدر السنة سناءه، يغطى ظلنا الواقع لا يغطى ظل الواقع كياننا. يحكم عقلنا المستنير بنور العلم القرآني النبوي معاقد الفهم، لا يتعقد علينا الفهم. تسكن قلوبنا المقتبسة من نور الله إرادة لا تهزم، لا تهزمنا صيحات العدو علينا، نتبنى قضية الدين كاملة قوامها الشورى والعدل والإحسان لا تنزل بنا تفاهة الأحلام وخنوع الأزلام وخفاشية الظلام مع سافل الركام.

بعض الناس من المسلمين، ومن الكتاب المحسوبين على الدعوة، تعترض نية الجهاد الصالحة عندهم ذهنية التقليد الراسخة فيهم. فإذا بهم يفكرون ويوصون ويجتهدون في حدود نمط الحكم الأموي، والمجد العباسي، والشوكة العثمانية، والفقه الفروعي، والعقيدة الجدلية عند علماء الكلام، والدفاع بلا تمييز عن تاريخ المسلمين يحسبونه تاريخ الإسلام.

من كانت ترسبات تاريخنا الحافل تشغل منه العقل والخيال، وكانت أنقاض ما نقض من عرى الإسلام تتمثل لديه معالم هادية، وكان ثقل الأحداث الماضية يحمله على رأسه، وكانت تحديات الحاضر والمستقبل تحاكم في تقديره إلى التراث الفقهي الثري العظيم لا غير، فذاك ينظر إلى الأمور من أسافلها، يظن أن صناعة التاريخ لا تتأتى إلا بوضع نفوسنا تحت كلكله.

هذه الذهنية التي لا تميز تاريخ الفتن، وهو تاريخ المسلمين، عن تاريخ الإسلام الذي كان نموذجا رائعا في اتجاهه وإنجازاته على عهد النبوة والخلافة الراشدة تكيل في صواع أعداء الدين من بني جلدتنا دون أن تشعر. تكيل في صواع القوميين العلمانيين الذين يعتبرون تاريخنا كتلة واحدة، نسبية كلها، جدلية كلها، تحمل بداياتها جراثيم تطورها وانجرافها، تفسر نهاياتها في زمن التخلف والهزيمة هذا محدودية الدعوة المحمدية وإقليميتها ومكانها في سلم التطور الاجتماعي الساري في المجتمعات البشرية المؤتمر بحتمية مادية جدلية. ما كان الدين والإيمان والله والآخرة والوحي إلا مقولات إيديولوجية خدمت لزمان فات ومات مشروعا كان ثوريا في زمانه.

هؤلاء الأحباب حسنو النية من المقلدة يمدون أعداء الدين بالحجة والدليل على أن الفكر الإسلامي فكر ماضوي لا يحسن سوى الدفاع والتبرير، لا يحسن إدراك ما هو رهان الحاضر والمستقبل في زمن تتسابق فيه الأحداث.

عن مطلق القرآن لن نحيد بتوفيق الله جل شأنه، وما كسبه السلف الصالح من علم وفقه روافد تغني تجربتنا. لا يضيرني أن أتخذ عالما وفقيها ومذهبا دليلا في سفري العقلي مادامت الدلالة والتفقه والتأصيل عمليات تتم تحت ضوء القرآن ونور السنة. يضيرني أن أقبل تقدير غيري، من زمانه ومكانه ونيته وظروفه، لقضايا خطيرة مثل قضايا الشورى والعدل والإحسان، والزمان زماني والمكان والظروف والعزم.

لكيلا تسبقنا الأحداث، لكيلا ينحينا إلى الهامش حماس ثائر، أو كراهية لتاريخنا، أو قبول لمأثورات الفتنة غير مشروط، ينبغي أن نوطن الأقدام على مواقف راسخة برسوخ إيماننا بالله ورسوله وموعوده المنهاجي، وأن نرفع الهمة على هامة الزمان ننتعل الثريا لنستحق أن نكون تلامذة راشدين بين يدي ” رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة. وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وذلك دين القيمة.” (الآيات من 2 إلى 5 من سورة البينة).

عرى الإسلام هل انتفضت؟ معرفة ذلك ومعرفة من أين بدأ النقض وكيف توالى وتسلسل فقه ضروري لنعرف من أين نبدأ الفتل من جديد. لا استعمالا للأنقاض واستنادا إلى سلطانها المعنوي لما اكتسبته من شرف الانتماء إلى تاريخ المسلمين، لكن بمادة جديدة خالدة لا تبلى هي مادة القرآن وعلى مثال سام لا ترقى إليه المهانة هو مثال السيرة النبوية العطرة.

من تلك المرتفعات فقط يمكننا أن نبصر بوضوح وشمولية وانجماع في فكرنا وقلبنا وإيماننا وإرادتنا وحركتنا مواقع الأقدام على أرض واقع مفتون، ويمكننا أن نسير على المحجة البيضاء نكتشفها من جديد. قضاء الله عز وجل نزل في الماضي بما نزل، وتحملت مسؤوليتها أمة قد خلت منا لا نتنكر لها ولا نكون، نعوذ بالله، من الذين يلعن بعضهم بعضا. وبين أيدينا دليل إلى المستقبل الزاهر مستقبل الخلافة الراشدة الثانية لا يخطئ الطريق، هو بشارة سيد ولد آدم صل الله عليه وسلم. بين أيدينا جهاده المظفر وسنته حين ربى وحين جمع المؤمنين وحين آخى بينهم وحين رسم الأهداف وحين قاد وحين انتصر.

بشارة نبوية وسيرة مصطفوية تعطياننا معادلة المستقبل المنشود الذي لن نسلك إليه إن التوينا ولا إن ذهبنا مذهب الذين ينبشون في أرض الأجداد فيثيرون عجاجا يصعد في الجو حتى يكون ظلة تحجب الضوء وتعتم على النور. إن اتخذنا عجاج الخلافيات الثائر من أرض الأجداد لواء، واتخذنا أنقاض إرادة الأجداد ومواقفهم وجريان الأقدار الإلهية عليهم وتعاملهم مع البلاء النازل عمادا فلن تقوم لنا قائمة عزم ولن يتأسس لنا بناء.

موروثات نجترها تهرأ من اجترارها جوف الأمة، هي موروثات الخلاف يتبناها كل فريق ليخوض لحسابه وحساب الشيطان معارك مضت. يريد كائدون من حكام الجبر أن يتصل دوران عجلة الخلاف وأن تتسارع بنا دوامته إلى أن نفقد كل توازن فنشعلها حروبا تعيد تاريخ الفتن، يحمل هؤلاء لافتة الخوارج، ويمثل أولئك فرسان السنة يشدخون رأس الروافض، ويسكن الكل ويستكين تحت سياط حكام الجبر. قاعدون خاملون جاهلون يستشهدون بالصحابي فلان والتابعي فلان والعالم علان الذين صلوا خلف الفساق، وكتبوا بيعتهم للظلمة، وسكتوا سكوتا جميلا.

من أخطر أنواع قمع الحركة الإسلامية في عصرنا استعمال جهات من صميم الدول الجاهلية أو من أتباعها وخدمها الدعاية إلى الخلاف، تلقى تلك الدعاية إصغاء من آذان صمت عن القرآن فلا تسمعه السمع المنجي، وتلقى تفتحا من أعين عميت عن السيرة الجهادية، سيرة محمد وصحبه عليه الصلاة والسلام وعليهم من الله الرضوان، رمز وحدة الأمة ومنبع كل خير.

تلقى أذهانا كلت عن فهم ناموس الله في الكون والتاريخ وفهم قضائه وقدره كيف يظهر أحدهما بالآخر وكيف يكون أولهما ستارا للثاني، تلقى هذه الدعاية الميدان خاليا مفتوحا لما عييت ألسن وخرست عن الحق وعن فضح المؤامرة المزمنة التي يرتدي فيها منتسبون إلى العلم خانوا أمانتهم أردية السلف الصالح الأتقياء ليبرروا قعودهم المخزي. يحتج هؤلاء باجتهاد من عاشوا الفتنة بصبر واحتالوا جهدهم للحفاظ على وحدة الأمة يسمعون ويطيعون على مضض، لم يتخذوا آيات الله هزؤا ولا استخرجوا من أحاديث رسول الله صل الله عليه وسلم ، وهو يصف الخلافة وحدودها الزمانية والملك العاض والجبري بعدها، فتوى خالدة تؤبد شرعية الظلم والاستبداد، وتقضي بالخضوع التام ولو أصبحت كلمة ” شورى ” كلمة فارغة تقال على المسارح الهزلية.

وتوصف بالمشاركة فيها مجالس مصنوعة، معتوهة، عن الرشد ممنوعة.

إن معالجة مآسي الأمة وجراحاتها من أسافل التقليد والخنوع البليد إنما تكون زيادة في نخر الكيان. من إزاء القرآن والسنة فقط، وبفقه أتقياء أبرياء من لوثات الخيانة والجزئية والتصالحية، يمكن أن نعلو متن التاريخ، ونخوض بقايا الفتنة ورواسبها، ونقتحم العقبة، ونصبر على جهاد الكنس والتأسيس والبناء، وننتصر بحول الله وقوته.