تُكَوِّنُ المقابلة بين الأصالة والمعاصرة “وحدة جدلية” على الشهوة لأذهان مفلسفة لا يستقيم لها التفكير إلا على طرحٍ مُشاكِلٍ للمنوال المنهجي المادي. ويتداول الرهائن الثقافيون في يد الفكر المغرب الموضوعَ للنقد ونقد النقد، وللنقض ونقض النقض. تفكير في معقول ملموس مرغوب فيه هو المعاصرة، هو أن يكون المرء صورة طِبْق الرجل الأبيض “المتنور” المتحضر، وأن يكون المجتمع امتدادا حضاريا للعالم المتقدم، عالم الغرب العتيد. وتفكير في الغامض الجامد، في التراث الذي لا نجْرُؤُ على طرحه كله، ونحتاج أن نتزين به في عالم الثقافات ليبقى لنا بعض اعتبار الذات، لتبقى لنا “أصالة”.

وتستعمل الجدلية المنهجية لتتيح “في آخر التحليل” تلفيقا منافقا بين الأصالة والمعاصرة،أو “تجاوزا ديالكتيكيا” نتخفف به من عِبء الغيبيات جميعا، ولتبقى لنا فلسفة الفارابي وتجديد ابن رشد للأرسطية.

مقطوعون يتعلقون بمقطوع. وانشطار في الفكر والشخصية والسلوك.

وينجر بعض الإسلاميين، إما دفْعا لبهتان المستشرقين وتلامذتهم وإمّا تشبثا بأصل تاريخي نلجأ إليه من الهزات، فيدخلون في إشكالية الأصالة والمعاصرة ليدافعوا عن المجد الأموي والحضارة العباسية، وليرسموا الطريق لاستعادة هوية ما قبل الاستعمار.

هكذا يتمسك بعض الإسلاميين بمقطوع منقوض، يتمسكون بنموذج المجتمع المنحل والنظام الحُكْمي المذموم شرعا، فلا هم تمكنوا من النقد الضروري المتبصر للذات، ولا هم استطاعوا عرض مشروعهم المستقبلي على النّمَوْذج النبوي القرآني متجاوزين إغراء البريق الحضاري المجيد الذي اقترن بالملك العاض ثم الجبري. هذا التمسك بالأصالة الغامضة زيغ عن الخط المنهاجي واختزال وتعمية للأمراض التي كانت سبب تفتت الأمة وهزيمتها وضعفها و”لا شيئيتها” و”لا وزنيتها” في عالم اليوم.

ولا ينبئك مِثْلُ خبير، لا يصف لك الأمراض الطارئة على الأمة، والتي كانت ولا تزال السبب في انخذالها حتى انتُهكت حُرمتها، غير الحبيب الطبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن كان غيرُنا من رهائن الفكر المغرب المفلسف “المعقلن” يستعيرون أدواتهم الفكرية وتركيباتهم المفهومية من مرجعيتهم المادية الكافرة بالله ورسله، فنحن نستمع إلى مبلغ الوحي، النبي الرسول صلى الله عليه وسلم، يخبرنا من زمانه بزماننا، من ماض مُؤَسِّسٍ عن لاحق مخرَّب مُهدَّم مُفتَّت. لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَتُنقَضَنّ عُرا الإسلام عُرْوةً عروةً، فكلما انتقضت عُروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضا الحكم، وآخِرهن الصلاة”. رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه.

عُرا الإسلام معاقِد القوة فيه، أصوله وفرائضه.

والنقض “انتشار العَقد من البناء والحبل”، و”النِّقض المنقوض”، و”منه قيل للبعير المهزول نِقض”. كما قال الراغب رحمه الله.

البناء الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في اكتماله البشرِيِّ النسبيِّ وحافظ عليه الخلفاء الراشدون المهديون بحفظ الله بدأ انتقاضه وانهدامه وانتشاره بعد ثلاثين سنة من موته صلى الله عليه وسلم. اغتالوا الإمامَ عليا كرم الله وجهه فكسروا قبة البناء، بل أعْملوا المعول في أُسِّهِ لما حوَّلوها ملكا عاضا. كان الانقلاب الأموي الباغي ضربة في الكيان الإسلامي، ترجَّعتْ هزاتها على مدى التاريخ كما تترجع رجات الزلزال.

وما الأنقاض والأنكاث التي نراقبها في جسم الأمة من تجزئة في الوطن الإسلامي، وتفرق طائفي مذهبي، وذَرِّيَّةٍ في الفكر، وتشتتٍ في الوِجهة إلا نتيجة بعيدة “أصيلة” لتلك الضربة ورجاتها. ويا عجبا كيف نُصِمُّ آذاننا ونغمض أعيننا عن هذا الحَدَث الزلزالي في تاريخنا، حدثِ اغتيال الشورى والعدل!

ما فعل الاستعمارُ غيرَ تعميقِ النقض، بل ما كان الاستعمـار إلا لوجود أنقاض وأنكاث حيث كان قَبلُ البناء الحصين المنيع. دعك من عبادة حضارة ما هي إلا مظهر لقوة بقيت في الأمة “رغم” النقض العاض لا بسببه، رغم فساد الحكم وانحلال عروته.

ونستمع إلى المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم يخبرنا بمصير الأنقاض بعد زمان. كيف ازداد التفتت واستفحل واستوحل وتأصل حتى كانت القابلية للاستعمار دعوةً جَفَلَى للأمَم أن هَلُموا إلى مَأْدُبَة.

للباحث المستنير بنور الوحي أن يتأمل تاريخ المسلمين وبإزائه الخبر الحقيق والوصف الدقيق الناطق بالنقض وبتحول الخلافة على منهاج النبـوة إلى ملك عاض ثم جبري.

ونختصر نحن لننـزل مع الدليل المنهاجي النبوي إلى عصر الاستعمار وما حمله إلى أذهان خريجي مدرسة الاستعمار من زبَد فكري يُرْغِـي باحثا عن أصالة غامضة محقورة ومعاصرة هي نبذ الدين والوحي جملة.

اختَصَرت الزمانَ عبارةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “يوشك الأُممُ أن تَداعَى عليكُم كما تَداعَى الأَكَلَةُ على قَصعتها!”

في كلمة “يوشك” الدالة لغة على قرب وُقوع الفعل المَسُوقِ بعدَها تحذيرٌ وتخويف وتهويل. وما تركت الكِناية بالقصعة والآكلين منها معنى من معاني الضَّعف والمفعولية إلا عبرت عنه.

فقال قائل: ومن قِلَّةٍ نحن يومئذ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غُثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم. وليقذِفن الله في قلوبكم الوَهْنَ”.

قال قائل: يا رسول الله! وما الوهْنُ؟ قال صلى الله عليه وسلم: “حُبُّ الدنيا وكراهية الموت”.

هذا هو مرض الغثائية الذي ينْخَر في كياننا. وليس بعد وصف الله ورسوله لدخائل ما بالعباد كلام. والحديث رواه أبو داود والإمام أحمد بسند صحيح.

الغُثاءُ غثاء السيل وغُثاء القِدْر. وهو “ما يطفَح ويتفرّق من النّبات اليابس وزبَد القدر. ويضرب به المثل فيما يضيع ويذهبُ غيرَ مُعتدٍّ به”. هكذا قال علماء اللغة.

الغثائية إذاً مرض الطفوح والتفرق وخفة الوزن. وهي صفات ما يضيع ويذهب غيرَ معتَد به. أي لا قيمة له ولا أثر.

وكُنْهُ الغثائية الظاهرة وسببها الوهْنُ الذي لا يفيد معه كثرة العدد. من مليار مسلم ويزيدون أين كتيبة برَأَتْ من الوهن؟

الوهن حب الدنيا وكراهية الموت.حب الدنيا أثرَةٌ قتلت العدل، وسلطوية عاضة جبرية قتلت الشورى. فصميم الصميم في كياننا المعنوي مقتول. والجثة الغثائية لا يمكن أن تحيى وتفعل إن لم تعد إليها الروح بعودة الشورى والعدل. وهما ممتنعان ما لم نعالج العِلة الكامنَة في النخاع: الوهْنَ.

إن ما يريده الإسلاميون حياة بالإيمان والإحسان تجعل من الفرْد المومن عاملا للصالحات، ومن الأمة قوة اقتحامية ترتفع من الوهدة وترقى إلى العزة متخطية العقبات. وهناك في قاع النفس الفردية، في القلوب، قذف الله رب العزة الوهن. هناك في العلاقات الجماعية وَلَدَ الوهنُ جراثيم الاستبداد والظلم والأثرة. ولا علاج إلا العلاج العميق لمرض الغثائية في القلوب، ولأدواء الأمَم التي سرَتْ فينا منذ تدحرجنا عن العقبة، منذ نقضنا البناء النبوي الراشد.

وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم بجماع الأدواء المتولدة من الوهن، الناشئة في أحضانه. قال عليه الصلاة والسلام: “سيصيب أمتي داء الأُمم”. فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: “الأَشَرُ والبطَر، والتكاثرُ والتناجُش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكونَ البَغْيُ”. الحديث أخرجه الحاكم بسند صحيح.

البطَر خِفة تعتري الإنسان إذا طرأت عليه نعمة. قال علماء اللغة: “خفة”. والأشَر مثل البَطَر زهوٌ فارغ. والتكاثر والتناجش في الدنيا مِثْلان، والتباغض والتحاسد صنوان. والبغي هو الهيكل المحلول المنقوض للأمة الغثاء، يلفها بسياط العض والجبر بينما يلفَعُها من داخلٍ البَطرُ وأخوهُ، والتّكاثر وحَمُوه، والتباغض وقرينه. وإن محاولة العلاج بالإصلاحات السياسية وحدها لَكَمَنْ يُبَيِّض واجهة مرضوضة منقوضة.