إن مَن دَقَّقَ النظر في تاريخ الجدال الكلامي لهذه الأمة، والصراع الفكري الذي اعترى العقيدة الإسلامية قرونا طوالا & مقارنا بين ما كان يعيشه جيل الخلافة الأولى الذين صاحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم واغترفوا من مشكاته رأسا، وبين مَن يليهم من أجيال متعاقبة & يجد فرقا شاسعا، وبونا واسعا، بين النموذجين & ذلك أن جيل الخلافة لم يجادل في هذه العقيدة أبدا، ولم يستحدث آليات التحليل العقلي ردا على الخصوم، ولم يستقدم قواعد المنطق الأرسطي إفحاما للأنداد ودحضا لحججهم، بل عاش هذا الإيمان تحقيقا، وانسكب في قلبه يقينا، وتذوق صدقا هذه العقيدة وتنسم من فيحائها وجال في رحابها & فألفيت القومَ متلفعين بمُرَط الهناء النفسي، والسعادة القلبية، والاطمئنان الروحي، والسكينة الزلال المنسكبة على تلك الأفئدة فازدادت وهجا ونورا انصبغت بها تلك الوجوه، فغدت متلألئة بسيماء الطهر والنور والوضاءة المتوهجة، فإذا رآهم الرائي ذكر الله وخشع قلبه.

إن هذا اليقين الذي باشر شغاف القوم لم يكن يوما من أيامهم لجاجا وحجاجا عقليا منحصرا في أدمغة المجادلين، وصراعا قويا بين المجادلين، بل هو تصديق وتحقيق وقَر في القلب وصدقه العمل، بل هو النعمة الكبرى التي وهبت لهذا الوجود كله، وبفقدانها ينفرط عقد نظام الكون كله، وتعتريه الفوضى والاضطراب، ولما لم تستطع الإنسانية الحائرة تلقفها والفوز بها عاشت في سديم الشقاء وظُلَم الوباء والتعاسة المظلمة، المتجلية في العض والتكالب على اللذات والانغماس في حمأة الشهوات المفضية للنزاع والشقاق والتفكك والاقتتال وصنوف الإجرام &

ورسوخ هذا الإيمان في القلب لم يكن عبثا أو هزلا، بل لَمَّا كان الإيمان فيصلا في النجاة، والسبب الحقيقي في مصير الإنسان، فإن محل إيوائه ومنزل احتضانه لابد وأن يكون أعظمَ مضغة في الجسد البشري وأخطرَها وهي القلب الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، فهو ملك الأعضاء بلا نزاع، وبه تأتمر وتنتهي، ومن تم فالفعل الظاهري إنما هو نتاج لما وقر في هذا القلب، ولن تصلح سلوكات البشر بدون النظر في علل القلب وأسباب عافيته، فكان العقلاء من بني آدم مشمرين على إصلاحه وساعين لصحته بتطهيره من أدناس الكبر، والرياء وأرجاس الهوى وغيرها من مهلكات القلوب ليكون سليما منيبا مخبتا& بل ليكون كائنا موجودا ” إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد “، وعلى قدر سلامة هذه المضغة يكون الإنسان سليما وينجو قطعا من لهيب الأرق والضنك والعقد النفسية والتشييء والسفال البهيمي، بل سينتظم، إذا عوفي، مع الوجود كله خضوعا وسجودا، واستسلاما مطلقا للذات الإلهية، وعزفا لأنشودة التعبد مع الكائنات المسبحة والذرات العابدة، فيبدو الكافر عنصرا شادا في الكون، منبوذا في ركن الغضب الإلهي &

وهكذا يَزِلُّ زللا كبيرا من ظن بأن العقيدة كلمات تَمُجُّها الأشداق وتنثرها الأفواه، كما ظن الأعراب الجفاة في قولهم :” آمنا ” بألسنتهم، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم “. أو من اعتقد بأن الإيمان ليس سوى فكر وجدال واستدلال عقلي، ولم يُعِرْ اهتماما للقلب، أو انتقص من علماء التزكية الذين كان ديدنهم تنقيته من شوائب العلل والأسقام ليكون الإنسان إنسانا.

وقد كان الرعيل الأول عندما يتحدثون عن الإيمان يربطونه بمآلاته والأفعال التي تستتبعه، كحب الله وحب الرسول وحب آل البيت والإحسان للوالدين والجار والقريب والحيوان & (1) لكنه لما اختلط الناس وظهر فيهم من لم يتشرب تربية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع عن تزكيته، ولم يقتنع بالأصول الستة للإيمان التي نَبَّهَ عليها المَلَك جبريل عليه السلام انبرى علماء الأمة، ودعاتها للتدليل على صحة هذه الأصول وسوق الحجج العقلية والبراهين المنطقية لنفي شبهات المغرضين وإقناع مَن في قلبه الشكوك والوساوس الناخرة لكيانه، فيعرف حقيقة الإيمان عقلا، ويَجِدَّ باحثا عن دليل به وبصحبته ينسكب الإيقان في قلبه باطنا. وهكذا ظهر علم الكلام كعلم من العلوم الإسلامية التي تنافح عن عقيدة المسلمين بصوارم اليقينيات العقلية وأسِنَّة الحجج الفكرية للإقناع وإزالة الشُّبَه الواردة على المجتمع الإسلامي، لكن علم الكلام هذا ليس هو العقيدة، وفهم جزئياته ليس بأمر لازم ضروري المعرفة لكل أفراد المسلمين، بل لم يأت بعقيدة من عنده، إنما كان الهدف من استحداثه هو الدفاع عن هذا الإيمان وأصوله بقواعد عقلية كما أشرت سلفا، فإذا نُظِرَ إليه أنه هو العقيدة ذاتها، وأن معرفته لازمة وواجبة على كل مسلم ومن لم يُحْكِمْ تاريخه وقضاياه الكبرى كمسألة القدر والإرجاء وخلق القرآن & فعقيدته متخنة بالفساد، وإيمانه مشوه & سقطنا في خلل منهجي خطير، وقَلَبنا الأمر وعكسنا القضية، فحَمَلْنَا عَوَّام المسلمين ما لم يلزمهم الشرع به، وأثقلنا أذهانهم بما لم يفهمونه، وأنقلنا العقيدة من محلها وهو القلب إلى محل آخر وهو العقل، وأصبح المحترفون للغزو الفكري ككولدزيهر وسبرنكر وجيب& العارفين لجزئيات الصراع الكلامي الذي خاضه العلماء قديما والمدركين لأصول الفِرَق سليمي الإيمان وعقيدتهم صافية وسائرين على منهج السلف في الصفاء الباطني، مع العلم بأنهم من أهل الشبه والتشكيك وزعزعة مبادئ المسلمين &

بل لا يخل هذا الفكر وتلك النظرة القاصرة للعقيدة من السقوط في علة المُرْجِئة الذين ظنوا بأن العقيدة عقل وفكر لا يستلزم عملا ولا حالا، ويكفي عندهم أن يقتصر المسلم في الإيمان المعرفة الظاهرية للأصول العقدية ويُقِرَّ بها ولو عاث في الأرض فسادا نهبا وسلبا لأموال الناس & لأن المعرفة الظاهرية في زعمهم أُسُّ الإيمان وروح العقيدة، فكانت هذه النبتة الفاسدة حقا عدوةً للخُلُق الإسلامي والسلوك القويم، ومضادة للفعل عموما، بل ومسوغة لجرائم أهل الاستبداد لأنهم في عرفهم كاملوا الإيمان ومن تجاسر على نصحهم ولم يغرد معزوفة التبرير والمداهنة كان خارجيا ومثيرا للفتن بزعمهم وفهمهم الأخرق & .

إن ما يهم العقلاء ليست المعرفة العامة لعلم الكلام ولا الغوص في لجج الجدل فيها أو جَرَّ العوام لجزئياتها النظرية، بل البحث عن سبل تذوق العقيدة والإحساس بماهيتها ومعرفة مقتضياتها لينجر المؤمن للعمل الظاهري والخلق المرئي، كيف لا وهو مسوق بروح باطني وقوة خفية محركة لذلك السلوك الظاهري وهي العقيدة التي طالها الحيف وظُلِمت من قبل أناس ظنوها كلمات وفهوما وأسئلة ثم أجوبة علقت على جدران المساجد !.

الهوامش:

(1) انظر كتاب الإيمان للإمام البخاري وتراجمه وكذا كتاب الإيمان لصحيح مسلم لتعرف العلاقة الوثيقة بين الإيمان الباطني والخُلق الظاهري، وأن الإيمان لا يبدو حيا إلا بالفعل الصالح الدال عليه، ومن تم فمن كان فضا غليظ القلب، ولو ادعى صحة العقيدة فسلوكه الظاهري يدل على اعوجاجها.