إن المتتبع لمسار الشعب المغربي وحضارته يلاحظ الأهمية القصوى التي تحتلها المسألة الثقافية في التطـور والنهوض والإقلاع، باعتبار هذه المسألة الحجر الأساس لهوية الشعب المغربي والوعاء الحامل لنظرته إلى الخالق والحياة والوجود والإنسان، فضلا عما يعتكف هذه المسألة من حساسية بالغة لارتباطها بالوجدان الفردي للمواطن ( الأمازيغي ـ العربي ) وبالوعي الجماعي لأبناء الشعب المغربي قاطبة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” إن ألفاظ كل لغة تحمل المعاني الدارجة عند أهل كل لغة كما تحمل اللغة بمجموعها، نحوها وتركيبها، وبلاغتها، شعرها ونثرها وأمثالها تجربة الشعب الناطق بها، حساسيته وفكره وأسلوبه في الحياة ونظرته للإنسان، ومكانه في الكون ومصيره وقيمه، لكنـها تمثل في نفس الوقت رباطا أساسيا يلم المجتمع، رباطا يقرب بين الناس، وإن اختلف العرق واختلف الدين”(1).

وبذلك ـ كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين ـ فأي خلل أو قصور في التعاطي مع هذه المسألة لا شك أنه سيكون وخيم العواقب على السلوك الفردي للمواطن والصيرورة التاريخية للشعب المغربي.

وعلى هذا الأساس نجد : الأمم والدول الجادة والمدركة لهذه المكانة تولي اهتماما فائقا للمسألة الثقافية، وتسعى بكل الوسائل إلى جعلها محل توافقها وأساس وحدتها ومنطق تحررها، وتنأى بها عن المعالجات التجزيئية والمغالية الكفيلة بتحويلهـا إلى بؤرة توتر اجتماعـي وتوظيف إيديولوجي وتكريس للتبعية والتخلف”(2).

ولا يمكننا بناء على ما سبق، أن نتصور أي مشروع مجتمعي ناجح إلا من خلال الوعي الشامل بهذه الحقيقة، وكم من الشعوب والأمم دفعت ثمنا باهظا من مقدوراتها وامكانياتها ووحدتها وجغرافيتها بسبب سوء تقدير هذه القضية أو معالجة خاطئة لها.

ومن هذا الفهم لعلاقة اللغة بالمجتمع، يقترح علينا الأستاذ عبد السلام ياسين مشروع مجتمعي أخوي، أمله ويقينه قوله تعالى : ” وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئا “(3).

ويقصد الأستاذ عبد السلام ياسين بكون المجتمع أخويا، احتضانه للأخوة الموصوفة في الشرع بين المسلمين، المأمور بها من قبلـه : ” المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يـوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ” رواه الشيخان والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” وأقصد بكون العمران أخويا احتضانه الأخوة الموصوفة في الشرع بين المسلمين والمؤمنين، المأمور بها من قبله” (4). عمران العدل والإحسان ينبغي أن يبسط الأخوة بين المغاربة، المتحررين من سياق عبية الجاهلية ببساط الرحمة الوارد فيها قولـه صلى الله عليـه وسلم : ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهـر والحمى ” رواه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

أخوة تضم إليها المغاربة في آمان وخدمة متبادلة ورحمة وتعاطف وعفو وسترة.

ونحيط بهذه الأخوة الجامعة وتحرسها أخوة بين المؤمنين المخاطبين بالقرآن الحاملين أعباء المجتمع الأخوي، الرباط بينهم قلبي إيماني، التأليف بينهم عميق الجذور كالشجرة الطيبة تثمر للمغاربة أجمعين ثمار العدل والإحسـان والبر والعطاء الأخوي والأمن والعفو والستر، وتفريج الكرب والخدمة وقضاء الحاجات. قال الله عز وجل : ” ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها. ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار”(5).

هذا التمثيل القرآني الحي، يقربنا من التصور البناء النفسي، العقلي، الاجتماعي، السياسي، الفردي والجماعي في أمة الإسلام. فالأفراد في البناء الإسلامي هم معقد القوة في البناء وحياة الحياة ومجني الثمار، ومقطف الأكل فرحين. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” مسلمين نكون عربا وبربرا & توحدنا شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله والصلاة والزكاة والحج والصوم والقرآن والحديث وفقه الشريعة، & نكون مسلمين صدقا وعدلا وشورى ووحدة بين هنود وعرب وسود وبيض وتـرك وفرس & نكون يربطنا العهد الذي يميزنا عن غيرنا أمة واحدة هي خير أمة على وجه الأرض بحمل رسالة الإسلام للإنسان “(6).

هذه الشجرة الطيبة الناطقة بالكلمة الطيبة ذلك التآلف القلبي، وتلك الأخوة الحانية الخادمة العادلة المحسنة : لا تعني إنكار الرجل المسلم. والمرأة المسلمة لغة قومها، ولا تعني التبرء من انتماء المرء لشعبه وقومه. بل الانتساب السليم إلى القوم والشعب. فاللغة آسرة تشد من كيان المسلمين كما تشد العبية الجاهلية جموع جهنم وجثاها يقول عبد السلام ياسين : ” & ألا وإن قطع حبال الجاهلية لا يعني إنكار الرجل المسلم والمرأة المسلمة لغة قومها. لا يعني قطع الرحم في الشلوح والأمازيغ والريف، بل صلة الرحم مطلب أساسي من مطالب الإسلام. والألفة مع القرابة والناطقين بلغة الأقارب شأن من شؤون الفطرة السليمة يوظفها الإسلام التوظيف السليم لتكون رابطة تقوي رابطة الإسلام”(7).

نجد هذا الفهم الجامع والولاية الجامعة حاضرة في مشروع _ ( العمران الأخوي ) – المجتمع الأخوي الذي يقترحه الأستاذ عبد السلام ياسين على المغاربة من عرب وأمازيغ. فهو لا ينكر البناء القبلي والعرف واللغة : مادامت لا تناقض الإسلام، بل يشجع روابط العرف واللغة والقوم إن كانت تفتل في حبل قوة الإسلام وتشد من عضدها. يقول عبد السلام ياسين : ” ما في اللغة الأمازيغية ما يعاب مادام الناطقون بها متمسكين بكلمة التوحيد، ماداموا يدافعون عن لا إله إلا الله كما دافع عنها من أجدادهم مؤمنون فرسان حرب وفرسان منبر & “(8).

فهو يحتفـظ بالوشائـج القبلية السلميـة ويسخرها لتمتيـن رابطة الإسلام. كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلـم يحتفـظ بهـا ويسخرها حيث كان يبقي صلى الله عليه وسلم الهياكل القبلية على حالها، تفد عليه القبيلة مسلمة فيؤمر عليها شيخها التقليدي الوافد مع قومه يأمره وإياهم بتقوى الله وبالأخوة في الله يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” ما أنكر صلى الله عليه وسلم إلا العبية الجاهلية، وهي النعرة التي ينادي بها أعراب منافقون يتشيعون للقبيلة والآباء الجاهليين من حيث يفتون في عضد الأخوة الإسلامية.يثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم البنية القبلية كمـا هي، ينتقل عامـة القبيلة وخاصتها من جاهلية لإسلام فيبارك للقبيلة ويدعو لها : ” غفار غفر الله لها “، ” سليم سلمها الله “.

وبذلك يتكامل الانتماء الديني مع العرقي. وتصبح الرابطة القومية خادمة لسكينة المسلمين الجامعـة بيـن المغاربة من عرب وأمازيغ. وتكون اللغة آصرة تشد من كيانهم كما تشد العبية الجاهلية (العصبية) جموع جهنم وجثاها.

فالتأليف الاجتماعي بيـن المغاربة ـ في العمران الأخوي تأليف عضوي تندمج فيه المصالح الفردية في الصالح العام، ويعـود فيه الصلاح العام على الفرد بكـل ما يصون أخوته من عوادي الزمـان، مثـل المؤمنيـن في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد. ووظائف أعضاء الجسد مرتهن صلاحها بصلاح الجسد، كما أن وظيفة الجسد محكومة بصلاح أعضاءه.

الهوامش:

(1) ياسين عبد السلام (1989) : الإسلام والقويمة العلمانية ص 9.

(2) أمكاسو عمر (2002) نحو نظرة شمولية للمسألة الأمازيغية ص 109-117. المسألة الأمازيغية بالمغرب ” نوافد ” العدد م 17-18.

(3) سورة النور الآية 53.

(4) العدل ص177.

(5) سورة إبراهيم الآية 24-26.

(6) ياسين عبد السلام (1997) : حوار مع صديقي أمازيغي ص185 .

(7) نفسه ص201.

(8) نفسه ص124.