عرف المغرب خلال الأسابيع القليلة الماضية ما سمي بجلسات الاستماع لضحايا تعسفات العقود الأربعة الماضية، وقد حرصت الدولة / النظام والنخبة المتحالفة معها على تصديرها إعلاميا للخارج باعتبارها تجربة في باب طي صفحات الماضي المظلم كما هي لافتة موجهة للغرب في مجال تطور ملفات حقوق الإنسان في مغرب العهد الجديد.

1) منطق الطي:

إن الرغبة المجتمعية والسياسية في رد مظالم الشعب المغربي، كل المظالم، هي ما يشكل العامل الحاسم في تحديد مضمون عملية الطي ووسائلها القانونية والتنظيمية والتقنية خدمة لمستقبل جامع يقطع كليا مع أساليب الاستبداد والقمع وقهر الحريات وخرق الحقوق، لكن اصطدام هذه الرغبة مع منطق الدولة / النظام وضعف القوى السياسية التقليدية يمينية ويسارية، وكذا المؤسسات المجتمعية من نقابات وجمعيات وغيرها، وإقصاء أخرى، كالحركة الإسلامية..، أعطى الفرصة الكاملة لهذا المنطق ليسود ويهيمن على العملية برمتها، ذلك أن نقطة المظالم السياسية المتجسدة في القمع الشرس واللاقانوني للمعارضة، أيا كانت تلك المعارضة، يشكل بقعة سوداء ومظلمة ومؤثرة على تدبير العهد الجديد للعملية السياسية والمجتمعية كلية، ولذلك حرص القصر على التخلص منها بناء على ضابطين أساسين: الأول، ضابط الاستمرارية؛ استمرارية النظام والحفاظ على هيمنته على جميع الحقول حاكما وحكما، والثاني، التخلص من كل مشوشات العهد القديم على عملية تقعيد أساليب العهد الجديد وترسيخ مفاهيمه. وهو الشيء الذي ركزت عليه الخطابات الأولى لعهد محمد السادس.

كل هذا في إطار ما سمي بالتوافق السياسي بين النظام / الدولة والمعارضة تأسيسا لمرحلة انتقالية لممارسة ديمقراطية حقيقية … وقد ولد هذا التوافق ميتا مما أنهى المرحلة الانتقالية قبل أوانها وكرس استمرار المغرب في نفق الأزمة الشاملة، ذلك أن التوافق الحقيقي هو الذي يضمن مشاركة الجميع مع تكافؤ الفرص وإعطاء المكانة المناسبة للشعب للمشاركة دون تزوير أو تحريف. ومن ثم فإن نظام العهد الجديد يكون قد خسر الفرصة التاريخية في إعادة بناء الواقع السياسي وضمان الحرية الحقيقية للشعب لمَّا أقصى قوى سياسية فاعلة في المجتمع المغربي كالعدل والإحسان وسمح لفئة صغيرة بأن تهندس من وراء الكواليس لمستقبل شعب أكمله، وقد انبنى على هذا فقدان عملية الطي أي عمق تاريخي لحصرها في مجال التعويضات المادية.

2) من المعارضة الجذرية إلى المشاركة السلبية:

الواقع هو أن عملية الطي جملة تدور بين نظام مارس قمعا وبين ضحاياه من خلال وسائط التوافق السياسي، فلا نغفل أن الأحزاب التقليدية وبعض المنظمات الحقوقية التابعة للمعارضة التقليدية ساهمت بشكل كبير في ترويض الواقع لصالح أطروحة الدولة في الطي وإن اختلفت معها في بعض الجوانب الجزئية التي لم يكن لها أي أثر على جوهر العملية. ولكن المؤسف، سياسيا واستراتيجيا، أن تنخرط بعض الفعاليات في العملية من خلال خطة استدراجية قادها بعض رموز العهد الجديد، الذين يأخذون صفة كتاب وزارات وما هم إلا الوزراء الفعليون، من خلال الجلسات الحوارية مع منتدى الحقيقة والإنصاف زمن بنزكري الذي سيصبح بحكم الخطة الاستدراجية المدافع الكبير عن منطق الدولة في الطي من خلال تعيينه رئيسا لهيئة المصالحة والإنصاف.

نعم إن العملية في حاجة إلى وسائل هيكلية وقانونية وتنظيمية، لكن عمق الجرح وحجم المظالم لا يمكن أن تساويه دراهم، مهما كان عددها، كما أن المتاجرة بأوضاع أناس ظلموا ظلما فظيعا لأجل حاجة سياسية، لا أقل ولا أكثر، لم تكن فيها موازين القوى متكافئة وعادلة، يشكل جرما كبيرا في حق شعب ضحى كثيرا من أجل حريته. ولذلك، فعلى المناضلين اليساريين الحريصين على نظافة تارخيهم النضالي أن يعبروا عن مواقف جذرية من عملية في آخر المطاف ستدر نقودا مقابل تاريخ نضال. لأن الطي، وكما أكدنا ذلك في عدد سابق من جريدة البيضاوي، هو تحول تاريخي يكون فيه المجتمع قلب العملية لا منطق المخزن في تجديد دورة هيمنته وتحكمه. وبناء عليه فإنه بات من الضروري الاستقالة من كل موقع يقدم أية خدمة لعملية الطي، خاصة وقد ظهرت من بعض الفاعلين تصرفات مخلة من قبيل تصريحات بنزكري تجاه ملفات حقوقية كملف معتقلي العدل والإحسان واعتباره معتقل تمارة معتقلا قانونيا لإضفاء الشرعية على قمع الدولة / النظام للمعارضة الجديدة، وإلا كيف نفسر إقصاء أعضاء العدل والإحسان من العملية وهم لازالت تكسر عظامهم ويعتقلون إلى الآن، وهي الجماعة التي أثبتت للقريب والبعيد أنها قوة سياسية ومجتمعية في المغرب لم تعبر عن آرائها إلا بالوسائل السلمية وبأنها لا تؤمن بالعنف ولا تعتمده وسيلة أبدا.

إن هذا التحول من موقع المعارضة الجذرية إلى موقع المشاركة السلبية من خلال ملف طي صفحة الماضي يؤدي إلى حقيقتين: الأولى، هي إعطاء دفعة سياسية لتتنفس الدولة / النظام الصعداء بين يدي واقع مختنق وارتباكات شديدة بين مكونات القصر وعناصر النظام السياسي عوض الدفع في اتجاه توسيع واقع الحريات العامة لتحصل المشاركة الفعلية بناء على تصور وبرنامج نضاليين وطنيين. والثانية، توسيع الهوة بين مفهوم الحزب ومفهوم الشعب في القاموس السياسي المغربي، وهو ما يفضي حتما إلى تموقع قوى تملك من الإمكانات المادية والسياسية ما يجعلها الموجه الحقيقي لحركة المجتمع مع توطيد علاقاتها مع دول أجنبية تريد من المغرب أن يكون ولاية تابعة لها بالضمن. فتصريحات بوش تجاه المغرب تعكس طبيعة السياق الذي يراد للمغرب أن يشغله سواء في المنطقة أو ضمن السياسات الدولية. ولاشك أن ذلك سينعكس على مصالح الشعب المغربي الحقيقية بالضرر. فهل كثير من فعاليات اليسار التقليدي واليسار السبعيني ستصبح وسيلة في زمن العولمة الأمريكية؟

3) إقصاء الإسلاميين ونهاية الانتقال الديمقراطي:

نعم إن أعضاء العدل والإحسان وغيرهم لم ينخرطوا ولن ينخرطوا في مسيرة طلب التعويضات المادية الشخصية، لأنهم، أولا: يعلمون التعويض الحقيقي الذي ينتظرهم في الآخرة يوم يعرض الناس على رب العباد، وثانيا: لأنهم لم يقدموا ما قدموا من تضحيات في سبيل أشخاصهم بل في سبيل قضية أمتهم، ولذلك فالتعويض يبدأ أساسا من فتح باب الحريات الحقيقية لهذه الأمة لتقول كلمتها بحرية وتحدد موقعها الطبيعي ضمن سياقات الواقع الدولي. فالاصطفاف بناء على طلبات موجهة سلفا من قبل المتضرر هو تكريس لواقع الثنائية المعمرة في المغرب: واحد يعطي على مزاجه وآخر دوما في موقع المحتاج الطالب. ألا يعلم الجميع أن الدولة / النظام في المغرب كانت توظف وسيلة المال والجاه لشراء الذمم؟ ألا يعلم الجميع أن كثيرا ممن حضروا جلسات الاستماع هم مخابرات في الخارج كانوا مناضلين في يوم من الأيام؟ ألم تعلمنا الدولة / النظام أن عطاءها، ولو حقا من الحقوق، يتبعه المن وأن لا تقول إلا ما تريده المخابرات المشرفة حقيقة على عملية الطي؟ لذلك فلسنا في حاجة إلى من يعطينا طعما قد يكون مدسوسا فيه سم العلقم، لكن نحن في حاجة ماسة إلى أن تعيش أمتنا حريتها كاملة غير منقوصة، وعليه فلا يستغرب أحد إذا لم يجد أعضاء العدل والإحسان مصطفون طابور انتظار التعويض المادي الشخصي، لكن هذا لا يمنع من أراد من ضحايا القمع عبر تاريخه المخزني الاستبدادي أن يطالب بهذا الحق الجزئي الصغير. الشاهد عندنا هنا هو منطق الإقصاء الذي تقوده رموز الدولة / النظام وبعض مناضلي الأمس بين يدي ضرورة أن يفتح الشعب المغربي طريقه المناسب للانعتاق والحرية، ولذلك فإن أية عملية سياسية أو مجتمعية لا تأخذ بعين الاعتبار والعمل قوة الحركة الإسلامية في الشارع المغربي وأثرها الاستراتيجي على مجريات الأمور إنما هي ضياع للوقت والجهد، ذلك أن سيادة منطق التهميش والاحتواء على سياسات الدولة / النظام في تدبير العلاقة مع الحركة الإسلامية ما هو إلا مؤشر واضح على أن تدشين المرحلة الانتقالية كان مبنيا على خطأ استراتيجي لن يسمح أبدا باستقامة العملية السياسية والمجتمعية في مغرب العهد الجديد.

4) المدخل لطي صفحة الماضي:

إن المدخل للممارسة السياسية الناجحة في مغرب اليوم والغد هو القدرة على صياغة قاعدة وطنية حوارية بناء على عنصرين أساسيين: الأول، تقويض روح المخزنة والاستبداد النظاميين لأنهما عاملان فاسدان مفسدان لا يمكن أن يسمحا أبدا بنظافة أية عملية مهما كان حجمها. ويكفي ما خسره الشعب المغربي في قضايا وطنية كبرى بسبب هيمنتهما في التدبير. والثاني، ضمان مشاركة كل القوى الصادقة والغيورة على مستقبل الشعب المغربي في صياغة منهجية الطي ومضمونها وأساليبها، لأن أي غياب في هذا الباب يفضي إلى حركة عرجاء وغير مكتملة. ومن ثمة يمكن الحديث عن سياق طي صفحة الماضي بناء على رؤية وطنية تقف على الأسباب والمسببات ضمن سياق إصلاحي تغييري شامل يعطي الأولوية للشعب ولقضاياه الحيوية والمصيرية.

وعليه، فإن انخراط كثير من فعاليات المعارضة في قيادة عملية طي صفحة الماضي ضمن منطق الدولة / النظام في غياب مشروع مجتمعي جامع يعالج كل الواقع في سياق شمولي ما هو إلا خدمة جليلة لنظام بات من الواضح، كما يؤكد المراقبون، أنه يتخبط ضمن مشاكل سياساته.

ولعل عناصر المدخل الحقيقي لطي صفحة الماضي لا ترتهن بمسألة التعويض الذي أصبح، كما سلفت الإشارة، هو عنوان الطي، بل تكمن أساسا في تحقيق المطالب التي كانت من أجلها التضحيات الشخصية، والدائرة على مطلب الحرية غير الناقصة.

ويمكن رسم أهم عناصر المدخل في:

1. بناء قوة مجتمعية سياسية قاطعة مع مصدر المظالم، وهي طبيعة النظام السياسي في المغرب.

2. تدفع هذه القوة في اتجاه إعادة النظر جذريا في الدستور من حيث طريقة إنجازه ومن حيث مضمونه.

3. التأسيس لمرحلة انتقالية حقيقية تضمن الحرية للشعب ومشاركته إلى جانب كل قواه الحية والصادقة.

4. رد جميع مظالم الشعب المغربي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها وفق مشروع تغييري متكامل.

معتقل سياسي سابق من جماعة العدل والإحسان