الإحسان مصدر أحسَن يُحسن إحسانا، وهو على معنيين:

“أحدهما متعدٍّ بنفسه، كقولك: أحسنت كذا: أي حسَّنته وكلّمته، وهو منقول بالهمزة من حسُن الشيء.

وثانيهما متعدٍّ بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى فلان: أي أوصلت إليه ما ينتفع به”(1).

والإحسان لغة من أصل مادة حسَن وحسُن يحسُن حسنا. وقد جاءت هذه المادة بمعاني عدة، أذكر منها:

– معنى الكمال، ف ” الحُسن.. كون الشيء صفة كمال، وضده القبح وهو كونه صفة نقصان”(2).

– معنى إحسان المعاملة: ف ” المحاسن في الأعمال ضد المساوئ، وقوله تعالى:  إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (3): الذين يحسنون التأويل. ويقال إنه  أي يوسف عليه السلام- كان ينصر الضعيف، ويعين المظلوم، ويعود المريض، فذلك إحسانه”(4).

– معنى الإتقان، يقال “هو يحسن الشيء أي يعمله.. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء”(5)، فالحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، أي الإتيان بها على وجه كمال واجباتها”(6).

أما اصطلاحا، فقد جاء في تعريف الإحسان أقوال عديدة للعلماء اخترت منها:

– تعريف ابن عطية عند تفسيره للآية الكريمة  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان (7)، قال: ” العدل هو كل مفروض من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف، وإعطاء الحق. والإحسان هو فعل كل مندوب إليه، فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه، ومنها ما هو فرض، إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل، والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان”(8).

– تعريف الإمام الغزالي، قال: “ونعني بالإحسان: فعل ما ينتفع به المعامل وهو غير واجب عليه، ولكنه تفضل منه”(9).

– تعريف القرطبي، قال: “إنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه”(10).

– تعريف الإمام البغدادي، قال: “الإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها.. والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها وترك ظاهرها وباطنها.. والإحسان الواجب في معاملة الخلق.. القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك الواجب.. والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: بإزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها”(11).

– أما العز بن عبد السلام فقد عرف الإحسان مقسما إياه إلى أنواع ثلاثة:

“أحدها: إحسان العبادات: وهو أن تعبد الله عز وجل كأنك تراه فإن لم تكن تراه فقدِّر أنه يراك..

النوع الثاني: الإحسان إلى الخلائق، وذلك إما بجلب المنافع أو بدفع المضار أو بهما.

النوع الثالث: إحسان المرء إلى نفسه بجلب ما أمر الله بجلبه من المصالح الواجبة والمندوبة، ودرء ما أمر الله بدرئه عنها من المفاسد المحرمة والمكروهة”(12).

إن استقراء مواطن ورود لفظ الإحسان ومعانيه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية يفيدنا على أن الإحسان إنما يدل على معان ثلاثة وهي:

1- الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

2- الإحسان إلى الخلق كالوالدين، والأقربين، واليتامى، والمساكين، وسائر الناس، والحيوانات.

3- إحسان العمل وإتقانه وإخلاصه.

ولأن مدلول الإحسان يتناول هذه المعاني الثلاثة، فإنني سأحاول بسط وتفصيل كل واحد منها مع ذكر شواهد له:

* أما المعنى الأول الذي يشمله مدلول الإحسان، فهو الذي جاء على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل، وهو مجتمع إلى أصحابه، عن الإحسان فأجاب صلى الله عليه وسلم قائلا: ” أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك “(13). وهذا هو أفضل وأعظم الإحسان الذي يربط المكلف بمولاه وخالقه. ومعنى أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك: ” أن تعبد الله عز وجل مقدِّرا أنك تراه، فإنك إذا قدرت في عبادتك أنك ترى المعبود فإنك تعظمه غاية التعظيم، وتجله أعظم الإجلال، واعتبر ذلك بمحاضرة الأكابر والملوك، فإن من نظر إلى ملك ينظر إليه فإنه يعظمه أبلغ التعظيم، ويهابه أتم المهابة، ويتقرب إليه بغاية ما يقدر عليه، وهذا معلوم بالعادات، فإن عجزت عن تقدير رؤيتك إياه فقدِّر أنه يراك وينظر إليك، فإنك تستحيي منه وتأتي بعبادته على أتم الوجوه “(14).

و على هذا المعنى فإن علاقة المكلف بربه تكون إحسانية إن:

– حرص الحرص الشديد على تحقيق قصد العبودية والإتيان بالواجبات الشرعية على أتم الوجوه وأكملها، مقتديا في ذلك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وصفة عبادته، فهو سيد العابدين وأكملهم، وأقرب الخلق لله رب العالمين، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي : » وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه «(15).

– حافظ على فرائضه التي فرضها الله عليه وزاد عليها من السنن والنوافل وفضائل الأعمال ما يتقرب بها قربات من مولاه، يجتهد المكلف في ذلك قدر مستطاعه طمعا في نيل محبة الله وقربه. فإذا كان حظ الفرائض أنها تحقق للعبد القرب من الله تعالى، فإن حظ النوافل أنها تزيد العبد إن هو حرص عليها قربا على قرب، فتضمن له الفوز الكامل بمحبة الله ورضاه كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي حيث قال: » وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه «(16).

فكما أن تقرب المرء من أخيه لا يتحقق عادة بأداء ما عليه من واجبات تجاهه بقدر ما يتحقق غالبا بما يفضل عن الواجب كالخدمة والمساعدة والهدية… فإن التقرب من الله تعالى إنما يتحقق بحفظ النوافل المسنونة كما تحفظ الواجبات المفروضة.

* وأما المعنى الثاني الذي يشمله مدلول الإحسان، فهو الإحسان إلى خلق الله تعالى بجلب المنافع والخيرات لهم، ودفع كل ما يمكن أن يلحق بهم الضرر والشر والمفسدة عنهم، وهو أمر رغب فيه الشارع الحكيم ترغيبا، بل إنه سبحانه جعل من حق سائر الخلق على المكلف أن يعاملهم بإحسان ورفق وملاطفة، وفي ذلك ورد الحديث: » إن الله كتب الإحسان على كل شيء «(17).

و إذا كان الإحسان من آكد ما أوصى به الشرع المكلفَ تجاه الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والجيران… عطفا وحنوا وإطعاما، وتنفيسا وتفريجا، وتوسعة ومساعدة…وفيهم قال الله تعالى: “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ “(18)، فإن الشارع قد أوصى بالإحسان إلى غير تلك الأصناف، ومنهم:

– الإحسان إلى الأطفال والصغار ورحمتهم والعطف عليهم، فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت ابنته زينب على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها(19).

– الإحسان في التعامل مع المسيء بالعفو عنه وترك معاقبته وإساءته، قال الله تعالى: “وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى “(20)، وقال سبحانه: “وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”(21).

– الإحسان في التعامل مع أعداء الله، وفي ذلك قال الله تعالى: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”(22).

– الإحسان في التعامل مع الحيوان، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا سقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض(23)، ويخبرنا صلى الله عليه وسلم عن رجل سقى كلبا يلهث يأكل الثرى من العطش، فغفر الله له، وقال: » في كل ذات كبد رطبة أجر «.(24)

– الإحسان في قتل الحيوان، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته «(25).

* أما المعنى الثالث الذي يحمله لفظ الإحسان فهو الإتقان، إنه الوصف المرغوب والمطلوب في علاقة المكلف بالأشياء والكون. إن سعي المكلف لتحقيق مصالح الناس وجلب المنافع لهم والخيرات متوقف على خبرته ومهارته وقدرته على إحسان ما هو موكول إليه من أعمال، وإتقان ما هو مكلف به من أشغال ومهن، فيكون أداؤه حسنا كاملا متقنا غير منقوص، ويشمل هذا الموظف في أدائه لوظيفته، والعامل في أدائه لعمله، والمرأة في رعايتها لبيتها وتربية أبنائها، والطالب في اجتهاده في الدراسة وطلب العلم… ولنقرأ وصية الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: » إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه «(26)، وقال صلى الله عليه وسلم: » إن الله يحب من العامل إذا ما عمل أن يحسن «(27). فالعمل والصناعة والإنتاج والمهنة مطلوب فيها الإخلاص والإتقان والإحسان بأن يؤدي المكلف مهمته على أفضل صورة وأحسنها وأجودها.

إن مجموع هذه الدلالات الثلاثة يعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، ويعطينا الوصف المرغوب لعلاقات المكلف بربه والناس والكون. علاقته بربه تكون إحسانية إن استحضر مراقبة الله تعالى له في كل وقت وحين، بأن يلتزم طاعته، ويأتي شعائر دينه على أكمل وجه وأتمه، وأن يحافظ على فرائضه ويزيد عليها من السنن والنوافل ما يتقرب بها من ربه ويزداد قربا. بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه وتجمل أخلاقه، وتصلح نواياه وأفعاله، فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب. ونفعه للمجتمع والناس كافة لا يتوقف على حسن النية، وجمال القصد، والإسراع إلى الفعل فقط، بل يتوقف أيضا وبالمكانة المؤكدة على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما وكل إليه من أعمال والإخلاص فيها.

هذا هو الإحسان الذي يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم(28)، وهذا هو الإحسان أعلى مراتب الدين وأسمى مراقيه التي تشمل معاني الإسلام والإيمان.

قال الإمام القشيري إن الإحسان منزلة “هي لب الإيمان وروحه وكماله، وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل، فجميعها منطوية فيها”(29).

و قال ابن تيمية: “أما الإحسان، فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان. والإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين”(30).

فالإحسان يشمل معنى الإسلام من جهة كونه أداء لفرائض الإسلام الخمسة وإتيانها على أكمل وجه وأتمه مع موافقة ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة عبادته.

والإحسان يشمل معنى الإيمان من جهة أن ” الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”(31) كما أخبرنا وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن هذه الشعب البضع والسبعين أو البضع والستين والتي تكوِّن ماهية الإيمان، منها ما هو من أعمال القلب، ومنها ما هو من أعمال اللسان، ومنها ما هو من أعمال البدن.

“فأعمال القلب الإيمانية تشمل إضافة إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، تشمل الحب في الله، والبغض في الله، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته، والتوبة، والتوكل، والتواضع، وتوقير الكبير، والرحمة بالصغير…

و أعمال اللسان الإيمانية تتضمن تلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والذكر، والدعاء،و الاستغفار…

أما أعمال البدن الإيمانية، فمنها الطهارة، وستر العورة، وإتيان نوافل العبادات، والجود، وإكرام الضيف، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وإصلاح ذات البين…”(32).

فمجموع هذه الشعب الإيمانية(33) التي بها يتحقق كمال الإيمان، تدخل في مسمى الإحسان، لأن “الإحسان يدخل فيه الإيمان”(34).

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المحسنين المقربين. آمين. والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

(1) الجامع لأحكام القرآن: 10/110.

(2) الكشاف: 2/148.

(3) سورة يوسف: من الآية 36.

(4) لسان العرب: 13/117.

(5) سبق تخريجه.

(6) جامع العلوم والحكم: 131.

(7) سورة النحل: من الآية 90.

(8) الجامع لأحكام القرآن: 10/109.

(9) الإحياء: 2/92.

(10) الجامع لأحكام القرآن: 10/109.

(11) جامع العلوم والحكم: 131.

(12) القواعد الصغرى لابن عبد السلام: 111-114.

(13) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان، حديث 48.

(14) القواعد الصغرى: 112.

(15) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث 6021.

(16) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث 6021.

(17) سبق تخريجه.

(18) سورة البقرة: الآية 215.

(19) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، حديث 845..

(20) سورة البقرة: من الآية 237.

(21) سورة التغابن: من الآية 14.

(22) سورة الممتحنة: الآية 8.

(23) صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث 2192..

(24) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، حديث 5550.

(25) صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، حديث 3615.

(26) شعب الإيمان: 4/334، عن عائشة رضي الله عنها.

(27) شعب الإيمان: 4/335، عن كليب رضي الله عنه.

(28) وردت عبارة “إن الله يحب المحسنين” وعبارة “والله يحب المحسنين” في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران مرتين، وفي سورة المائدة مرتين، وفي القرآن آيات عديدة تعد أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن البشرى للمحسنين، فهو حض على الإحسان متكرر.

(29) لطائف الإشارات: 2/479.

(30) كتاب الإيمان: 33.

(31) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث 51.

(32) عن فتح الباري بتصرف: 1/52.

(33) قال الإمام النووي إن ” الكلام في تعيين هذه الشعب يطول، وقد صنفت في ذلك مصنفات، ومن أغزرها فوائدا كتاب المنهاج لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى، وحذى حذوه البيهقي في كتابه الجليل الحفيل: كتاب شعب الإيمان “فتح الباري: 1/52.

(34) كتاب الإيمان لابن تيمية: 33.