المسلم والعولمة : رؤيـة مستقبلـية

رأينا فيما سبق آثار العولمة في مجالات الحياة المختلفة، ورأينا كيف تجهز على القيم الإنسانية لتنتصب المادة والمصلحة الغربية الأمريكية حاكمة. وعرضنا بعض ما يمكن للمسلمين فعله من أجل تجاوز هذا الإجهاز والمشاركة في حضارة عالمية مقبلة. ومن المفيد جدا الآن أن نرى بعين مستقبلية لوجه العلاقة بين المسلم والعولمة.

ولكي تكتمل رؤيتنا لابد من الكلام على ثلاثة أمور:

1_ إيجابيات العولمة:

على الرغم ما للعولمة من سلبيات، وأنها المهيمنة والطاغية، فإن لها إيجابيات كذلك،على المسلمين الاجتهاد في استثمارها:

أ_ تقنياتها المتطورة، من أنترنيت وفضائيات يستطيع من خلالها المسلمون تبليغ تصور ودعوة الإسلام لجميع الناس، مسلمهم وكافرهم. وقد بانت مجموعة من المحاولات في هذا الجانب قد يكون لها جميل أثر إن كتب لها الاستمرار ومزيد من التطور.

وقد سهلت هذه التقنيات على المسلم التعرف على الآخر وحضارته وما يملك من مقومات يستفيد منها المسلم المعاصر، وتيسر الحوار معه.

ب_ يمكن اعتبار العولمة محرضا حضاريا ومنبها للحماية الثقافية، والتشبث بالذات، وتحقيق الاندماج في العولمة، بعيدا عن الذوبان، وتأكيدا لسنة المدافعة الحضارية، وإغنائها بالتنوع(1)، حيث سيضطر المسلم إلى إعادة النظر في مقوماته أخذا وتجديدا وتطويرا وإبداعا حتى يستطيع مواجهة هذا الغازي الجديد المسيطر.

ج_ الاستفادة من القوانين العالمية والمعاهدات الدولية التجارية وغيرها للتواصل وتبليغ ما يمكن تبليغه إلى الآخر، لأن ما يعوق المسلم اليوم عن الانطلاق هذا الحصار المضروب عليه من الآخر.

د_ يلاحظ الأستاذ عمر عبيد حسنة ملاحظة دقيقة مفادها أن الدول المتمكنة تقنيا المسيرة لعجلة العولمة اليوم، هي دول تحتوي في جوفها على قوميات، وأعراق، وألوان، وأجناس، وطبقات هي أشبه بجزر ثقافية واجتماعية بخصوصياتها، ضمن محيط الدولة الكبيرة، لم تتمكن من هضمها وتذويبها، رغم كل الإمكانات والمحاولات(2).

وفي مقابل إيجابيات العولمة نجد أمراض الغرب والمجتمع الغربي، تلخيصها في النقطة التالية:

2_ أمراض الغرب:

نعم، للغرب أمراضه، فعلى الرغم مما يبدو عليه من تقدم وهيمنة فإنه مريض ومنخور. وقد سبق أن أشرنا أن فكره يقوم على مسلمة دوابية، فثقافته دوابية إذن، تقوم على نظرية تطورية لا تعترف بالخالق عز وجل. وهذه صفة من صفات الجاهلية.بل إن هذه الثقافة الدوابية تلجئه إلى العنف. وتتجلى هذه الثقافة في جميع مناحي الحياة.

فعلى المستوى الاجتماعي لا نجد شيئا في الغرب اسمه الأسرة. فحسب تقرير نشر في جريدة لوموند الفرنسية منذ سنتين تبين أن 53 بالمائة من النساء في فرنسا يضعن أول مولود لهن خارج مؤسسة الزواج، و40 بالمائة من مجموع الولادات المسجلة هي ولادات خارج الزواج. فكيف يكون مآل الأسرة في مجتمع كهذا ؟

وأورد الأستاذ عمر عبيد حسنة عن مجلةV.S.D الفرنسية بعض الحقائق المرعبة حول المعاشرة الزوجية… وانتهى إلى القول بأن هناك نوعا جديدا من العلاقات بدأ يهدم حياتنا، إنه زواج المخادنة، وتتلخص فلسفته في إمكاننا أن نحب، أما أن نعيش الاثنان حياة زوجية فلا… إن عدد الفارين من الزواج والمطلقين في ارتفاع مستمر، أكثر من 13 مليون حالة سنة 1981، فماذا الآن؟

كذلك الأسرة ذات العائل الواحد ارتفعت، فبلغت 723000 عام 1975، وأكثر من مليون عام1981(3).

وأظهرت إحصائية أخيرة أن معظم المواليد الجدد في إنكلترا هم غير شرعيين. وهذه هي المرة الأولى التي يتغلب فيها عدد المواليد غير الشرعيين على نظرائهم الشرعيين منذ بدأ تسجيل الولادات في بريطانيا.

وأعلنت المفوضية الأوربية للشؤون الاجتماعية أن امرأة واحدة من أصل خمس في أوربا تقع ضحية العنف.

وتبنى مؤخرا مجلس الشيوخ البلجيكي اقتراحا بقانون يسمح بالزواج بين مثليي الجنس، جاعلا من بلجيكا الدولة الأوربية الثانية بعد هولندا التي تسمح بهذا الزواج… وقد اقترح القانون بأغلبية 46 صوتا مقابل 15.

وينص القانون على أن يكون للمتزوجين من مثليي الجنس حقوق الزوجين نفسها من جنسين مختلفين، وخصوصا على صعيد الملكية والإرث، باستثناء الحقوق المرتبطة بالتبني والبنوة.

وأظهر استطلاع للرأي أن أكثر من نصف الشبان في بريطانيا و28 % من مجمل عدد السكان الذي يبلغ نحو 13 مليون نسمة يتعاطون مخدرات مما يزيد الضغوط من اجل إصلاح قانون يتعلق بالمخدرات.

وقال الاستطلاع إن 51 % من الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاما في بريطانيا يتعاطون المخدرات، في حين يتعاطى خمسة ملايين شخص القنب أو الحشيش بشكل منتظم، وأكثر من مليوني شخص يتعاطون بانتظام مخدرات منها الكوكايين.

وقال د. ستيفين سكوت من معهد الطب النفسي في لندن: “إن ظاهرة الفقر قد تقلصت بشكل كبير في أوربا خلال 10 و30 عاما الماضية، إلا أن معدلات تعرض الأطفال لأمراض نفسية ظلت كما هي.

وذكرت شبكة “سي. إن. إن” الإخبارية الأمريكية أن اختطاف الأطفال في العديد من الولايات المتحدة الأمريكية قد تزايد بصورة كبيرة على مدار الشهور القليلة الماضية مما أثار القلق والمخاوف في المجتمع الأمريكي بصورة عامة… وأوضح التقرير أن هذه الظاهرة قد تحولت إلى ما يشبه الوباء الذي يخشاه كل منزل، وإن أحد مظاهر الاهتمام بهذه الظاهرة قد يتمثل في قطع شبكات التلفزيون الأمريكية لبيانات الرئيس بوش ولإعلان آخر التقارير عن الأطفال المختطفين.

هذا ما تريد العولمة أن تعولمه وتعممه على العالم. حضارة مظهرها تقدم اقتصادي وصناعي وتكنولوجي، وجوهرها خراب وخواء، رغم ما يبدو فيها من ديمقراطية واحترام لحقوق الإنسان. وإذا أردنا أن نعدد نماذج أخرى من هذا الخراب فإنه لا تكفينا هذه الصفحات. فبقدر ما هناك من تقدم مادي هناك خراب على المستوى الروحي والأخلاقي. إنها جاهلية ثانية فاقت الجاهلية الأولى التي حدثنا القرآن الكريم وأجمل صفاتها في:

_ ظن الجاهلية: “وَطَائِفَةٌ قَدَ أَهَمَّتْهُمُ أَنْفُسُهُم يَظُنُّون بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِية. يقَولُون هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْء. قُلِ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّه. يُخْفُون في أنْفُسِهِم مَا لاَ يُبْدونَ لَكَ”(آل عمران: 154).

هذا الظن ناتج عن ضعف الإيمان في النفوس وغياب العقيدة الصحيحة، ويعني عدم الثقة في الله وفيما عنده، وعدم قدرة الإنسان على التدبر في هذا الكون للتعرف على خالقه وإدراك مصيره بعد هذه الدنيا.

_ حكم الجاهلية: “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَّ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنون” (المائدة: 50).

أمام الإنسان تحكيم حكم الله عز وجل، أو تحكيم هواه. ولا يخفى ما بينهما من فروق واضحة بينة. فتحكيم الهوى إنما هو الاستبداد والضلال والانحراف عن الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها. وقد رأينا نماذج من ذلك قبل قليل. أما تحكيم أمر الله فإنما يعني العدل والرحمة بالإنسان في الدنيا، فضلا عن الفوز في الآخرة.

_ تبرج الجاهلية: نجده في قول الله عز وجل:”يا نساءَ النبيء لسْتُنَّ كأحدٍ من النساء إن اتقيتُنَّ. فلا تخضعن بالقول فيطمعَ الذي في قلبه مرض. وقُلن قولا معروفا. وقَرْنَ في بيوتكن. ولا تبرجن تبرُّج الجاهلية الأولى. وأقمن الصلاة وآتينَ الزكاة. وأطِعْن الله ورسوله”(الأحزاب: 32_33).

ولا ينكر أحد أن بؤس النساء اليوم، في الشرق والغرب، مرده إلى هذه الصفة من صفات الجاهلية التي تفتح الباب أمام الزنا، فتضيع الأسر وتتشتت. وفي الإحصاءات السابقة خير معبر.

_ حمية الجاهلية: وردت في القرآن الكريم عند وصف قوله تعالى لغليان المشركين يوم الحديبية:”إِذْ جَعَلَ الَّذِين كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمَِّيةَ الْجَاهِلِيَّة. فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِه وعَلى الْمُؤْمِنينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَهَا. وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا”(الفتح: 26).

وحمية الجاهلية إنما هي التعصب والعنف الذي لا يعرف له حد. ولعل أخبار التمييز العنصري الذي نسمع عنها في كل وقت إنما هي من قبيل هذه الحمية الجاهلية. وكذلك العنف الذي ينتشر في بعض البلدان (أمريكا مثلا) إنما هو تعبير عن هذه الحمية التي تعتبر وصفا رئيسا من أوصاف الجاهلية.

هذه صفات الجاهلية الرئيسة، تلتصق بدول الغرب وأمريكا أكثر من غيرها من دول العالم، تدلل عليها الإحصاءات والتقارير.

وإذا كان المراد بالعولمة فرض أنموذج معين للحياة والسلوك، فإنما ذلك يعني فرض هذه الصفات الكبرى للجاهلية التي تحدث عنها القرآن الكريم. وهي صفات مؤذنة بخراب الحضارة الغربية المادية.

3_ رؤية مستقبلية:

أشرنا فيما سبق لبعض آثار العولمة وتجلياتها على مجالات الحياة الثقافية والسياسية والإعلامية والاجتماعية. كما أشرنا إلى ما تتمتع به الأمة من مقومات تجعلها قادرة على المدافعة مع الآخر ومشاركته في بناء حضارة عالمية. وأشرنا كذلك إلى بعض الكيفيات التي يمكن للمسلم أن يتعامل بواسطتها مع العولمة وتداعياتها من خلال القيم الإسلامية… وكشفنا عن بعض الوجوه الإيجابية للعولمة، والوجوه المظلمة لحضارة الآخر.

وهنا يبدو سؤال يطرح نفسه بإلحاح: كيف نرى مستقبل المسلم مع العولمة ؟

وأسارع إلى الجواب قائلا: إن مستقبل المسلم كله خير، فهو يملك مقومات حضارية رفيعة تشكل ملاذا روحيا للعالمين، وما عليه إلا أن يحسن الاستفادة من إيجابيات هذا المولود العجيب “العولمة”، وليتسلح باليقين. وحضارة الآخر أبانت عن إفلاسها لغياب القيم الإنسانية الرفيعة، والتي بدأ الإنسان في الغرب كله يبحث عنها. وسنة الله عز وجل في هذا الكون تؤكد أفول الحضارة التي تحط من القيم، مهما علت وبنت.

لكن، ما يحول حقا دون هذا الهدف وقوف المسلم اليوم موقف المدافع الذي يجتهد في رد التهم الموكلة إليه، بسبب عداء الاستكبار العالمي للإسلام. وربما يعود هذا لقرون الانحطاط والتخلف الذي عرفه المسلمون، من جهة، ولعدم معرفة المسلم لواجبه ولرسالته الاستخلافية في هذا الكون من جهة أخرى.

ومهما يكن، فإننا لا نستطيع أن ننكر هذا الإقبال المتزايد في بلاد المسلمين على الإسلام وشريعته، سواء على المستوى التدين الفردي، أو على مستوى تدبير الشأن العام للمسلمين.

وإذا عدنا إلى القرآن الكريم، فإننا نجده يعد المؤمنين الصالحين بالاستخلاف في الأرض وقيادة العالم، إذا ما توفر الإيمان والصلاح. يقول الله عز وجل: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِديِن)) (الأنبياء: 104_105). وهذه سنة الله عز وجل، فمهما استكبر المستكبرون، وتجبر المتجبرون، ومهما أفسد المفسدون فلا بد من رجوع الصالحين إلى هذه الأرض يستعمرونها ويعيدون إلى الفطرة سلامتها.

ويصرح القرآن الكريم بوعد الله عز وجل باستخلاف المؤمنين والتمكين لهم كما في قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الذين آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَف الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكَّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوفِهِمُ أَمْنًا. يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا. وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون)) (النور: 53). فمع شرطي الإيمان والصلاح يتحقق للمسلم الاستخلاف.

وإذا كانت هذه الآيات تتحدث عن استخلاف المسلم من غير تقييد بزمان أو مكان، وهي أشبه ما تكون بالسنن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، يبشر المسلم في أكثر من حديث أن الدورة الحضارية المقبلة إنما الريادة فيها للمسلم.

من ذلك، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشرقها ومغربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها”(4).

ويقول أيضا: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذل يذل به الكفر”(5).

يعلق الأستاذ سعيد حوى رحمه الله على هذين الحديثين فيقول: “وكلا الحديثين صحيح، وفي كل بشارة بقيام دولة الإسلام العالمية، إذ لا تكون الذلة للكفر إلا إذا كانت السلطة للمسلمين. ويتوهم بعض الناس أن ذلك كائن حين نزول المسيح إلى الأرض قبيل قيام الساعة، وذلك خطأ، لأن بعض الروايات تذكر أن مظهر العزة أخذ الجزية من الكافرين، ويوم ينزل عيسى لا يقبل جزية”(6).

وفي حديث مفتاح جامع يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم ببشرى البشائر الواضحة، فيقول: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”(7).

هذا الحديث يبين المراحل التي تمر منها الأمة الإسلامية، وهي ولاشك مراحل تتميز كل واحدة عن التي تليها تميزا على جميع المستويات، سواء في علاقة الحاكم بالمحكوم، أو علاقة الحكم بالإسلام، أو في علاقة الدنيوي بالأخروي&

فمرحلتا النبوة والخلافة والراشدة، هما مرحلتان متقاربتان، إذ إن الخلفاء الراشدين كانوا على منهاج نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أوصى النبي باتباع سنتهم، كما في الحديث الذي مر بنا سابقا.

وأما مرحلة الملك العاض، فهي مرحلة جاءت بعد الخلافة الراشدة، بدأت بحكم معاوية. والملاحظ أننا لا نجد في تعبير النبي صلى الله عليه وسلم لفظ “الخلافة ” في هذه المرحلة، وإنما نجد لفظ “الملك”، وهذا بيان واضح في الفرق بين المرحلتين.

وأما مرحلة الملك الجبري ، فهي التي تلي هذه المرحلة، ويمكن أن نؤرخ لها بالصدمة الثانية التي تعرض لها المسلمون والمتمثلة في دخول الاستعمار بلادهم وعقولهم. فانضاف إلى ما سبق تغيير حكم الله تعالى، كما سنرى لاحقا، بقوانين وضعية مستوردة معززة باستبداد كبير وقمع واسع. كما يمكن أن نضيف إليها هذا الاستعمار الجديد القوي المتمثل في العولمة.

وفي الحديث إضافة جديدة وبشرى للمسلم، يعبر عنها النبي صلى اله عليه وسلم بقول: “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”، وهذه بشارة بعودة الخلافة على منهاج النبوة بعد مرحلتي الملك العاض والجبري، وهي آخر مرحلة يمر منها تاريخ المسلمين.

هذا الحديث يبين موقع المسلم من العولمة، ويخبره بالدور المطلوب القيام به. وإن أضرارها ومفاتنها لن تأخذ من المسلم شيئا إذا ما استحكم التشبث بمرجعيته وقيمه ودينه، بل هو الذي تكون له الغلبة والانتصار والريادة. فالعالم المعولم أحوج ما يكون إلى من يدله على خالقه ويعرفه بمصيره.

خاتمة

إن العولمة تبدو شبحا مخيفا وقاتلا يقضي على هويات وقيم المجتمعات بما تمثل من غزو للأفكار ونشر للإباحية والرذيلة واستخفاف بالقيم وتعظيم للمادة والمصلحة. لكن الأمر بالنسبة إلى المسلمين فهو يختلف، وذلك لما لديهم من مرجعية وقيم عليا قادرة على المواجهة، بل وتحويل هذه العولمة لصالحهم وصالح الإسلام، بشرط حسن استثمارها وتوفير الشروط الذاتية من إيمان وعلم وعمل صالح… وإذا عدنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجدنا تفصيلا بمقومات ذلك.

الهوامش:

(1) عمر عبيد حسنة في تقديمه لكتاب ظاهرة العولمة.. رؤية نقدية.. كتاب الأمة (86)، قطر.

(2) المرجع نفسه.

(3) عمر عبيد حسنة في تقديمه لكتاب التفكك الأسري.. الأسباب والحلول المقترحة (83). قطر 2001.

(4) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، رقم 5144.

(5) مسند الإمام أحمد رقم 16344.

(6) سعيد حوى، جند الله ثقافة وأخلاقا، ص 420، دار عمار، بيروت، 1988.

(7) مسند الإمام أحمد رقم 18434، 4/ 273.