الاقتصاد الإسلامي يجب أن يوضع في سياق إسلامي شامل. فإن جاز لنا بحكم الاضطرار أن نستعير تقنيات غيرنا وأساليبهم في الإنتاج ريثما نطور أساليب وتكنولوجيات من عندنا مناسبة لمقاصدنا، فلا يجوز أن نقلد غيرنا في أصول التوزيع والقسمة.

وهذه هي الخطوط العامة للإجراء الشرعي في توزيع الثروة :

1) احترام الملكية الفردية، بشرط ألا يظهر سفه على المالك يدفعه ليبدد الأموال التي استخلفه الله فيها وجعلها للأمة قيما وقياما. وكل ملكية خاصة تعارض مصلحة المسلمين العامة فلا حرمة لها. ويرحم الله عمر فقد ترك لنا سنة، وهي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا أن نعض بالنواجد على سنة خلفائه الراشدين. رأى عمر التفاوت الطارئ على المسلمين في زمانه، فخاف أن يتفاقم، فقال قبل موته : لئن عشت إلى قابل لآخذن من أموال أغنيائكم ولأردنها على فقرائكم. وما خصص رحمه الله مالا دون مال. ففي عزمته هذه رضي الله عنه باب مفتوح لنا نحو عدل اجتماعي شامل. باب لنزع الملكية الظالمة وإعادة تنظيمها.

2) احترام الإرث وفرائضه كما حددها كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد الأئمة. والإرث من أهم وسائل توزيع الملكية ومنع تركزها. نجد في كتاب الله تعالى منفذا لتوزيع الأموال الموروثة في الوصية المشروعة بالثلث المندوب إليها في آيات الإنفاق، وفي قوله عز وجل:( وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه)1. فالوصية للوالدين والأقربين وكافة فقراء المسلمين تترك للمتطوع بماله من بعده ابتغاء مرضات الله. أما رزق من حضر القسمة من الأصناف الثلاثة فأمر موجه للأمة. وللإمام أن يجتهد مع علماء المسلمين للاستدلال بالآية على وجوب هذا الرزق، خاصة في الثروات الواسعة التي تفيض عن حاجات الورثة، بكيفية لا يضر رزق الأصناف المذكورة منها بوظائف الادخار والاستثمار والإنتاج. فإن توزيع الثروات على المحتاجين المضطرين، وتخصيص ما يصلهم من خير للنفقات الاستهلاكية، قد يعوق الاستثمار الضروري لإنتاج ثروات مستقبلة تسد حاجات الأمة الدائمة.

3) تنظيم جميع الزكوات وتوزيعها، بأن تكلف الدولة جهازا من العاملين عليها مستقلا، يقوم بجبايتها، وإنفاقها في مصارفها المذكورة في القرآن. وتلحق بالزكوات الصدقات التطوعية، ليمول نظام أمن اجتماعي يضمن حاجات الفقراء والمساكين والعاملين على زكاة، وليمول نظام لتشجيع الدعوة وتأليف الجماعة بتأليف القلوب. ويمكن أن يدفع سهم المؤلفة قلوبهم لجماعة المسلمين المنظمة تضعه مواضعه. ومن أموال الزكاة يخصص سهم الرقاب لينفق في مناط حكمه وهو فك أسرى المسلمين. ويا ما أكثرهم في أنحاء العالم، إنهم الأقليات المضطهدة في أنحاء العالم. ولا يجوز أن يعطل ولا أن يلغى حكم من أحكام الله، كفك الرقاب بمجرد أن هذه الفترة التاريخية يسود فيها القانون الوضعي الذي لا يعرف إلا المعاهدات الدولية لمعاملة أسرى الحرب. ويوم يصبح شرع الله هو السائد، تعود المياه إلى مجاريها، ويعامل الأسرى بما أمر الله به من إيواء لهم، وإحسان وتعليم ثم تحرير. وليس المقصود من نظام الرق في الإسلام التسلط على الناس واستعبادهم. إنما المقصود أخذ الأسير بقهر الغلبة وإدخاله في صفنا بالتعليم، والمعاملة الرفيقة، حتى يحب الإسلام ويندمج فينا، ثم نحرره، ونبعثه لينشر الدعوة في بلده. ولأهمية هذا المقصد الدعوي السامي من نظام الرق الإسلامي فرض الله من أموال الزكاة سهما لتحرير الرقاب، وفرض كفارات، وندب للتطوع.

ويخصص من مال الزكاة سهم للغارمين، يمكن أن يوسع مناط الحكم في مصرفه ليسد ما لا بد أن يقع من خلل أثناء الفترة الانتقالية في نظام المصاريف الإسلامية التي لا تتعامل بالربا، ويمكن أن تتعرض لخسارات لقلة التجربة. وما دامت هذه المصارف ملكا عاما للأمة فديونها تدفع من سهم الغارمين لأن الأمة تصبح كلها مدينة مستحقة. من الممكن الاستدلال باستحقاق الغارمين، وتعميم مفهوم الغرم، وتعلقه بذمة الأمة في هذه العصور التي تبني اقتصادها على أسس جماعية تتدخل فيها الدولة تدخلا شديدا، أن يخصص من هذا السهم لدفع جزء من ديون الدولة الإسلامية.

ويخصص سهم في سبيل الله للدعوة والجهاد بكل أنواعه كما نفصلها إن شاء الله في الخصلة العاشرة.

ونحتاج إلى اجتهاد مجدد في ميدان صرف الزكاة لتحقيق مناط الأحكام فيها وقد تبدلت أنماط العيش، وعلاقات الناس، وتزحلقت المفاهيم غير ما كانت عليه في القرون الفائتة التي لا يفيدنا كثيرا اجتهاد علمائها.

فما كان من أصول ثابتة بالقرآن كالأصناف الثمانية الذين توزع عليهم الزكاة مالنا حق إلا في تحديد من يستحق وتصنيف الأصناف. وما كان من أصول نبوية مثل قسم زكوات كل جهة في محتاجي تلك الجهة، فلا تنقل الزكوات إلى جهة غيرها حتى يحصل الاكتفاء المحلي، نفرع عنها اجتهاداتنا، لنعرف حد الاكتفاء المطلوب، في إطار توزيع عادل بين كل المسلمين، عبر الجهات والأقطار. إنه استفحلت الفوارق بين المسلمين استفحالا شنيعا، وغاب عنا أن دار الإسلام بلد كل المسلمين، وثروة أرض الإسلام ملك لكل المسلمين. مكنت التجزئة القطرية، وهي أمر واقع لا يعترف به في دين الله، في أذهاننا أن مسلمي بنغلاديش الفقراء قومية ودولة لا صلة لها بمسلمي الخليج الإسلامي الأغنياء وقوميتهم ودولهم إلا هذه الوشيجة الأدبية المعنوية التي تسمى إسلاما بالمعنى الجزئي الضئيل، المبعد عن السياسة والاجتماع والاقتصاد والجهاد والوحدة، للإسلام.

كلا! وإن أموال النفط وسائر الثروات الطبيعية في بلاد المسلمين ملك عام للأمة ملك لها أصولا وزكاة. ملك لها أرضا ومعادن ومياه ونفطا وكلأ. والمطلب العادل لفقراء المسلمين ومساكينهم وعامليهم العاطلين عن جمع الزكاة وصرفها، العاطلين عن كل عمل، هو القسمة العادلة لخيرات الله وطيبات رزقه. هذه القسمة مطلب عادل لقلوب المسلمين التي لم تؤلف على الإسلام لأن المسلمين تردوا إلى البؤس والطبقية فهي تهفو إلى الإثراء خارج شرع الله. مطلب عادل للرقاب المسلمة المستعبدة في سوق النخاسة الداخلية والخارجية، سوق الاستبداد الداخلي والتبعية للجاهلية. مطلب عادل لهذه الأمة التي يعيش سوادها الأعظم في الجوع والفقر والمرض والجهل، ويعيش مترفوها هنا وهناك على مستوى البذخ الجاهلي، بل هم يقودون الترف العالمي، ويمولونه، ويضربون المثل للتبذير والسفه والفسق. رقاب في ذل الحاجة موهوقة، ورقاب باعت نفسها للشيطان، ولشبكة الأبناك والمواخير، وسلع الترف الجاهلية الصهيونية. رقاب يا من يحرر!

المطلب العام العادل للأمة. ولكل مسلم ومسلمة أن تصبح أموال المسلمين في يد المسلمين تصرف لمصلحة المسلمين. ولكي يتحقق هذا لا بد من جهاد. لا بد للمستضعفين المؤمنين أن يفيقوا من الأحلام المعسولة ويبرزوا للساحة، ليمسكوا حقهم الذي تحتوشه دونهم أنظمة الجبر، تحميها دبابات روسيا، وطائرات أمريكا، ومخابرات صهيون..أموالنا تنفق على اللهو والقمار والزنى ومحاربة الله ورسوله والإفساد في الأرض والمجاهدون في سبيل الله في أفغانستان وفلسطين والفلبين وإرتريا وسائر بقاع الأرض يواجهون العدو الجاهلي والصهيوني، حليف مترفينا الأشقياء، بالأيدي العزلاء، والسلاح الكليل.

سبيلان! سبيل الله سبيل بذل المال والأنفس ابتغاء مرضات الله، وسبيل الشيطان ينفق فيه على التهتك، والجرأة على الله، ومحاربة دين الله، وتوهين قيم المسلمين، واللعب بكيانهم ومستقبلهم، وإنه لبلاء من الله وتمحيص.

4) التقلل ومحاربة التبذير. أصبحنا شعوبا مستهلكة بحساب الإجمال، وإن كانت الأغلبية العددية من المسلمين تعيش في ما يسميه لسان العصر بالفقر المطلق. ناهيك ببنغلاديش ! بحساب الإجمال نعيش فوق مستوانا بكثير. نستهلك طعاما لا ننتجه، ويباع لنا بالثمن الغالي من النقد ومن استقلال إرادتنا. بناياتنا الرسمية، وأجهزتنا الخاصة المنزلية، والعامة من سيارات الدولة الفخمة، وأثاثها الرفيه، ونفقاتها، تقدم للرائي واجهة متألقة ببهرجها، تخفي ما وراء الترف البادي في الرسميات والخصوصيات الغنية من بؤس الشعوب.

تطاول في البنيان والمتاع. طاقات تذهب سدى. أخلاق تنحل، وعزائم تنهار. بطون سمينة، وأخرى إلى جانبها جائعة غرثى. نفقات على المعصية والإثم، وحقوق الله ضائعة.

نهانا الله عن السرف والتبذير، وجعل المبذرين إخوان الشياطين.

ومدح الله عز وجل: (الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)1 ووصفهم بأنهم عباد الرحمان.

فمهمة الدولة الإسلامية المجددة أن تعادل توزيع الثروات بين المسلمين لتصل إلى الاعتدال الذي به يكون القوام بين الإسراف المذموم وبين التقتير الذي ما أمرنا الله به بغير ضرورة.

إذا كان الله عز وجل لا يحب المسرفين فرادى فلن يحب دولة تزعم أنها إسلامية ثم لا تسلك سبيل عباد الرحمان، ولا تهيء لهم المجال الاقتصادي الكفيل بالمسلك المعتدل بين السرف والتقتير.

نقصد بالتقلل أن ننبذ عادات الاستهلاك الجاهلية، وننبذ النموذج الجاهلي المبني على الطموح المادي التمتعي، الهادف إلى نمو اقتصادي متصاعد بلا حدود. وهذا معناه تبذير خيرات الأرض، وإفسادها، والسعي في خرابها. وكل ذلك منهي عنه شرعا.

عقلاء القوم يحنون إلى اقتصاد على قدر الإنسان بعد أن أدركوا خطورة إفساد التربة والماء والجو، وبعد أن أصبحوا يعانون من المنافسة الاقتصادية، بل الحرب الاقتصادية بين الدول المصنعة بعضها في وجه بعض، وبينها وبين الدول في طريق التصنيع. أدركوا بعد فشل النموذج الاشتراكي في تلافي أخطاء الرأسمالية، وبعد اضطرارهم إلى الحماية الجمركية، ومع ما يقاسون من التضخم المالي، والبطالة واضطراب النظام النقدي العالمي، أن النظام الرأسمالي وصل إلى غايته. فهم يبحثون عن بديل.

وعلينا نحن المسلمين أن نستوحي شرع الله، ونستلهم حكمته، ونستمطر بركته، ونشمر لجهاد العلم، والتكنولوجيا، والإنتاج، والتدبير، بعد جهاد القومة، ومع جهاد البناء، لنعمر الأرض العمارة الصالحة.

قال الله تعالى:(وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)1 وقد بلغ ترف الحضارة الجاهلية المادية وأذنابها فينا أقصى دركات الفسق، وأعتى طغيان الظلم. فآن أن يستبدلهم الله عز وجل بعباده الصالحين.

5) إن الله تعالى شرع للمسلم أن يشبع حاجاته في المأكل الكافي، والملبس النظيف الواقي، والمسكن المؤوي. كل ذلك في غير كلفة ولا تزيد على الحاجة.

شرع الله للمسلم أن يتمتع بنعم الله وزينته التي أخرج لعباده. لكنه حرم عليه أن يبيت شبعان وجاره جائع. فمن شكر نعم الله وطيباته أن يقسم الخير الفائض على المحتاجين. ومن كفرها صرفها في الترف المطغي وفي المحرمات.

وعلى الدولة الإسلامية، زيادة على تربية الدعوة، أن تحمل الناس على القسمة العادلة المتزنة، بحيث لا يرصد النظام الاقتصادي لخدمة طبقة من دون الناس، ولا شباع عادات الاستهلاك قبل حاجات المحتاجين.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله )رواه الإمام أحمد.

فإذا نقلنا الحديث الشريف من الحالات الفردية، التي تتعلق فيها مسؤولية المعصية بأهل العرصة، إلى الحالة العامة والتكوين العام لمجتمعاتنا وأنظمة علاقاتنا داخل الأقطار الفتنوية وفيما بينها، فإن ذمة الدولة الإسلامية لا تبرأ من المعصية الشديدة إن لم توفر الظروف التي لا تسمح أن يبيت هذا متخما وهذا جائعا.

رتب علماؤنا درجات الإشباع ثلاثة مراتب :

أ- الضروريات، وهي الحد الأدنى الذي لا يمكن العيش المادي إلا به من طعام وكسوة ومسكن.

ب- الحاجيات، وهي ما فوق الضرورة من أسباب توسع المعاش.

ج- الكماليات، وهي الطيبات التي يمكن الاستغناء عنها.

والتقلل المطلوب لأمة مقبلة على الجهاد من أجل الاستقلال والوحدة والكفاية والقوة يلزم أن يتجسد في مجتمع يكفل الضروريات لكل المسلمين، ويجعل وسائل إرضاء حاجيات العيش الكريم مكافأة للجهد والنشاط والإنتاج. لكن من الضروري ضبط الجهاز الاقتصادي لكيلا تستمر عادات الترف، ثم لكي يتمتع المسلمون كلهم بالأمن المعاشي على مستوى كريم لا مقتر قاس، ولا مترهل متنعم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وأبو نعيم: إياي والتنعم، فإن عباد الله ليسوا متنعمين وقد رأينا كيف وصف القرآن المجيد عباد الرحمان بالتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير، فالتقى في خطابنا كتاب الله بسنة رسوله يفسر بعضهما بعضا. والحمد لله رب العالمين.