في الوقت الذي استجاب مناضلو أمس لنداء ما يسمى بالمصالحة الوطنية، وفي الوقت الذي عبر القرار السياسي المركزي، غير ما مرة، عن نية الدولة في طي انتهاكات حقوق الإنسان بالمغرب، وأحدث هيأة للاضطلاع بهذه المهمة، ارتأت جماعة العدل والإحسان التي بدأت رحلتها مع المعاناة الحقوقية منذ منتصف السبعينيات إلى حدود الآن، أن تعلن عن موقف متشدد، معتبرة أن المخزن لا ولن يقدم التعويضات للضحايا في سبيل الله. وقال الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم الجماعة، إن الدولة، في العهد الجديد المغرق في التخلف، ما زالت تمارس القمع والاستبداد، وليس أدل على ذلك مما يجري من اختطافات ومحاكمات صورية وقمع للصحافة وحرية التجمع وملاحقة للشباب المعطل ومضايقة لطلبة الجامعات. وأضاف أن جماعة العدل والإحسان لن تطالب أبدا بالتعويض ما دام النظام بهيئاته وأشخاصه هو المسؤول عما جرى في الماضي وهو ضليع الآن في كل الجرائم التي ترتكب الآن، وفي تسخير شرذمة من الإعلاميين الممخزنين لحجب الحقائق وتغليط الرأي العام. بل إن ندية ياسين، نجلة مرشد الجماعة، اعتبرت أن أي جلوس في أي إطار رسمي مع ممثلي النظام سبة في حق العدل والإحسان. وقالت إن الجماعة زاهدة في التعويض، وأن كل ما يأتي به المخزن ما هو إلا أسلوب لضمان بقاء أطول. وأضافت أن المصالحة ينبغي أن تتم على أساس نظيف بدل إيهام الناس بركوب موجة العدل والقانون.

وهذا الموقف، وإن كان يصب في الاستراتيجية السياسية للجماعة، فإنه يطرح العديد من الإشكالات، لعل أهمها مرتبط بالأسئلة التالية: ماذا تريد جماعة العدل والإحسان؟ وما هو الأفق السياسي الذي تسير نحوه؟ وهل بإمكانها الانغلاق على أخلاقياتها  رغم امتدادها الاجتماعي الواسع- بعيدا عن مبدأ التفاوض أو مبدأ التغيير من الداخل أو مبدأ التغيير في ظل الاستمرارية؟ وهل القوة الهادئة للعدل والإحسان منذورة للهدوء والانتقاد والترقب؟ وهل اختارت قيادتها أن تقضي عمرها في تجميع أخطاء وعثرات الدولة والخصوم الإيديولوجيين وإحصاء الضحايا والمعتقلين وفي نهاية المطاف تفويض الأمر إلى الله؟ ألم يحن الوقت بعد لأطرها الشابة أن تجرب حظها في تسيير الشأن العام، بدل الاكتفاء بممارسة حرب البيانات والمعارضة الإلكترونية والمسيرات؟ ألا تستدعي اللحظة الراهنة (مع كل الانتقادات الممكنة التي يمكن أن توجهها إلى مختلف الفاعلين) أن تتحلى الجماعة بالواقعية السياسية القائمة على أساس برغماتي  بالمعنى الإيجابي- وليس على المثل والمتعاليات والمعطيات العمودية؟

رفض الجماعة لهيأة الإنصاف والمصالحة  كما يرى مجموعة من المراقبين- يطرح إشكالا آخر يرتبط بمواقف التشكيلات الإسلامية الأخرى. إذ ما هو موقف العدالة والتنمية (الإصلاح والتوحيد)؟ وما هو موقف البديل الحضاري؟ وما هو موقف الحركة من أجل الأمة؟ وما هو موقف الدعوة والتبليغ؟.. إلخ. فهؤلاء المراقبون يعتبرون أنه للحديث عن المصالحة الوطنية يصعب إغفال إدراج الإسلاميين، ولا يجب التفريق بين المعتدلين أو المتشددين فيهم، لأن ما يجمع بينهم هو المرجعية أو الثقافة الإسلامية، إلى جانب تكتلهم المعلن في ما يسمى بـ”الحركة الإسلامية بالمغرب”. وأضافوا إنه يتعين مواجهة “ثقافة الدجل” السياسي مهما كان مصدرها.

وقال آخرون إن الدولة الآن أمام اختبار حقيقي لا يمكن القفز عليه، وأن الدولة مدعوة إلى تطبيق المساطر القانونية، بدل فرض حالة الاستثناء على جماعة العدل والإحسان التي تعرضت وتتعرض لانتهاكات جسيمة. وأضافوا أنه  إذا لزم الأمر- يتعين على الدولة تقديم اعتذار للضحايا الإسلاميين إذا ثبت أن هناك تجاوزات.

مراقبون آخرون من الذين تحمسوا لمبادرات الدولة الحقوقية صرحوا لـ”البيضاوي” أنه يتعين الجلوس مع العدل والإحسان وتعويض ضحاياهم والإفراج فورا عن معتقليهم الذين سجنوا بسبب آرائهم وليس بسبب قضايا جنائية. وبعد هذا يمكن للدولة أن تحارب هؤلاء ليس بالقمع والتنكيل وتكميم الأفواه، بل بتشغيل المذهب الديني الذي اختارته الدولة المغربية وارتضاه تاريخيا الشعب المغربي، وتفعيل حقل أمير المؤمنين، وهيكلة وتنظيم الحقل الديني برمته. أي أنها آنذاك ستتمكن من محاصرتهم في ميدانهم الذي رفع مرشدهم إلى درجة الولاية أو النبوة.

ويرى آخرون أنه إذا كانت الديمقراطية تقوم على عنصرين: نبذ العنف بين الأطراف وسيادة القانون، فإن على الدولة التي تقول إنها اختارت الديمقراطية، وأنها دخلت بالفعل مرحلة الانتقال الديمقراطي، أن تتعامل مع جماعة العدل والإحسان على قدم المساواة مع كل التشكيلات السياسية الأخرى دون أن تحمل أية نية لتدجينها أو دفعها إلى تقديم تنازلات. وقالوا إذا كان أعضاء الجماعة يرفضون مبدأ التعويض فهذا من حقهم، وهذا ليس استثناء، بل هناك العديد من ضحايا الأمس تعففوا ورفضوا تقاضي تعويضات عن اختيارات وقناعات حملوها في مرحلة من المراحل.

غير أن البعض الآخر ممن التقتهم  البيضاوي- يعتبر أن تعامل الدولة مع العدل والإحسان ينبغي أن يبقى مشروطا بقبولها لإطارات الملعب السياسي المغربي. فإن شاءت أن تبقى في المدرجات فلها ذلك، وإن شاءت أن تتحول إلى حزب، فلها أيضا ذلك، شرط أن تتقيد بمعطيات السياسة وليس معطيات الأخلاق. ويقول هؤلاء إن المرحلة السياسية الراهنة ليست في حاجة إلى جماعة تتحكم في التجارة الصغرى والتعليم وساحات الجامعات، إنها تحتاج إلى من يرفع الناتج الداخلي الخام، أي رفع مستوى عيش السكان، وليس مناصرة الحجاب وتجييش الحشود واستعراض العضلات في شوارع الرباط وتنظيم الولائم والرباطات. فهل يملكون خبراء في البورصة والاقتصاد؟ ويضيفون إن رفض العدل والإحسان للدولة ولتعويضاتها موقف عدمي لا يمت لواقع الممارسة السياسية عموما، ولا حتى لواقع الإسلام السياسي المتعارف عليه. فهو رفض عضوي ولا يمكن التخلص منه ما لم يتم القفز عليه.

وإذا كان المراقبون يساندون حق العدل والإحسان في التعويض، فإن الجماعة تعتبر أن التزامها بمبادئ العدل والإحسان يحتم عليها عدم المشاركة في ما تعتبر أن التزامها مبادئ العدل والإحسان يحتم عليها عدم المشاركة في ما تعتبره ماكياجا مخزنيا ومسرحية قمة في الرداءة. أولا، لأنها تعتبر أن لا شيء تغير في مجال حقوق الإنسان، وأن الذي تغير هو وجه المظلوم، لا وجه الظالم. وثانيا، لأن اختياراتها تمنع عليها قبول التعويض في أمر يخص قناعاتها. وثالثا، لأنها تعتبر أن المخزن لا يرغب في إشراكها في ما يسمى بالمصالحة لأن ملفاتها مازالت مفتوحة. ورابعا، لأنها ترى أن التعويض يتم من مال الشعب مما سيرهق كاهل الدولة إن هي طالبت بالتعويض لطول قائمة الضحايا في سجلها. وخامسا، لأنها تعتبر أن التعويض الحقيقي هو تمتيع الشعب بحرية اختيار من يحكمه (تغيير الدستور).

ولأجل ذلك كله، فإنهم يعتبرون أن مطالبتهم، بمن فيهم المرشد العام للجماعة، بالتعويض سبة في حق العدل والإحسان. وهي السبة التي من المستحيل أن تلتصق بهم.