1. نص الحديث:

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”.

2. تخريج الحديث:

هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وليس له طريق تصح غير هذا الطريق. وقد اتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول، وبه صدَّر البخاري كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة له(1).

3. ترجمة رواة الحديث:

أ. عمر بن الخطاب: هو ابن نفيل بن كعب بن لؤي، أسلم في السنة السادسة من النبوة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم له:” اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام . (2) كان إسلامه فتحا على المسلمين. ولي الخلافة بعهد من أبي بكر رضي الله عنه، فقام بالأمر أتم قيام وكثرت الفتوح في زمانه.استشهد سنة 23 هـ(3).

ب. الإمام البخاري: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، الجعفي رضي الله عنه، ولد ببخارى يوم الجمعة عاشر شوال سنة 194 هـ، نشأ بها يتيما. حفظ القرآن في سن مبكرة، فقه العربية وأجادها، طلب الحديث في سن التاسعة، قيل:  كان قبل أن يضع الحديث يتوضأ ويغتسل ويصلي ركعتين لله تعالى . توفي رحمه الله سنة 256 هـ.

4. شرح ألفاظ الحديث:

النية : لغة القصد والإرادة، واصطلاحا تمييز العبادات بعضِها عن بعض. وقد تأتي بمعنى تمييز المقصود بالعمل.

الهجرة : لغة الانتقال من مكان إلى مكان، وتعني أيضا الترك. واصطلاحا لها معنيان : الأول الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والثاني ترك المعاصي والذنوب.

5. شرح الحديث :

يعتبر هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الدين. روي عن الشافعي أنه قال : “هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابا من الفقه”. وعن الإمام أحمد قال : “أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث عمر  إنما الأعمال بالنيات وحديث عائشة :  من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد . و حديث النعمان بن بشير :  الحلال بين والحرام بين .

أ. أهمية النية في قبول الأعمال أو ردها :

يؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر. فعليها يتوقف قبول أعماله أو ردها، والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين :

أحدهما : بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر، أو تمييز العبادات عن العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف. وهذه النية هي التي ترد كثيرا في كلام الفقهاء وكتبهم.

المعنى الثاني : بمعنى تمييز المقصود بالعمل، هل هو لله وحده لا شريك له أم لغيره؟ وهذه النية هي التي يتكلم عنها العارفون في كتبهم، وفي حديثهم عن الإخلاص وتوابعه(4). و لأهميتها أكد القرآن على التزامها. يقول الله عز وجل في سورة البينة: ” وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين “. وكذلك السنة الشريفة، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال : “إنما يبعث الناس على نياتهم “(5). وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُثِبت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك “.

وقد اهتم السلف الصالح بالنية أيما اهتمام، فلا يكاد يخلو منها كلامهم. يقول مطرف بن عبد الله : “صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية “(6) وقال ابن عجلان :” لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى، والنية الحسنة،والإصابة “. ويرى الأستاذ عبد السلام ياسين أن ” طليعة الجهاد المجدد قوامها الصادقون الذين أخلصوا لله ما وعدوه، وجاهدوا في الله حق جهاده مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وذلك حتى نتجنب الوصوليين والمنافقين. هذا الإخلاص لله تعالى لا ينفك عن الإخلاص لجماعة المؤمنين (7). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع :  نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن ( لا يفسد قلب انطوى عليهن ) قلب امرئ مؤمن، إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم محيط من ورائهم  (8).

ب. كيف نحقق هذا الإخلاص ؟

الإخلاص محله القلب، ولذلك يجب على المسلم أن يطهره من أمراض الرياء والنفاق، فلا يرى لنفسه مزية ولا يعترف لها فيما بينه وبين الله بإخلاص، بل يتهمها أبدا ويشعرها بفضل الله عليها. ويكون ذلك بمصاحبة أرباب القلوب المخلصة.

ج- ضرورة الهجرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم :

لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بحسب النيات، ذكر بعد ذلك مثالا من أمثلة الأعمال التي صورتها واحدة هي الهجرة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد، فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ورغبة في تعلم دين الإسلام، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا. ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام يطلب دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها في دار الإسلام ـ كمهاجر أم قيس ـ فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر، والثاني خاطب، وكلاهما غير مهاجر. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ” فهجرته إلى ما هاجر إليه ” تحقيرا لما طلبه من أمر الدنيا واستهانة به، حيث لم يذكره بلفظه. والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة ومحرمة تارة أخرى. و سائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى. فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اختلاف نيات الناس في الجهاد، وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك. أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال:” من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”. فخرَج بهذا كلَّ ما سألوا عنه من المقاصد الدنيوية.

و معنى الهجرة يتجدد، حيث ينتقل المسلم في صحبة الدعاة من حال الركود والإلحاد واللامبالاة إلى الاهتمام بالإسلام والميل إلى المؤمنين، حتى الإقلاع عن الماضي وموبقاته، وقعوده وخموله، إلى التوبة إلى الله والتحفز للجهاد في سبيله. فما انقطعت الهجرة وما ينبغي لها(9). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود :  لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها .

د  ذم الدنيا وطالبيها :

الآيات والأحاديث في ذم الدنيا كثيرة. يقول تعالى في سورة النساء: قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا . و أخرج الترمذي من حديث سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة.”

فالمؤمن خلق لوظيفة محددة هي عبادة الله ومعرفته، ولتحقيق ذلك ينبغي عليه أن يقلع عن الدنيا وشهواتها، ويزهد في متاعها المادي من أموال وزينة. ولا يعني ذلك أن ينقطع انقطاعا كليا للآخرة فيعزف عن أسباب المعاش مثلا، لكن ألا يدع ذلك يلهيه عن معرفة ربه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال. و لكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها، أرغب فيها لو أنها بقيت لك ” رواه الترمذي.

هـ  الفوائد :

1. ضرورة تجديد النية عند كل عمل، وأن العمل يعظم بحسب النية الباعثة له.

2. الهجرة في زماننا هي هجر الذنوب والمعاصي، وعدم الالتفات إلى ما يغضب الله.

3. نبذ الدنيا والحرص على طلب الآخرة. وجعل السعي للمعاش سببا للنجاة في المعاد.

الهوامش:

(1) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص59/60.

(2) أخرجه الطبراني.

(3) تاريخ الخلفاء لجلال الدين السيوطي

(4) جامع العلوم والحكم.

(5) رواه ابن ماجة وأحمد وحسنه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.

(6) حلية الأولياء ج2 ص 199.

(7) المنهاج النبوي ص 193-194.

(8) رواه البزار وابن حبان، وقال المنذري روي من طرق عدة بعض أسانيدها صحيح.

(9) المنهاج النبوي ص198-199.