أورد الإمام البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، حديثا رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمُص، منها ما يبلغ الثُديّ، ومنها ما دون ذلك، وعُرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: فما أوَّلتَ ذلك يا رسول الله ؟ قال: الدين «(1).

قال ابن حجر تعليقا على الحديث: ” وقد ذكر أنهم متفاضلون في لبسها، فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان “(2).

لما قرأت هذا الحديث الصحيح وتعليق ابن حجر عليه تساءلت: ما حقيقة هذا التفاضل بين عباد الله في النظر الشرعي؟ وهل هناك مراتب في الدين متفاوتة؟ مسألة جوهرية أحاول معالجتها بالنظر العلمي من خلال هذا المجهود.

إن من المواضيع التي طال الجدال فيها بين المسلمين منذ القديم مدلول الإسلام والإيمان وحقيقتهما، وما بين اللفظين من عموم وخصوص. ففي كتاب الإيمان من صحيح البخاري، وفي باب ” سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي صلى الله عليه وسلم “، تطرق الإمام لقضية الإسلام والإيمان وما بينهما من اتفاق وافتراق في الحقيقة والمعنى، ثم أعطى المدلولين مكانهما حيث اعتبر أن الدين الذي رضيه الله تعالى لعباده ولا يقبل ممن ارتضى غيره دينا هو مجموع الإسلام والإيمان والإحسان.

و قد ورد في المسألة مذهبان:

* أما المذهب الأول فقد جزم أصحابه بأن مدلول الإسلام والإيمان متغايران(3)، ودليلهم في هذا الرأي ما يلي:

1- حديث جبريل عليه السلام وما ورد فيه من تباين معاني الإسلام والإيمان والإحسان.

2- إن الإسلام لا يطلق على الاعتقاد والعمل معا، بخلاف الإيمان فإنه يطلق عليهما معا(4).

* وأما المذهب الثاني، فقد جزم أصحابه بأن الإسلام والإيمان عبارة عن معنى واحد(5)، ودليلهم في هذا الرأي ما يلي:

1- قول الله تعالى:  فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ  – سورة الذاريات: الآيتان 35-36-، لم يكن بالاتفاق إلا بيت واحد، فدل ذلك على ترادف معنيي “المؤمنين” و”المسلمين”.

2- ردوا على ما استدل به أصحاب المذهب الأول من حديث جبريل عليه السلام فقالوا: ” جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام هنا اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: » أتاكم يعلمكم دينكم «(6)، وقال سبحانه وتعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) – سورة المائدة، من الآية 3-، وقال:  وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ  -سورة آل عمران: من الآية 85-. ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول إلا بانضمام التصديق “(7).

3- ردوا على أصحاب الرأي الأول بأن ” الإسلام لا يطلق على الاعتقاد والعمل معا، بخلاف الإيمان فإنه يطلق عليهما معا بقوله تعالى:  وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا  فقالوا إن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معا لأن العامل غير المعتقد ليس بذي دين مرضي “(8).

بعد عرض المذهبين وأدلتهما يتضح أن بين لفظي الإسلام والإيمان وما يظهر فيهما من تباين الآراء عموما وخصوصا، إذ الإسلام لفظ أعم في مدلوله من لفظ الإيمان، فيكون كل مؤمن مسلما، ولا يكون كل مسلم مؤمنا.

قال الإمام الخطابي بعد أن تعرض لأدلة كل من القولين:

” الذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما- أي الإسلام والإيمان- حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كلا منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلما كاملا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنا كاملا إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معا فهو سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معا في مقام السؤال حُملا على الحقيقة، وإن لم يردا معا أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن “(9).

بهذا الكلام الجميل والفهم الحكيم جمع الخطابي بين الرأيين المتباينين حيث جعل لفظي الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا ما اجتمعت في الكلام تفارقت في المعنى، وإذا ما تفارقت في الكلام اجتمعت في المعنى.

إلا أن العموم والخصوص الثابت بين مدلول اللفظين يجعلنا نفهم أن الإسلام والإيمان ليسا شيئا واحدا، وإن كانا معا من الدين، فإن قيل إنهما شيء واحد لأن الله تعالى قرن بينهما في آيات كقوله:  فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ -سورة الذاريات: الآيتان 35-36-، فإن بيان ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: إن ” المقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان… فلما ذكر الإيمان مع الإسلام جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: » الإسلام علانية، والإيمان في القلب « (10) “(11).

إن العموم والخصوص الثابت بين اللفظين يجعلهما مرتبتين متفاوتتين في الدين تعلو إحداهما الأخرى وتفوق إحداهما الأخرى، الأمر الذي نستشفه من خلال شواهد عديدة أذكر منها:

1- تباين الحقيقة اللغوية، فإن الإسلام لغة معناه التسليم والاستسلام والانقياد(12).

أما الإيمان لغة فمعناه التصديق والاعتقاد(13) كما جاء في الآية الكريمة:  وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا  – سورة يوسف: من الآية 17 – أي بمصدق لنا.

قال الغزالي: ” وللتصديق محل خاص وهو القلب، واللسان ترجمان، وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح، فإن كل تصديق بالقلب فهو تسليم… فموجب اللغة أن الإسلام أعم والإيمان أخص… فكل تصديق تسليم، وليس كل تسليم تصديقا “(14).

2- تباين الحقيقة الشرعية، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام قال: » الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان «(15).

و لما سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: » الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث «(16).

3- إن مدلول الإيمان يشمل ما ينضوي تحت الإسلام من معاني، وفي ذلك قال ابن الصلاح:” إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث- أي حديث جبريل- وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق في الباطن الذي هو أصل الإيمان، ومقويات ومتممات وحافظات له… ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: » لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن «(17)”(18).

إن مجمل القرآن والحديث يرد الإسلام إلى الأعمال الظاهرة التي يمكن أن يؤديها المنافق والأعرابي الذي لما يدخل الإيمان في قلبه، بينما الإيمان والتحلي بشعبه عقيدة وقولا وعملا أن يكون القلب محط الأمانة حيث تنبعث منه النية والصدق والإخلاص والعزم والإرادة التي بدونها تكون الأعمال الظاهرة لغوا وعملا لا يقبله الله تعالى، لأن الله تعالى إنما يتقبل من المتقين و” التقوى ههنا ” كما جاء في الحديث الصحيح ويشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره الشريف وهو محل التصديق والإخلاص.

قال الله تعالى:  قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ  – سورة الحجرات: من الآية 14-، قيل في هذه الآية ” إنما نزلت في أعراب بني أسد، قالوا آمنا أول ما دخلوا في الإسلام ومنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك. فأراد الله أن يعلمهم حقيقة ما هو قائم في نفوسهم وهم يقولون هذا القول وأنهم دخلوا في الإسلام استسلاما ولم تصل قلوبهم بعد إلى مرتبة الإيمان، فدل بهذا على أن حقيقة الإيمان لم تستقر في قلوبهم ولم تشربها أرواحهم  قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ … فهذا الإسلام الظاهر الذي لم يخالط القلب فيستحيل إيمانا واثقا مطمئنا. هذا الإسلام يكفي لتحسب لهم أعمالهم الصالحة فلا تضيع كما تضيع أعمال الكفار… ثم بين لهم حقيقة الإيمان  إِنَّما المؤْمِنون الذينَ آمَنوا باللِه ورسولِهِ ثم لمْ يرْتابُوا وجاهَدوا بأمْوالهمْ وأنْفُسهمْ في سَبيلِ اللهِ  -سورة الحجرات: من الآية 15-. فالإيمان تصديق القلب بالله ورسوله… فالقلب متى تذوق حلاوة الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه لابد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب في واقع الحياة، في دنيا الناس “(19).

هذه بعض من شواهد تفاوت مرتبتي الإسلام والإيمان، وأن الإسلام وإن كان يشمل أعمال الجوارح من عبادات ظاهرة، فإن الإيمان يشمل ما هو أعمق من ذلك من تصديق القلب وإخلاصه، مما يدفع بالجوارح إلى الخضوع والاستسلام بكل صدق وإخلاص، وفي ذلك قال ابن تيمية: ” إن القلب إذا صلح بالإيمان، صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان “(20).

و بعد أن تأكد تفاوت درجتي الإسلام والإيمان أصِل إلى مرتبة أخرى في الدين أعلى ومنزلة أسمى من الأولتين وهي درجة الإحسان التي صورها لنا الحديث الشريف المعروف بحديث جبريل عليه السلام، حيث جاء يعلم الصحابة مراقي الدين في مشهد ملائكي فريد للتعليم الرباني، لكي يكون وقع التعليم مؤثرا عميقا، فعلمهم أن الدين سلم مرقاته الأولى إسلام والثانية إيمان والثالثة إحسان.

افتتح الإمام مسلم صحيحه بحديث جبريل، وأورد هنا رواية البخاري لأنها الأقصر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : » كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بيوم البعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك… ثم أدبر. فقال: ردّوه، فلم يروا شيئا، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم «(21).

قال القرطبي معلقا على الحديث: ” هذا الحديث يصلح أن يقال له أمَّ السنة لما تضمنه من جمل علم السنة… وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومآلا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه “(22).

فماذا تضمن هذا الحديث أم السنة ؟

إن هذا الحديث الصحيح السند، البين المعنى يعلمنا الدين كما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم » هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم «. والدين كما ورد في الحديث منازل ومراتب متفاوتة متصاعدة، حيث مرقاته الأولى إسلام والثانية إيمان والثالثة إحسان.

لقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بين مسمى الإسلام، ومسمى الإيمان، ومسمى الإحسان، حيث سئل عن الإيمان فأجاب: » الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث «.

ثم سئل عن الإسلام فأجاب: » الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان «.

ثم سئل عن الإحسان فأجاب: » أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك «.

قال ابن تيمية: “جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام. فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنا، ولا كل مسلم مؤمنا”(23).

الهوامش:

(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، حديث 22 .

(2) فتح الباري: 1/74 .

(3) نقل هذا المذهب عن الإمام أحمد بن حنبل وعن أهل السنة: فتح الباري: 1/115 .

(4) فتح الباري: 1/115 .

(5) نقل هذا الذهب عن أبي عوانة في صحيحه عن المزني، ونقل عن البغوي: فتح الباري: 1/115، وشرح صحيح مسلم: 1/145 .

(6) جزء من حديث جبريل الوارد في صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان، حديث 48 .

(7) فتح الباري: 1/115 .

(8) نفسه: 1/115 .

(9) فتح الباري: 1/115 .

(10) مسند الإمام أحمد: 3/135 .

(11) كتاب الإيمان لابن تيمية: 36 .

(12) مختار الصحاح: 153 .

(13) مختار الصحاح: 22 .

(14) إحياء علوم الدين: 1/138 .

(15) جزء من حديث جبريل الوارد في صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان، حديث 48 .

(16) جزء من نفس الحديث .

(17) صحيح ابن حبان: 10/260 .

(18) شرح صحيح مسلم: 1/148 .

(19) في ظلال القرآن: 26/145 .

(20) كتاب الإيمان: 33 .

(21) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان، حديث 48 .

(22) فتح الباري: 1/125 .

(23) كتاب الإيمان: 29 .