أدوات التحليل التي ابتليت باستعمالها هذه الطبقة من المثقفين المعاصرين تلامذة الجاهلية ليس فيها شيء يسمى الغيب، لأن دائرة تلك الثقافة لا تعرف الله. فإذا اخذوا يحللون الأحداث التاريخية عرضوا الدوافع النفسية والسياسية والاقتصادية أيها كان العامل الحاسم في الواقعة. يرتبون هذه الدوافع حسب ما تعطيه مذاهبهم الفكرية من الأهمية والأسبقية للعوامل الموجهة لحركة المجتمعات. فالشيوعي يبدأ بالبحث عن العامل الاقتصادي والملكية ووسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج ليحدد مجرى الصراع الطبقي وتطوره. والمثالي يبحث عن الفكرة والفلسفة والتيار العاطفي أو الديني الذي أعطى السياسة قاعدتها الإيديولوجية ومبادئها. وهكذا. أما المؤمن بالله وقضائه وقدره فينظر في الأسباب الظاهرة، تكون نظرته عوراء إن لم يفعل، لكنه ينظر أيضا إلى قدرة الله تعالى وقضائه وتصرفه المطلق في ملكه، من خلال العلل والأسباب أو بدونها. كل فساد ظهر في البر والبحر فبما كسبت أيدي الناس، والحكمة المعلنة في القرآن الكريم أن رب العباد سبحانه يريد ” ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون” (الأية (41) من سورة الروم).

في التحليل الإيماني لتاريخ الفتنة وانتقاض عروة الحكم في الإسلام نعزو ما وقع للأمة من تخاذل أمام السلطان إلى الإخلال البشري، لا تغيب عنا أسباب استيقاظ عصبية كانت في طريقها إلى الذوبان في عهد النبوة والخلافة الراشدة. ولا يغيب عنا الصراع بين طوائف جديدة من الشعوب والأجناس التي دخلت في الإسلام ولم تترب عليه تربية كاملة، ولا يغيب عنا كيف كانت هذه العناصر القلقة وسطا مناسبا فشت فيه حمى المطالبة والاعتراض والتآمر. لا يغيب عنا أخطاء، بل أوزار، فئة من الانتهازيين اندسوا في ثنايا الدولة على عهد الخليفة الثالث رضي الله عنه فكان منطقهم أن ” دواء الأمة السيف ” قبل أن ينطق بالكلمة عبد الملك بن مروان من على منبر رسول الله صل الله عليه وسلم. لا يغيب عنا ما دخل المجتمع الإسلامي من أموال انصبت إثر الفتوح الواسعة لتحدث تحولات في نمط المعيشة. وهلم جرا إلى ماشئت من تخرص وتقدير.

الآن نرجع إلى أمة كانت معجزة تاريخية قبل ظهور كل هذه العوامل لما برزت على ساحة العالم جموعا جائعة فقيرة من المقومات المادية، غنية عزيزة بالمعنى العظيم الذي جمعها وألف بينها ورفعها : معنى الإيمان بالله والشعور بأنها حاملة رسالة إلى العالم.

هذه الأمة كانت تتعامل مع الله عز وجل ثقة به وبوعده في الدنيا والآخرة، كانت تأخذ كلمة القرآن ووصية النبي صل الله عليه وسلم مأخذ المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. كان هذا المطلق هو العامل الحاسم في حياتها، في رفعتها وفي كبوتها. كانت طاعة الله ورسوله الباعث على الفعل والترك، على السلم والحرب، على الموت والحياة.

كان الصحابة رضي الله عنهم سمعوا من رسول الله صل الله عليه وسلم حديث ” الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عاضا”. سمعوا وصدقوا أن عرى الإسلام ستنقض، وأن أول ما ينقض منها عروة الحكم ورباطه. سمعوا أن هلاك الأمة سيكون على يد ” أغيلمة من قريش “. فهل كانت كل هذه الإخبارات تمر على الآذان كما تمر أساطير الأولين؟ كلا بل كانوا موقنين أنه الوحي.وتدل كثرة ما روى من هذه الأحاديث المستقبلية ـ كانت ـ أن العلم بها كان مستفيضا. وقد جمع المحدثون تحت عنوان “كتاب الفتن” أو ما شابه كثيرا مما ذكره الصادق المصدوق صل الله عليه وسلم عن وقائع تأتى على أمته وعلى العالم من بعده إلى ظهور الدجال لعنه الله وظهور سائر أشراط الساعة.

في حديث نقض عرى الإسلام ذكر المصطفى الكريم على الله صل الله عليه وسلم أن أول العرى نقضا عروة الحكم، وأن آخرها الصلاة، وأن الناس كلما انتقضت عروة تشبثوا بالتي تليها. العرى الفتحات التي تدخل فيها الأزرار ليشد بها الثوب. فكأن سربال الإسلام يتمزق عن جسم الأمة من أعلى، من حيث الرأس، أي الدولة، والناس يتمسكون به مخافة أن ينكشف. ترى هل أوصى نبي الله صل الله عليه وسلم أمته بشيء تتشبث به يكون أرجى أن لا تهلك الأمة من جراء الانفصامات المتتالية؟ ترى هل فهم الصحابة والتابعون والقرون الثلاثة الفاضلة من الوصية النبوية أنها تشريع للفتنة ورضى بها وتشجيع على بسطها؟

أمامي صحيح الإمام مسلم أقرأ منه في باب الفضائل عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال : “قام رسول الله صل الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر. ثم قال : ” أما بعد ألا أيها الناس ! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين (قال العلماء سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما): أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به”. فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: ” وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي! ” الحديث.

الأخبار عن غدير خم، وعن وصية النبي صل الله عليه وسلم بآل بيته الأطهار تشكل عند إخوتنا الشيعة النصوص الحيوية التي يبنون عليها ولاءهم المطلق لآل البيت. آل البيت رضي الله عنهم هو العروة التي تشبثوا بها بعد فساد الحكم ونقض عروته. اشتدت عليهم قبضة حكام العض على مر القرون فاستماتت قبضتهم في التمسك بآل البيت، اعتقدوا الوصية لعلي كرم الله وجهه، وغلا غلاتهم فرفضوا الخلفاء قبله وسبوهم، قاتل الله الغلاة وأبعدهم، واعتقدوا الإمامة لبني علي وأضفوا عليهم العصمة.

تشبث آل إلى تصلب توارثته الأجيال، وعاش في ظل الاضطهاد والاستخفاء والتقية، لكنه تشبت له أصل ثابت عندنا وعندهم من إخبار الحبيب صل الله عليه وسلم ووصيته.

أمسكوا هذه إخوتي وأخواتي، قفوا عند هذا التشبت من جانب الشيعة ريثما نذكر أهل السنة والجماعة، لنرى كيف تفرعا معا من نفس الأصل النبوي، وكيف توسع الخلاف بين الفرعين، وكيف حفرت العدوات والصدامات وتضارب الولاء الهوة حتى أصبح الشيطان والجهل يصوران لنا أنها هوة لا قرار لها، وأنها الفرقة إلى الأبد. هذا التصور الشيطاني يغلق على الأمة آفاق المستقبل في الدنيا وأمل لقاء الله عز وجل وهو يضحك إلينا إن جئناه نعادي أهل القبلة أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله، المتمسكين بالقرآن كما نتمسك وهو الثقل الأول. فما بالنا نكفر إخوتنا وننفخ نفخ الشيطان أن كان فهمنا للثقل الثاني كيف نواليه محط خلاف؟

أقرأ من كتاب ” جامع الأصول ” أحاديث كثيرة، لا أورد منها إلا الصحيح، كلها توصي الأمة بالسمع والطاعة مهما كان الأمير. أحاديث انتشرت في السواد الأعظم من الأمة، وهم أهل السنة والجماعة، وأصبحت مبدأ ونظام حياة. يسيء الظن، بل يستخف بالأمة، من يزعم أن هذه الأحاديث كانت من وضع الرواة بإيعاز من الحكام المحتاجين إلى مشروعية، يتخذون هذه الأحاديث أداة تشريعية للقمع. كان هنالك وضع، ووضع كثير، لكن إجماع أهل العلم بالحديث على سلسلات من الرواة الثقات يجعلنا في مأمن تام من أن يتسرب إلى ديننا مثل هذا التزوير. ذلك لثقتنا الكاملة بهذا العلم الفريد الشريف الوحيد في تاريخ الدنيا، ألا وهو علم أصول الحديث وعلم الجرح والتعديل.

عنوان ابن الأثير الجزري رحمه الله: ” الفصل الخامس في وجوب طاعة الأمير”.

أورد في الفصل سبعة عشر حديثا، ثلاثة عشر منها في الصحيحين أو في أحدهما. والصيغة الأمرية تتراوح بين الترغيب والأمر المؤكدين بالطاعة وبين التحذير والوعيد الشديدين من المخالفة والعصيان. ” اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة” (البخاري). ” إن أمر عليكم عبد مجدع (…) يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا ” (مسلم والترميذي والنسائي)… ” من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني” ( الشيخان والنسائي) ” سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صل الله عليه وسلم قال: ” يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه. ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجدبه الأشعت بن قيس فقال : اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ” (مسلم والترميذي). ” ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة “(من حديث لمسلم).

هناك صيغ أخرى مشددة مثل قوله صل الله عليه وسلم: ” من كره من أمير شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية” ( الشيخان). هذا الحديث وأمثاله ألجم الأفواه، وألزم علماء الأمة الصبر على كره شديد لما فعله العاضون. فإن نطقت الأفواه بالاحتجاج فما كانت، إلا في حالات قليلة، تثير الخروج على السلطان من جانب العلماء الأتقياء مخافة الوعيد المفزع وعيد الميتة الجاهلية، وقانا الله.

صرح الإمام أحمد رضي الله عنه بملء قوته لما ابتدع المأمون العباسي وفسق عن أمر ربه وحارب الله ورسوله بتبني رأي المعتزلة القائلين بخلق القرآن. وأوذي الإمام فصبر. جلد فغفر. كان وعيد الميتة الجاهلية رادعا قويا لأمثاله الضنينين بدينهم.

وكان الملوك العاضون وسلاطين السيف يستغلون هذه النصوص، ويربطون الناس ببيعة إكراهية تغل منهم الرقاب وتقيد الأرجل وتشل الحركة. ماذا تريد من مؤمن أن يفعل وهو يسمع حديث رسول الله صل الله عليه وسلم القائل : ” ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل بايع إماما، فإن أعطاه وفى له، وإن لم يعطه لم يوف له” ( الشيخان والترميذي ) توفية واجبة إذن وإن اختل العدل في الحكم، وفشا الظلم الاجتماعي، واستأثر الحكام بالأرزاق لا يعطون إلا على نشوة المبذر المسرف في أموال المسلمين.

وطغى في الأرض الفسقة الفجرة، تطيعهم الأمة على كره شديد وتحتفظ بهم، وتغزو بغزوهم، وتأتمر بأمرهم، تسمع وتطيع.

كان خوف الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة يلم شعت الأمة، ويصونها أن تذهب مع الصبيان التي استيقظت، وأن تخرج مع الرايات المفرقة للوحدة، الساعية للفرقة. ” من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، فقتل فقتلة جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي بعهد ذي عهدها، فليس مني ولست منه” (مسلم والنسائي).

لنقف الآن ومعنا من أدوات التحليل شيء زائد على المنطق الجدلي والاعتبارات الأرضية. لنقف نتساءل: أليس في هذه الوصايا المؤكدة الشديدة ما يحير؟ أليس رسول الله صل الله عليه وسلم جاء بالشورى وبالعدل وبالإحسان؟ فلم أوصى بالسمع والطاعة مهما استبد الحاكم. ومهما ظلم ومهما فسق؟

إن الله عز وجل أخبرنا أن محمد صل الله عليه وسلم حريص على المؤمنين، رؤوف بهم رحيم. وإن الله عز وجل أطلع نبيه صل الله عليه وسلم على مسائل كثيرة من الغيب، مما يقع لأمته حتى قيام الساعة، نقل إلينا الصحابة رضي الله عنهم بعضها وأنسوا الكثير. وإن الرسول الكريم حرص على وحدة أمته لما علم من قضاء الله الذي لا يرد، قضاء الله العلي القدير الحكيم الذي اقتضى أن تكون فتن، وأن يبتلى المسلمون بحكام العض والجبر، لا يظلم ربك أحدا، ولا يظهر الفساد في بر أو بحر إلا جزاء لما كسبت أيدي الناس لعلهم يرجعون. ولعلهم يؤجرون في الدار الآخرة إن كانوا مسلمين وصبروا واحتسبوا وقالوا باللسان والعمل : إنا لله وإنا إليه راجعون.

أطلع الله جل وعلا نبيه الكريم بما هو كائن لا محيد عنه، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله. وبإذن الله نطق الرؤوف الرحيم صل الله عليه وسلم. نطق بوصية السمع والطاعة لما علم من أن نوازع الاستعلاء والاستكبار ستظهر، وسيظهر التسابق إلى السلطان، والصراع على السلطان. فلا يكن ذلك على حساب وحدة الأمة وتماسكها الداخلي. ثمن هذا التماسك الصبر، ثمنه الاستبداد وما يجره من خسف للحقوق، ثمنه الظلم وتوابعه، صليت بناره الأمة، وصليت بنار الحروب الأهلية، كانت تلك الحروب كفيلة بالقضاء على الإسلام لولا وصايا السمع والطاعة التي اعتبرها علماء المسلمين دينا ومعهم السواد الأعظم.

هذا الإيضاح النبوي كان العروة المتينة التي تشبث بها أهل السنة والجماعة بعد أن نقضت عروة الحكم.

ولعل كثيرا مما وقع في تاريخنا من اضطراب في السياسة والحكم، في المذاهب والاختلاف، في الفقه والعقيدة، في هروب الصوفية الطيبي الأنفاس من الميدان وسكوت علمائنا عن ” تلبيس إبليس ” في الحكم، راجع بعد قضاء الله وقدره إلى الحيرة بين التشبثين الواجبين، بين التشبث بالقرآن، وهو العروة الوثقى، فيه الشورى والعدل والإحسان، وبين التشبث بالسنة وفيها الأمر بالسمع والطاعة والتخويف من الميتة الجاهلية في حق من فارق الجماعة. السمع والطاعة لملوك استحقوا الصفة الشائنة التي جاءت بها أيضا السنة وهي صفة العض، وظهر بعد أنهم أخلوا بالشورى وبالعدل وبالإحسان جميعا.

من حديث مسلم والترميذي والنسائي أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: ” إن أمر عليكم عبد مجدع (…) يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا”. لذا لا نجد حاكما عاضا فيما مضى، ولا نجد من حكام الجبر الحاليين إلا من يتمسح بكتاب الله سبحانه ظاهرا، ويعلن ولاءه له وخدمته وإخلاصه. فمن كان منهم من الصالحين ـ وقد كان، فإننا لا ندين الأشخاص بل ندين النظام ـ سدد وقارب ليطبق حكم الله جل شأنه على واقع متفلت. ومن كان دون ذلك فإنما كان يلعنه القرآن ولا تجرؤ الأمة ـ في سوادها الأعظم وفي غالب الأحيان ـ أن تخرج عن طاعته مخافة الوعيد المهول.

فمن خرج من أهل السنة والجماعة خرج لتأوله وفهمه من الوصية النبوية ما لم يفهمه غيره. كان الحسين بن علي رضي الله عنهما والقائمون بعده زيد بن علي ومحمد وإدريس وإبراهيم ويحيى وكل القائمين في القرون الفاضلة من أهل البيت من أهل السنة والجماعة، إذ لم يكن التشيع يومئذ تحول من كونه مشايعة وانتصارا لآل البيت الأطهار ليصبح مذهبا وعقيدة.

كان هؤلاء القائمون الغاضبون لله المنتصرون للحق يعرفون الأحاديث المشددة على السمع والطاعة ولزوم الجماعة لاشك في ذلك. لكنهم أيضا كانوا يعرفون أحاديث الطاعة فيها مشروطة بأن يقود الحاكم الأمة بكتاب الله تعالى مثل حديث مسلم الذي قرأناه آنفا. ويعرفون الأحاديث التي شرطت الطاعة للحاكم الذي يقيم الصلاة لا لمن يضيعها مثل حديث مسلم عن عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول : ” خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. ” قال : ” قلنا يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟” قال: ” لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ! لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة”.

حديثان لمسلم يشرطان الطاعة بشرطين: أن يقود الحاكم الأمة بكتاب الله تعالى، وأن يقيم الصلاة في الناس. فتبقى للمؤمنين مسؤولية التقدير لتمييز الحاكم الذي يقود بالقرآن أولا يقود، ولتقدير إقامة الصلاة ما معناها وما مدلولها العملي. إن كان الرسول الكريم على الله المؤيد بالوحي يشير إلى مواطن القدر التي أطلعه ربه عليها مقدما النصائح، فما كان له أن يستبق القدر بتفصيل ما ينبغي أن يبقى مطويا، ولا بتعيين ما يجب أن يبقى إلى زمان ظهوره مسدلة عليه أحجبة الستر، ولا بتعريف حدود الشرطين الحاكمين. كتم صل الله عليه وسلم ذلك وسكت عنه ليتحمل كل مسؤوليته، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. فقدر الله تعالى الحكيم لقضائه الأزلي لا يتنافى مع ما أثبته الشرع وما تعطيه الملاحظة من كسب العباد وحريتهم في الاختيار. كان من معجزات النبي صل الله عليه وسلم أن أخبر بالفتن الطارئة على أمته من بعده، لا يعصم الأمة عاصم من أن تجري عليها الأقدار فتتميز عن سائر الخلق، وما بلغت نصائحه الشريفة صل الله عليه وسلم أكثر من أن ترسم دائرة واسعة، في حدودها يحتفظ بوحدة المجموع دون أن تقيد مسؤولية أحد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.

لا نشك لحظة أن الحسين بن علي رضي الله عنهما حين غضب غضبته وقام قومته إنما فعل لاعتقاده أن يزيد فسق عن أمر الله وقاد بغير القرآن وأضاع الصلاة، إن كان غيره قدر غير ذلك ورجح الطاعة فلا يعدو أن يكون مجتهدا. وان سترت أجيال من علماء السنة كارثة قتل الحسين، أو أدانتها على استحياء، فما يهون من فداحة إخلالهم ذاك في أعيننا إلا وجود تلك النصوص الثابتة الكثيرة الداعية للحفاظ على الوحدة، تأولوا في ظلها سلوك يزيد وأمثاله، وسكتوا عن الذل والإذلال وهم يسمعون بني مروان ويرونهم يصفون السيف دواء السيف لأمراض الأمة، وضرب الرقاب شفاء، ويطبقون.

لا يعذر إخواننا الشيعة أحدا ولا يهون عليهم شيء من سكوت أهل السنة والطاعة. ومعهم من النصوص ما إليه يطمئنون يجدون فيها الوصية النبوية بلزوم الثقلين كتاب الله وعترة النبي صل الله عليه وسلم. والقرآن وأهل البيت في اعتقادهم واعتقادنا مترابطان. نجد الإشارة إلى هذا التلازم في حديث للترمذي قال إنه حسن غريب عن يزيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم : ” إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فانظروا كيف تخلفوني فيهما.”

وبعد فإن رسول الله صل الله عليه وسلم أخبر كما رأينا في الحديث الصحيح عند البخاري أن هلاك أمته يكون على يد أغيلمة من قريش. نفهم كلمة الهلاك في النطق الشريف لا على أنه نهاية الأمة، فإن استمرارها منذئذ إلى يومنا أربعة عشر قرنا إلا أربعين عاما أو خمسين لا يقبل ذلك الفهم. لكن الأغيلمة ما وصلوا إلى الحكم إلا لمكان النظام الوراثي العاض الفاسد المفسد. ما كان لأمثالهم أن يتربعوا على السدة لو كان أمر الأمة شورى بينها ولو لم تلد العصبية المستيقظة من أسباب الأثرة والتسلط ما حال دون العدل، وحرف مقاصد القرآن، ودفع إلى المناصب العالية حاملي السيف لا أهل التقوى والإحسان.

وصول الأغيلمة للحكم واستمرار استبداد أهل العض والجبر كان النقض الأخطر إذ كان نقضا للعروة العليا. كان فساد السلطان توهينا للقرآن. من شأن السلطان في دولة الإسلام أن يخدم القرآن ويكون عنه وازعا مدافعا. فإذا أمسى السلطان مزورا عن القرآن، مخالسا له مخاتلا كما نرى في عصرنا، فهلاك الأمة مستمر. وعلى الله القوي العزيز التوكل في أن يقف الانحدار، ثم تبدأ مسيرة اقتحام العقبة، بجهد أهل القرآن بالعمل الدائب، بالعلم النافع، حتى يستقر السلطان في أيدي الأمناء الأقوياء، حتى تكون الدولة آلة طيعة في يد الدعوة تشرف بها على عملية انتشال الأمة من أودية الهلاك، والصعود بها إلى الذرى. لا إله إلا الله محمد رسول الله.