الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، وعلى آله وأصحابه وأحبابه إلى يوم الدين، وبعد:

فهذا جواب علمي على مقال الأخ الفاضل عبد الخالق العلوي: “رد على متاهات العدل والإحسان في ملفها الغيبي”-سبق أن نشرته أسبوعية الأيام-، أثبت فيه جواز رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وقبل عرض الأدلة على ذلك، أقدم بهذه المقدمات:

المقدمة الأولى:

أولا: إن معارف العقل البشري محدودة بما توصله إليه الحواس الخمس، فهو يسلم بوجود الشمس تصديقا للعين، ويسلم بملوحة ماء البحر تبعا لقوة الذوق، ويعترف بنهيق الحمار استنادا لجارحة السمع، وهكذا.

فإذا أعلم بخبر لا تدركه تلك الحواس، حار أمره واضطرب رأيه، فانقسم إلى عقل معترف بالعجز، ماسك نفسه عن إصدار أي حكم، أو إلى عقل متكبر يسيطر عليه العجب والعناد، فينكر ما لا تعرفه حواسه ويجحد ما لا يدخل تحت طوقه.

إن العقل الأول عقل المومن، أو الكافر المتضلع من العلوم العصرية مع التواضع، فإن كثيرا، من الفيزيائيين وغيرهم من العلوميين، يقرون بأن العقل لا يمتلك القدرة على إثبات أو نفي ما لا تحصره حواس الإنسان.

وقد سلموا بهذه الحقيقة بناء على كثير من الفرضيات العلمية التي أنكرها كثير من “العقلاء” والعلوميين، ثم أصبحت أمرا بديهيا لا نزاع فيه، ككروية الأرض وحركة الشمس ..

وبناء أيضا على كثير من الظواهر الكونية المشاهدة، والتي يقف العقل عاجزا عن تفسيرها.

ينتج عن هذا أن الخوارق التي تنقل عن بعض الناس، ويستحيل إخضاعها للتجربة المخبرية، تقابل بالتسليم أو التوقف، أما إنكارها بدعوى عدم قبول العقل لها، فغرور وجهل مركب.

ثانيا: من المسلمات عند المومنين بكتاب الله، أن للقلب قدرة على الرؤية والسماع والفهم وغير ذلك.

ومن الآيات الدالة على هذا: (لهم قلوب لا يفقهون بها)، و(فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). وإن هذه اللطيفة المسماة قلبا، لا ترى ولا تسمع إلا إذا تنورت وتهذبت بالمجاهدة القائمة على التعبد المتواصل، مع الإخلاص وإصابة السنة، ومنها صحبة ولي عارف مرشد.

فإذا تساندت هذه الشروط، صار لك قلب يرى ويسمع ويدرك الحقائق من غير واسطة.

ومن ينصف نفسه، فعليه بمطالعة سير وتراجم الصحابة والتابعين ومن تبعهم، فإنه سيجد من شواهد ما تقرر هنا العجب العجاب.

ثالثا: إن الله تعالى هو الذي أوجد قوانين الكون وسننه، فهو سبحانه قادر على إبطالها متى شاء وكيفما شاء، ويسمى هذا الإبطال خارقة أو معجزة أو كرامة أو غير ذلك.

وهذه الحقيقة لا يستطيع أي عاقل أن ينكرها أو يماري فيها، بل يوقن بها الكافر قبل المؤمن.

ومن القوانين التي جعلها الله في خلقه، أن لا يرى الميت حيا ولا يسمع صوته، إذا أراد الجبار خرقه فيكشف للأحياء شيئا من ذلك.

ولهذا الخرق شواهد في الكتاب والسنة والواقع كثيرة، يأتي بعضها قريبا.

رابعا: الكرامة شيء خارق للعادة وقوانين عالم الشهادة، يفتح بها الكريم الوهاب على أحد من عباده تبشيرا أو تكريما أو ابتلاء.

ولم يرد في الشرع ما يدل على حصر الخوارق في مجال محدد، فإذا أخبر المومن الصادق بأمر مخالف لسنن الكون، وجب تصديقه والتلسم بحاله، مهما كان هذا الخارق.

وإن الإيمان بالكرامات من أصول الإسلام، وهي أنواع، منها الكشف (المشاهدات)، والكشف هو تجلي المغيبات، كالملائكة والجنة والنار وغير ذلك، في اليقظة، وأدلتها كثيرة جدا، جمعتها في تأليف، يسر الله طبعه.

وإن رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم يقظة يندرج في الكشف، ومن يكذبه سيكون متهما للقدرة والحكمة الربانية.

المقدمة الثانية:

قال الأخ الفاضل في مقاله: “أرجو صادقا أنه إذا أسالت هذه الكلمات مدادا أن يكون مداد علم يخدم دين الله عز وجل ويساهم في تأسيس مبدأ الحوار الذي هدفه الأسمى قبول الحق والنقد البناء بصدر رحب”. انتهى.

أقول: هذا كلام جميل جدا، يشير إلى أن صاحبه رجل موضوعي يبحث عن الحق، ويقبل تبديل رأيه إذا بان له خطأه، فأرجو أن يجد في هذا الجواب ما يتمناه ويطلبه.

وهو كلام جميل، لأنه يدعو للمناقشة العلمية النزيهة، لكنه لم يسلك هذا المسلك، فقد ناقضه وأفسده، وهذا البيان:

أولا: سمى مقاله هكذا “ردا على متاهات العدل والإحسان في ملفها الغيبي”.

فبدأ بالهجوم والمجازفة، واصفا شريحة عظيمة، تضم فئة من العلماء الصادقين بالتيه، وهو من لوازم الجهل والضلال.

ثانيا: عندما نقل المشاهدة التي ينصب عليها مداده، وفيها أن المشاهد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن النصر قد حان، فاستعدوا له.

أعقبها بقوله: “إن الاستعداد للنصر لا يكون بمثل هذه الأماني الكاذبة، وأقول الكاذبة تبعا لجهابذة العلم كابن حجر العسقلاني ..”.

قلت: أين أنت من النزاهة والنقد البناء إذا كنت تصف رجلا بالكذب؟ وأين أنت منهما عندما تتهم الإمام ابن حجر بما لم يخطر بباله، فالرجل ممن يقبل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدته كما سأذكره لك بعد قليل؟

ثم أقول: إن البشارة التي سمعها صاحب المشاهدة، تدعو للاستعداد والتهيؤ للنصر، فهي موافقة للنصوص المبشرة بعودة الخلافة الثانية والداعية إلى العمل لتحقيق ذلك، فلم تذكر الأماني الكاذبة، وليس في كلام المذكور أي شيء من ذلك؟!

ثالثا: جاء في المشاهدة: “شاهدت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يخرج من وسط اللافتات وهو يقول: إن النصر قد حان، فاستعدوا له” فقال صاحب المقال: “لا يمكننا أن نصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلول في اللافتة، فالحلول والاتحاد ووحدة الوجود عقيدة الصوفية المتفلسفة، والتي كان روادها ابن عربي والحلاج وابن سبعين وغيرهم أخذوها عن الغنوصية، وكنت أظن أنها قد باءت مع أهلها إلا أننا نفاجأ اليوم بهؤلاء يريدون إحياءها من جديد”.

أقول وبالله التوفيق:

– لم يرد في المشاهدة لفظ يشير، من قريب أو من بعيد، لقضية الحلول والاتحاد، فما فيها إلا أن المشاهد رأى النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يخترق اللافتات أو يمر بينها، فلم التأويل والتعسف؟

– يبدو أن الأخ الفاضل لا يفهم معنى الحلول والاتحاد، لذلك اتهم عقائد الناس بما هم براء منه، وها آنذا أشرحه له:

يقصد بالحلول، أن تحل الذات الإلهية في مخلوق من المخلوقات، حلولا يؤدي للامتزاج والاختلاط، فتتحد الذاتان، وهي عقيدة فاسدة باطلة، اعتقدها طوائف من النصارى في سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، فأين هذا من المشاهدة المذكورة يا طالب النقد النزيه! فهذا نموذج لكثير من التهم الباطلة، والشائعات الكاذبة، التي يلصقها من لا يحجزه الورع والتقوى بجماعة العدل والإحسان.

انظر كيف اتهم الأخ الفاضل، رزقه الكريم العلم والورع، هذه الجماعة الطاهرة بإحياء فكرة الحلول بناء على سوء فهم المشاهدة، أو تعسفا وليا لألفاظها، فاتقوا الله في الجماعة المذكورة هداكم الله، ولا تتهموها من غير بينة ولا برهان!

رابعا: إذا لم يوقعني اضطراب صاحب المقال في الفهم المقلوب لمجمل كلامه، فإن موقفه من مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم هو القبول والتسليم، لكنه مشروط عنده بأن يكون الرائي من الأولياء تبعا للإمام ابن أبي حمزة رحمه الله، فإنه قال في آخر كلامه: فالفيصل في المسألة إذن أن نرى حال الرائي هل هو متبع للكتاب والسنة، هل هو ولي الله.

قلت: إذا كان رأيك هو هذا، فإنه يناقض وصفك للمشاهدة بالأماني الكاذبة والأحلام المسلية، فإنك كذبت الرائي ورميته أبشع الأوصاف، وأنت غير مؤهل لمعرفة هل هو ولي أم لا، بل إنك لا تعرف شخصه أصلا.

إن النزاهة العلمية، والنقد البناء، يلزمان بدراسة الفكرة والبحث في مضمونها بعيدا عن صاحبها، فكان عليك أن تطرح موقفك من مسألة مشاهدة المصطفى صلى الله عليه وسلم من غير تعرض لصاحب المشاهدة.

ثم أقول: إن حصر رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم في الأولياء، لم يقله الإمام ابن أبي حمزة رحمه الله، بل صرح بأن غيرهم قد يقع له ذلك في النادر، فكن أمينا عند نقل أقوال الرجال.

ومن جهة أخرى، فإن كل مسلم موحد ولي لله تعالى.

نعم، الولاية درجات، لكن أهل القبلة مشتركون في أصل الولاية، قال الحق تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)، فأثبت أن جميع المسلمين أولياء له.

وأما هذه الآية: “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون ..”، فإنها تتحدث عن الولاية الخاصة، وهي التي يبلغها العبد بالاصطفاء الرباني.

خامسا: قال الأخ الفضال “فهو صلى الله عليه وسلم حي في قبره لا خارج قبره كما جاء في الحديث “أنا حي في قبري”، فعقيدة المسلمين في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بشر وأنه خير الخلق كلهم، قال ربنا عز وجل (قل إنما أنا بشر مثلكم …) إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك خاصية الملائكة التي هي نورانية وهي المخولة للحضور مع المؤمنين طاعة لله واستجابة لأمره: (وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، وما كان ربك نسيا، وبمقتضى ذلك لا يمكننا أن نصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلول في اللافتة)، أقول: هذا الكلام القليل مسلسل بالأخطاء والمجازفات، يشهد على صاحبه بأنه دخل في موضوع خطير لا يدري أنفه من ذيله، ويثبت أن الكثير من ينكر ما لا تتسع له حويصلته من غير بحث وتمحيص.

يؤكد هذا، أن الأخ الفاضل يبني رده كله على مرجع واحد هو “فتح الباري” لابن حجر رحمه الله.

أما سلسلة الأخطاء فهي:

الخطأ الأول: لا يوجد في أي من كتب السنة حديث بهذا اللفظ: “أنا حي في قبري”، وإنما فيها: “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون”، أخرجه أبو يعلى (6/147) والبزار وابن عدي في الكامل (2/327)، وغيرهم، وهو حديث حسن.

الخطأ الثاني: زعم الأخ الفاضل أن حياة المصطفى محصورة بالقبر، وهو فهم لم يسبق إليه ولا يحسد عليه، أوقعه فيه سوء فهمه للحديث المذكور آنفا.

والحق أن أهل القبلة متفقون على أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وأنهم ممكنون من مفارقتها، وقد بنوا ذلك على عدة أمور:

أولها: اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعا، ليلة الإسراء والمعراج، ببيت المقدس، وببعضهم في السموات، ومعنى هذا أنهم يفارقون قبورهم ويجولون في الملكوت.

وثانيهما: روى الإمام البخاري في صحيحه، مع الفتح (3/414)، ومسلم (1/152)، وغيره، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق فقال: أي واد هذا؟ فقالوا: هذا وادي الأزرق. قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطا من الثنية، وله جوار إلى الله بالتلبية ثم أتى على ثنية هرشي فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشي. قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام، على ناقة حمراء جعدة، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خلبة، وهو يلبي.

قلت: فهل يتوافق ما تضمنه هذا الحديث، من رؤية موسى ويونس عليهما السلام، في جزيرة العرب، وهما مدفونان خارجها، مع ما قرره صاحب المقال؟!

وثالثها: تصريح آيات وأحاديث عدة بحياة الشهداء في الجنة، والأنبياء أولى بذلك منهم جزما، فالجمع بين هذا، وبين النصوص الدالة على حياة الأنبياء في قبورهم، يقتضي أن نقول بسياحتهم صلوات ربي وسلامه عليهم في عالمي الملك والملكوت. وهو مذهب أهل التحقيق.

إليك كلام بعضهم، وهو الحافظ الإمام المتفنن جلال الدين السيوطي رحمه الله، فقد ألف في إثبات رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم في اليقظة رسالة نفيسة سماها: “تنوير الحلك بإمكان رؤية النبي والملك”، وهي مطبوعة ضمن كتابه الفخم: “الحاوي للفتاوي”، وإن كثيرا من المنكرين لم يروها ولم يطالعوها، ومما جاء فيها: فحصل من مجموع هذا الكلام والنقول والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليه الصلاة والسلام عليها، لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال.

الخطأ الثالث: زعم الأخ الفاضل أن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره بشرا، ليس مخولا للحضور مع المومنين، لأنه غير نوراني كشأن الملائكة، وهذا من فواقر الإيمان، ومن فحش الكلام في سيد الخلق.

إننا نعتقد أن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، ولد من أب وأم، لكننا نقول: إن الله تعالى إذا شاء أجرى له الخوارق والمعجزات، فيفوق ببعضها الملائكة كما حصل له في المعراج، وإن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنقطع بموته، بل هي مستمرة.

ثم إنني أنبه الأخ الفاضل إلى قضية مهمة، يعرفها عامة المسلمين قبل خاصتهم، وهي أن أحكام البرزخ غير أحكام الدنيا، فإذا كان النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته يتصرف بمقتضى روحانيته النورانية، وللروح قوة تماثل قوة الملائكة، وقد تزيد عليها، ألم تقرأ في صحيح الأحاديث أن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد السلام على كل من يصلي عليه باسمه؟! وأن أعمال أمته تعرض عليه، فما كان من خير حمد الله عليه، وما كان من سيء استغفر له؟!

فهل يقبل عقلك أن يسمع بشر أصوات ملايين الخلق، إنسهم وجنهم وملكهم ودوابهم وجمادهم .. في وقت واحد، مع تمييز صوت كل واحد، ثم يرد على كل فرد منهم!

ألا يذكرك هذا بملك الموت الذي يقبض أرواح آلاف الموتى في لحظة واحدة؟!

الخطأ الرابع: ادعى الفاضل أنه لا يمكن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلول في لافتة.

وأقول: سبق وذكرت لك أن المشاهدة لا تشير إلى الحلول بأي وجه.

وإذا كان اختراق اللافتات يستحيل في عقل صاحب المقال وغيره، فإني وكل مسلم عاقل، نعتقد أن ذلك سهل جدا، فإن اللافتة لن تكون أمتن من السماوات ولا من طبقات الجو التي جاوزها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج.

بل إنك طالعت فيما سلف ما يثبت خروج الأنبياء من قبورهم، فأين اللافتة منها؟!

ثم لا تنسى أن للروح قدرة على اختراق كل الأشياء، تماما كالشمس والهواء.

أدلة إمكانية مشاهدة النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة:

بعد الذي قدم، أنتقل بالقارئ المتشوف، إلى سرد الأدلة على جواز رؤية المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وقبل ذلك أتقدم بالاعتذار إلى الأخ الفاضل، عبد الخالق العلوي، على ما قد يكون في كلامي السابق من شطط.

وأشير إلى أن هذه الأدلة ملخصة من مؤلف لي في الموضوع، أسأل الباري تعالى تيسير إخراجه لينتفع به المومنون. أشير إلى ذلك، حتى لا يعترض علي من يجدني أنأى عن توثيق بعض النقول، فإنني لا أريد إثقال هذا المقال بذلك.

فكل حديث أذكره هنا، هو مخرج في الأصل، وكل أقوال أئمتنا هي موثقة فيه.

الدليل الأول:

روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي”.

فهذا الحديث صريح في أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام لن يموت حتى يكرمه الله سبحانه بتحقق رؤياه، والمعلق على الممكن ممكن، وقد فهم جمع من المحققين، هذا الذي ذكرناه، وأجمع عليه علماء الصوفية.

الدليل الثاني:

تبث لدينا بالقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع بعدد من الأنبياء وخاطبهم قبل وفاته، وهذا من معجزاته، وقد نص الأئمة على أن ما جاز للنبي معجزة جاز للولي كرامة، وهذا محل اتفاق.

فلا يجوز تخصيصه بمثل هذه الخارقة بغير دليل، وكيف يجوز وقد نص في الحديث السابق على أن رؤيته أمر ممكن الوقوع!

الدليل الثالث:

روى الإمام أبو يعلى في مسنده بإسناد صحيح عن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفس أبي القاسم بيده، لينزلن عيسى ابن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء، وليعرضن عليه المال فلا يقبله ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد، لأجيبنه”.

قلت: صرح هذا الحديث بأن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم سيجيب نداء عيسى عليه اسلام، ومعلوم أن عيسى لن يكون وحده، فسيراه معه كل من يحضره.

فإذا قلت: الإجابة المشار إليها في الحديث تكون بالصوت من غير صورة، فلا يصلح الاحتجاج بهذا الخبر.

أقول: بل ألفاظ الحديث تحتمل الوجهين معا، وما داما لا يتناقضان، ولا يخالفان نصا قطعيا، فلا مجال لترجيح واحد منهم على الآخر، لأن الترجيح يحتاج إلى دليل، ولا حجة لمن يحصر الإجابة في وجه معين، فظهر أن الاستدلال به على ما تفرزه هنا استدلال يوافق قواعد الشريعة.

وإياك أن تعترض بقولهم: مع الاحتمال يسقط الاستدلال، فإن هذه القاعدة لا تصلح إذا كان اللفظ مشتركا بين معان عدة، ألم تر أن المجتهدين اختلفوا في عدة المطلقة هل هي ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات، وسبب ذلك تعدد معاني القرء في لغة العرب، والله تعالى يقول: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، ولم يقل أحد: لا يجوز الاستدلال بالآية لأنها تحتمل وجهين، بل كل فريق عضد قوله بما هو خارج عن الآية من النصوص أو كلام العرب، فانتبه!

الدليل الرابع:

ثبت لدينا بنصوص عديدة، أن كثيرا من الموتى غادروا قبورهم، فرآهم الأحياء وكلموهم، وإن حصول ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وأحرى، ومن يزعم استثناء صلى الله عليه وسلم من ذلك فعليه أن يقيم برهانا علميا واحدا، وإننا نقطع باستحالته لما تقدم من أدلة ساطعة. فإن قلت: اذكر لي أمثلة على خروج غير الأنبياء من قبورهم، أقول:

إن أمثلة ذلك كثيرة، ذكرت جملة منها في أصل هذا المقال، لكنني أتحفك بشيء منها لعلك تزداد يقينا واطمئنانا:

المثال الأول:

قال الله عز وجل في سورة البقرة: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضا ليس فيها موت، حتى إذا كانوا بموضع كانوا كذا وكذا قال لهم الله: (موتوا) فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم فتلا هذه الآية: (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون).

المثال الثاني:

قال الله عز وجل في المائدة: (يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طائرا بإذني، وتبرئ الأكمه والأبرص وإذ تخرج الموتى بإذني).

وفي آل عمران: (وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله).

قلت: كان الموتى يستجيبون لعيسى عليه السلام، فيخاطبهم ذووهم.

فإن قلت: إن ذلك من معجزات عيسى، أقول له: وتجلي المصطفى بعد موته من معجزاته، ثم إن كثيرا من الموتى ظهروا من غير وجود نبي كما سترى في المثال الآتي، فبطل تقييد الأمر بالمعجزات.

المثال الثالث:

أخرج عبد الله بن أحمد في “الزهد 16” وتمام الرازي في “الفوائد 1/99” بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “حدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب”، ثم أنشأ يحدث قال: خرجت رفقة مرة يسيرون في الأرض، فمروا بمقبرة فقال بعضهم لبعض: لو صلينا ركعتين ثم دعونا الله لعله يخرج لنا بعض أهل هذه المقبرة، فيخبرنا عن الموت، قال: فصلوا ركعتين ثم دعوا، فإذا هم برجل خلاسي، قد خرج من قبر ينفض رأسه بين عينه أثر السجود، فقال: يا هؤلاء، ما أردتم إلى هذا؟ لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت إلى الساعة! فادعوا الله أن يعيدني كما كنت”.

أئمة نصوا على جواز رؤية المصطفى صلة الله عليه وسلم يقظة

لاشك أن المتسلح بالعلم، المتشوف للحقيقة، البعيد عن التعصب والعناد، يرى في الأدلة المعروضة أعلاه مقنعا وكفاية، ولمن يعرف الحق بالرجال أذكر جملة من الأعلام الذين نصوا على إمكان مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته:

– ابن بطال علي بن خلف البكري القرطبي القاضي العلامة المحدث [ت 449]:

قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال: قوله “فسيراني في اليقظة”، يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق، ولي المراد أنه يراه في الآخرة، لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة، فتراه جميع أمته من رأه في النوم ومن لم يره منهم.

– الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي [ت 505]:

صرح لذلك في مواطن عدة من “الإحياء”:

– الإمام المجتهد المتفنن القاضي أبو بكر بن العربي المعافري:

قال في “قانون التأويل”: رؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم، ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة.

نقله السيوطي في “تنوير الحلك”:

– ابن المنير علي بن محمد بن منظور الإمام المجتهد القاضي:

نقل عنه الحافظ في فتح الباري، ضمن شرح حديث: “من رآني في المنام..” أنه قال: يجعل الله لروحه مثالا، فيرى في اليقظة كما يرى في النوم.

– الإمام أبو عبد الله القرطبي المفسر الكبير:

قال في “التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة” 1/212: قال شيخنا أحمد بن عمر: موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء ولا يراهم أحد من نوعنا، إلا من خصه الله بكرامة من أوليائه.

– سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: حكاه عنه السيوطي في “تنوير الحلك”.

– الإمام الحافظ عبد الله بن أبي حمزة (710). وقد نقل بعض كلامه صاحب المقال، فلا نعيده، وهو في “فتح الباري”.

– الإمام الحافظ عبد الله بن أبي حمزة (ت 710).

وقد نقل بعض كلامه صاحب المقال، فلا نعيده، وهو في “فتح الباري”.

– الإمام الفقيه الرباني محمد بن محمد العبدري الفاسي المصري المالكي المعروف بابن الحاج (ت 737).

قال في كتاب “المدخل 3/194: بعضهم يدعي رؤيته عليه الصلاة والسلام وهو في اليقظة، وهذا باب ضيق، وقل من يقع له ذلك الأمر، إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان، بل عدمت غالبا، مع أننا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم.

– الإمام الفقيه ابن عطاء الله الإسكندري (ت709)، فقد أورد في “لطائف المنن” رؤية النبي يقظة في كرامات الشيخ أبي العباس المرسي رحمه الله.

– الإمام قاضي القضاة شرف الدين ابن البارزي (ت738)، ذكره السيوطي في “التنوير”.

– الإمام عفيف الدين أبو محمد اليافعي اليمني المكي (ت 768).

قال في “روض الرياحين في حكايات الصالحين”: “قوله: تلقاني الخليل” قول حق لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال، التي يشاهدون فيها ملكوت السماء والأرض، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى عليه السلام في الأرض، ونظره هو وجماعة من الأنبياء في السموات وسمع منهم مخاطبات، وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي. انتهى من “تنوير الحلك” للسيوطي.

– الحافظ الكبير المتفنن ابن حجر العسقلاني (ت852).

قال في “الفتح” 7/4: من رآه بعد موته وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس بصحابي، وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية وإنما هي أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا.

– الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911)، له في إثبات المشاهدة “تنوير الحلك بإمكان رؤية النبي والملك”، فانظرها لزاما.

وبعد، فقد ذكرنا لك أدلة تكفي اللبيب وتشفي الكئيب، وسردنا عليك أسماء ضخام الأئمة المقررين لجواز رؤية الحبيب، فإن شفيت من الإنكار فذاك المطلوب، وإلا فأمسك لسان التبديع والتأنيب.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه إلى يوم الدين.